هل لعنت «داعش» اليوم؟

حجم الخط
4

■ «صل على النبي والعن داعش»، فداعش تستحق اللعنة تقربا إلى الله وزلفى، وهي تنظيم همجي إرهابي وحشي مريب ينتحل صفة «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، بينما لاعلاقة له بالإسلام الحق ولا بالضمائر الحية، فداعش جماعة من مصاصي الدماء، وعلى نحو ما قال المتحدث باسمها أبو محمد العدناني ذات مرة «إن لنا جيوشا في العراق وجيشا في الشام، شرابهم الدماء وأنيسهم الأشلاء»!
وقد أحسن «المجلس العسكري العام لثوار العراق» صنعا ببيان البراءة التامة من «داعش»، ومن نهجها الطائفي المتوحش، وتأكيده على الطابع السياسي الوطني لثورة العراق الشعبية الراهنة، فليست القصة في صدام للسنة مع الشيعة، ولا في حروب طائفية نتنة، تتصادم فيها «داعش» سنية مع «دواعش» شيعية على طريقة «منظمة بدر» و»عصائب أهل الحق» و»كتائب أبي الفضل العباس» و»كتائب حزب الله»، فكل هذه عناوين طائفية مخاصمة لمعنى الوطنية العراقية، ولا يؤدي السير وراء جرائم المجموعات الطائفية سوى لشيء واحد، هو تقسيم العراق بصورة نهائية، وتحويله إلى دويلة سنية ودويلة شيعية، مضافة للدويلة الكردية القائمة الآن بالفعل، ثم إدارة صراعات داخلية في هذه الدويلات، تفتت المفتت، وتحول أراضي دولة كان اسمها «العراق» إلى ميدان لمقتلة عظيمة وبحور من الدماء.
نعم، نبذ داعش عنصر جوهري لتطهير صفوف الثورة، وتنقية سيرتها، وقد نتفهم وطأة القهر الذي جرى لسنة العراق، وقتل الآلاف وراء الآلاف من علماء العراق وخيرة ضباطه، وبعمل عصابات طائفية منظمة، وبتحويل الدولة نفسها إلى عصابة طائفية على يد جماعة نوري المالكي، والنهب المنهجي لثروات العراق وتجريفها لمصلحة إيران، وبتورط أحزاب سنية ـ كحزب الإخوان المسلمين ـ في التواطؤ مع جماعة إيران، وكل ذلك ما يؤجج غضبا عارما في نفوس سنة العراق بالذات، وبما قد يدفع بعضهم إلى التغاضي عن جرائم «داعش»، وتقبل عمل «الداعشيين» انتقاما لما جرى، لكن الاندفاع وراء شهوة الانتقام لا ينتصر لثورة، ولا يقيم دولة العادلين، وهذا ما تتفهمه جيدا فئات لها الدور الأعظم في ثورة العراق المتصلة فصولها، ومن نوع «حزب البعث» و»جيش النقشبندية» و»كتائب ثورة العشرين» و»الجيش الإسلامي»، ومجالس ثوار العشائر مع ضباط الجيش العراقي الأصلي، وهو الجيش المحترف عالي الكفاءة، الذي كان أول هم الاحتلال الأمريكي هو حله وتشريد ضباطه وتسريح جنوده، وكان ذلك كسرا للعمود الفقري لدولة العراق، التي ينفرط عقدها باطراد خلال العشر سنوات الأخيرة.
ونتصور أن المطلوب الآن ـ بالضبط ـ هو تشكيل مجلس قيادة جامع لأطراف الثورة، يحارب «داعش»، كما يحارب جماعة المالكي العميلة للاحتلال الإيراني والاحتلال الأمريكي، فقد انسحبت القوات الأمريكية تحت ضغط ضربات المقاومة القومية والإسلامية، لكن واشنطن ظلت تحتفظ بمفاتيح الثروة البترولية في كردستان والجنوب الشيعي، وظلت تحتفظ بالسيطرة في «المنطقة الخضراء» مقر حكم بغداد، حيث تركت أكبر سفارة لها في عواصم الدنيا كلها، إضافة لآلاف العسكريين ـ تحت اسم المستشارين ـ بدعوى تدريب الجيش العراقي الجديد الذي أنشأه الأمريكيون، والتحكم في صفقات تسليحه، واستنزاف ثروات العراق في عملية عبثية، ينفق فيها سنويا 20 مليار دولار على ما يسمى بالبناء العسكري والأمني، ويتكون فيها جيش المليون تافه، الذي انتحلوا له صفة «الجيش العراقي الجديد»، وألغوا التجنيد الوطني العام، وحشدوا في الجيش الموهوم جماعات ميليشيا بدائية، وأعطوا لأرباب الميليشيات رتب الجنرالات، ثم جعل نوري المالكي من نفسه قائدا عاما لجيش لا يعرف شيئا عن الفن العسكري المحترف، ولا تشده رابطة وطنية، ولا يحسن الدفاع، ولا الثبات فوق أرض، وهو ما يفسر هزائمه السريعة المدوية، ليس فقط أمام ثوار العراق في الغرب والشمال، نزولا إلى أسوار بغداد، بل أمام جماعات «البيشمركة» الكردية، التي وجدت في انهيارات الجيش فرصتها المواتية لاحتلال كركوك، وضمها نهائيا إلى دويلة كردستان.
