مهند النابلسيشاهدت فيلم ‘سانكتوم’ الذي يمثل في اعتقادي نمطا جديدا من الأفلام الثلاثية الأبعاد (تجسيم الثلاثة دي)، والذي يجمع باتقان ما بين نمط السرد ‘شبه التسجيلي’ (حيث يستند لقصة حقيقية)، وما بين القدرة ‘المدهشة’ على التصوير المجسم الذي يشعرك بأنك جزء من الحدث ويحبس أنفاسك على مدى ساعتين تقريبا، وكأنك خضت مغامرة ‘اكتشاف الكهوف’ وبقيت حيا. تكمن المفارقة في هذا العمل المدهش في ‘تيمتين’ متتابعتين: التفاؤل المفعم بحب المغامرة الذي قادهم للوصول بطائرة هليوكبتر لمعاينة الكهف في اجواء من المناظر الطبيعية الخلابة، ومن ثم في قفزهم للهبوط ببراعة كالطيور، ومن ثم في نزولهم لأسفل الكهف وتحولهم للسباحة والغوص كالأسماك (وقد غلبهم اليأس والتشاؤم والرعب) داخل المسارات والدهاليز المائية العميقة، حتى مع نفاذ الاكسجين أحيانا (لنتذكر الشاب وهو يستمر منطلقا في غوص سريع بهدف الوصول لشاطئ الأمان في اخر لقطات الشريط)، وعلى الرغم من حالات الموت التراجيدي المتسلسل، فقد بقي ‘المنطق’ هو سيد الموقف وسيطر ‘زخم القوة الدافعة’ على ايقاع الأحداث في دراما مغامرات خارقة تتحدث عن ‘كفاح الانسان تجاه قسوة الطبيعة وجبروتها’.الفيلم يتحدث عن اخر مغامرات اكتشاف الكهوف البحرية المعقدة، ويشير لرحلة الاكتشاف هذه وكأنها تتشابه مع اكتشافات كولمبوس وغزو أرمسترونغ للقمر، من حيث أن هذا الكهف يعتبر اخر الكهوف المائية ‘غير المكتشفة’. يخوض هذا الشريط في حيثيات الخبرة الحقيقية لكاتب السيناريو ‘أندرو ويت’ مع تعديل بالتفاصيل لتتناسب مع طبيعة وايقاع العمل السينمائي. انه يتحدث باختصار عن المعاناة وتجربة الكفاح والبقاء لخمس شخصيات انحشرت في طوفان مائي كبير داخل أكبر كهوف ‘غويانا الجديدة’ ويدعى ‘ايساألا’، وذلك أثناء قيامهم باكتشاف آخر الجيوب المائية العميقة. تتضمن هذه الشخصيات المغامرة مكتشف الكهوف الخبير فرانك ماجواير (الممثل ريتشارد روكس برو) وابنه المراهق ذا السبعة عشر عاما جوش (ريس ويكفيلد)، وشريكه العتيق جورج (دان ويلي)، وهناك أيضا المليونير المغامر (ممول الرحلة) كارل هيورلي (لون جروفود)، وصديقته فيكتوريا (أليس باركنسون)، وحيث يخوض الخمسة صراعات متداخلة وتوترات مصيرية لمناقشة وايجاد مسار نجاة لهم، قبل أن ترتفع المياه ويفقدوا حياتهم واحدا تلو الآخر في محاولاتهم البائسة للنجاة، تكمن قوة الفيلم في السيناريو المتقن الرابط ما بين حس المغامرة والاقدام وكل من عناصر الخطر والفجيعة بطريقة تصاعدية وبنمط درامي يحبس الأنفاس، ولكن نقطة الضعف تكمن هنا في الافتقاد ‘لوحدة المصير’، ونظرا لغياب ‘القيادة الحقيقية’ فقد بدت الشخصيات تتخبط بشكل أناني باحثة عن النجاة بنفسها، حيث لا مناص لهم من الغوص في متاهة الأعماق المظلمة للوصول للمخرج البعيد المنال! وقد افتقد الفيلم ‘للنفس التراجيدي’ المصاحب لحالات الموت المفاجئ، بل تحول الموتى لكائنات ‘منبوذة وغريبة’ وأصبحوا في وهلة ‘كالأسماك الميتة العائمة’.برع المخرج ‘اليستر جريسون’ في ادارة مغامرة الاكتشاف المثيرة هذه مستعرضا الصعاب والأهوال، منغمسا بالتفاصيل والتقنيات متجاهلا هاجس الموت وكأنه عنصر عادي وفعل صيرورة للكائن البشري، كذلك أبدع المصور السينمائي جوليس لوجلين في تصوير عمل ثلاثي الابعاد خلاق وممتع، وتكاملت الموسيقى التصويرية مع الأحداث لتعطي بلغتها المجازية بعدا ‘ثلاثيا’ للصوت أيضا في تزامن ‘غير مسبوق’ مع الصورة، كذلك أبدع ريتشارد روكسبرو في دوره كطاغية مغرور (فرنك)، خاصة استنادا لخبرته النادرة كعالم كهوف عتيق يعشقها أكثر من شغفه بالحياة التقليدية فوق سطح الأرض، كما أبدع ‘لون جروفولد’ في تقمصه لدور ممول الرحلة (المليونير المتبجح)، الذي طغت عليه في النهاية حالة هيستيرية – أنانية، بعد أن شاهد موت رفاقه وفقد تماما الأمل بالنجاة. ما جذبني لمشاهدة الفيلم هو ظهور اسم المخرج الشهير جيمس كاميرون (صاحب التيتانك والأفاتار) كمنتج منفذ، وربما يمهد هنا لتقنيات فيلمه القادم الذي سيحدث ضجة عالمية بالتأكيد.أعتقد أن هذا الشريط يمثل رعبا حقيقيا، خاصة لاولئك الذين يعانون من رهاب الكهوف المائية والأماكن المغلقة ولا أنصحهم بمشاهدته، هذا الشريط يغرقك تماما في الحدث بحيث تصبح جزءا منه، فأنت تخاف عند انقطاع حبل التسلق أو عطب وانفجار انبوب الاوكسجين، ويحتوي الفيلم على جرعة مجازية من السيكولوجيا’ من حيث قدرته على اضاءة مجاهل السلوكيات البشرية التي تبدو في حالات متراوحة ما بين الحب والكره والتضحية والأنانية والغيرة والغرور والعبث والاستهتار بالمخاطر وحب المغامرة والاكتشاف.يخلق هذا الفيلم لدى المشاهد وعيا جديدا، ويثير التساؤلات حول مصيرنا البشري وما مدى تأثير وجودنا الأرضي المؤقت على هذا الكوكب الذي نعيش فيه، وهل نحن كبشر نترك بالحق بصماتنا عليه أم نمر مرورا عابرا؟وأخيرا فان رحلة اكتشاف الكهوف البحرية تماثل هنا (في اعتقادي المتواضع) رحلات اكتشاف الفضاء الخارجي، فلا معنى من التركيز على كوكب عطارد وكوكب المريخ فيما نحن ما زلنا نجهل كوكبنا الأرضي، وهذا ينطبق مجازا مع التفكير البشري، فلا معنى من اكتشافك للآخرين اذا لم تكتشف نفسك أولا، وهي نفس مقولة بطل الفيلم الشاب الذي يقول في آخر مشاهد الفيلم وهو يسبح (كالسمكة العنيدة) باتجاه الشاطئ ونور الشمس ‘انه فهم الان فقط شخصية والده المعقدة، ولم يكن يستطيع فهمه في ظل ظروف الحياة العادية ‘. وتكمن المفارقة المحزنة هنا في حالة هذا الشاب المراهق الذي كان يكره أبيه (قبل هذه الرحلة) ولا يفهم سر شغف أبيه بالكهوف والأعماق، فها هو أخيرا يقدر موهبة وحكمة أبيه، بل ويقوم (تنفيذا لرغبة الأب) باغراقه (كفعل موت رحيم) لتخليصه من الجروح المؤلمة التي أصابته ولانقاذه من الموت البطيء الذي ينتظره في الأعماق المرعبة! فهل يفهم الأبناء آباءهم أخيرا بعد فقدانهم.في الخلاصة فانه يجب أن ننبهر بالحق من هذه القدرة الفذة على تصوير فيلم ‘ثلاثي الأبعاد’ تحت المياه وفي ظلمة الكهوف العميقة وبهذا الشكل الاخاذ الذي يلخص ‘صراع الانسان الأبدي مع قسوة الطبيعة العنيدة’، وحتى كلمة ‘سانكتوم’ التي ظهرت عنوانا للفيلم، فهي معبرة وتعني بالعربية ‘الحرم المقدس المعزول’، وربما يقصد بها الاشارة ‘مجازا’ لهذا الكهف المعقد الخطير والصعب الاستكشاف، والذي أصاب مكتشفيه بلعنة الموت، وترك الشاب حيا بقصد ليروي أهوال هذه المغامرة الكابوسية.كاتب من الاردن (عضو رابطة الكتاب واتحاد الانترنت للكتاب العرب)mmman98@hotmail.com