دعونا نقولها ـ ببساطة ـ أنه لا فرصة لإعادة توحيد العراق بدون بناء جيش عراقي موحد، يقوم على مبدأ التجنيد الوطني العام، ويبني عقيدته على أساس الوطنية العراقية الجامعة، فالجيش القوي المحترف هو عماد وحدة الدولة، وبدون جيش قوي لا معنى لكلام، ولا قيمة لحديث عن ديكتاتورية أو عن ديمقراطية، فالديمقراطية تقوم على تداول السلطة في دولة راسخة، بينما الديمقراطية مع التفكيك لا تؤدي سوى إلى هوان وضياع وشظايا مجتمعات، وبقدر ما تصدق هذه القاعدة في دولة عظيمة التجانس سكانيا وثقافيا كمصر، فإنها تكون أكثر لزوما في مجتمعات التعدد الإثني والطائفي، وبالذات في أقطار المشرق العربي بمجتمعاتها الفسيفسائية المفرطة في التنوع، فالجيش اللبناني ـ مثلا ـ هو الوحيد الموحد في لبنان الطائفي المفرق سياسيا واجتماعيا، وتحطيم الجيش السوري ـ لا قدر الله ـ يعنى تفكيكا نهائيا لسوريا التي نعرفها، وحل الأمريكيين للجيش العراقي كان وسيلتهم المثلى لتحطيم العراق، وإفناء دولته الموحدة، فتحطيم الجيش الواحد أدى للدخول إلى مرحلة الجيوش الخاصة والميليشيات والزواريب، وهو نفس ما جرى ويجري في ليبيا المتجانسة سكانيا وثقافيا، فقد لجأ القذافي إلى تفكيك وحدة الجيش خوفا من الانقلاب العسكري، ثم جاء التدخل العسكري لحلف الأطلنطي في حوادث ثورة 17 فبراير، وكانت النتيجة، تحطيم البقية الباقية من التماسك العسكري، ثم تحطيم الثورة نفسها رغم مقتل القذافي، وتفكيك وحدة المجتمع الليبي حتى إشعار آخر، وهو ما جعل من ليبيا ـ بعد العراق ـ مزرعة نموذجية لشتلات الإرهاب، وجيوش القطاع الخاص. وطبيعي أن يكون الوضع في العراق المتنوع طائفيا وإثنيا أكثر خطورة، فقد تعرض العراق لاحتلال أمريكي مباشر، ولتحطيم كامل بنيته العسكرية والصناعية والاقتصادية والإدارية، وتحويله إلى خرابة ينعق فيها بوم «داعش» السنية وميليشيات الهوس الشيعي، وتفاقمت المأساة بإحلال الاحتلال الإيراني الفعلي محل الاحتلال الأمريكي المنسحب، والمحصلة ظاهرة، فلا فرصة لإعادة بناء دولة العراق بدون استعادة جيش العراق، وخوض حرب تحرير وطني، تخلص العراق من الاحتلال الإيراني أولا، وبروح وطنية جامعة لا بروح طائفية ضيقة الأفق، بروح فصائل المقاومة الوطنية العراقية التي أذلت قوات الاحتلال الأمريكي، وأرغمتها على الفرار، وليس بروح «داعش» الهمجية، وهو ما يؤكد ـ ثانية ـ على أهمية تطهير صفوف الثورة العراقية المعاصرة من «داعش» وأخواتها، ولا تبدو المهمة صعبة الآن، بل أن تركها يفاقم خطورة «داعش» على مستقبل الثورة، وقد سبق لقوى المقاومة وثوار العشائر أن حطمت جماعة «القاعدة « التي خلفتها «داعش» في إمارة الإرهاب، وبوسع ذات القوى الآن أن تبادر إلى تحطيم «داعش»، لا أن تعلن التبرؤ منها فقط، فداعش لا تشكل سوى نقاط متفرقة على خرائط المشهد العسكري الآن، لكن القوى المعادية ـ في الغرب وإيران ـ تبالغ في وزن «داعش»، وفي تصوير ممارساتها الهمجية، وبهدف تشويه ثورة التحرير الوطنية العراقية، رغم أن الوقائع الجارية على الأرض تؤكد المعنى الوطني ـ لا الإرهابي ـ للثورة، ففي محافظتي «نينوى» و»صلاح الدين» اللتين تحررتا أولا، لم تستطع «داعش» أن تعين أمراء من صفوفها، بل جرى تعيين قادة ميدان ومحافظين أقرب إلى حزب البعث وضباط جيش صدام حسين.
والخلاصة، أن خطر داعش أسوأ من خطر إيران وميليشياتها الطائفية في العراق، فلا وظيفة لداعش وراياتها السود سوى توفير مسوغ لتعزيز قبضة التحكم الإيراني، وهو ما يجعل من لعن داعش، وقتل الداعشيين سنة وشيعة، فرض عين ـ لا مجرد فرض كفاية ـ على كل وطني ثوري في العراق الآن.

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية