«باقية وتتمدد» هذا ما تقوله أدبيات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ويكرره أنصاره باستمرار، وهذا ما تثبته الأيام يوماً بعد يوم، فالمعركة مع هذا التنظيم تبدو طويلة وشاقة ولن تحسم في المدى القريب.
في سوريا تحديداً، لم تندلع أي معارك تذكر بين تنظيم داعش وقوات النظام، ولا نرى في كامل خريطة سوريا جبهات مشتعلة بين التنظيم والنظام في نقاط التماس الكثيرة بينهما، بل جاءت داعش لتحتل المناطق المحررة، ولتفرض شريعتها على المدنيين في تلك المناطق، شريعة يراها التنظيم إسلامية، والإسلام منها براء كما احسب.
التأويلات كثيرة عن تأسيس التنظيم في سوريا، ولم يستطع أحد إثبات أي منها، كما لم يستطع أحد نفيها، ولم يثبت ارتباط التنظيم بمخابرات النظام وإيران، فعمليات الموصل الأخيرة جاءت لتثبت صعوبة ذلك، ولكن أحداث سوريا تثبت اختراقه وارتباطه ربما بأجهزة مخابرات عالمية قد يكون أحدها الإيراني وغيره …
قبل زيارتي الأخيرة إلى الرقة بدأت أتصور أن عناصر داعش عبارة عن ثلة من المجرمين الدمويين، فالضخ الإعلامي الكبير يساعد في تكوين هذا الانطباع. وبنفس الوقت كنت أتساءل في نفسي لماذا لا نلاحظ أي حراك شعبي حقيقي داخل المناطق التي تسيطر عليها داعش منذ ما يزيد عن السنة؟ هل الرصاص والقمع مثلاً هما السبب؟ وهل الشعب السوري الذي لم ترعبه دبابات الأسد يخاف من رصاص داعش! كيف ذلك؟
بعد تلك الزيارة عرفت أن ما نشاهده من عمليات إعدام وجلد وتقطيع أيدي ليس إلا جانباً بسيطاً جداً مما تقوم به داعش، وهي في الحقيقة تعامل المدنيين، الذين يخشونها ربما ولا يستفزون عناصرها، بطريقة مختلفة، وتعمل على تطبيق شعارها (باقية وتتمدد)، وتتخذ في سبيل ذلك أساليب مدروسة، مستغلة الأخطاء التي وقع بها الثوار من قبل.
في الوقت الذي يسعى فيه النظام للحفاظ على كرسيه واستعادة ما خرج عن سيطرته بحرب مجنونة ضد شعبه لم تبق ولم تذر مستخدما البراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا ويفتح أبواب السجون والمعتقلات على مصاريعها، وفي الوقت الذي يلجأ فيه الثوار إلى الداعمين لتأمين أسباب صمودهم تعمل داعش على بناء قاعدة شعبية في المناطق التي تسيطر عليها، معتمدة في ذلك على نشر العلم الشرعي تارة، وعلى اكتساب تعاطف الناس عبر تقديم المساعدة تارة أخرى.
أخبرني محمد، وهو مقاتل من مدينة تلبيسة يسكن في مدينة تل أبيض وكان في صفوف الجيش الحر وتعرض لإصابة في إحدى المعارك سببت له إعاقة، قال حرفياً: «لدي ثلاثة أبناء صغار، ولست قادراً على العمل، طرقت أبواباً كثيرة ولم يقدم لي أحد المساعدة المطلوبة، وحين ذهبت إلى الدولة (يقصد داعش) قدموا لي مساعدة عاجلة بالإضافة إلى مساعدات شهرية تعينني أنا وأبنائي.. أنا لا تهمني المساعدة بحد ذاتها بل يهمني المعاملة الطيبة التي ألقاها منهم، وعندما يكبر أبنائي سأقوم بضمهم إلى صفوف الدولة للقتال معها».
يعكس كلام محمد فعالية أسلوب داعش في كسب التأييد في صفوف الناس البسطاء بشكل عام، وخصوصاً من هم بحاجة إلى مساعدات توفر لهم لقمة عيشهم.
عملت داعش على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين وضمنت استمرار الحياة بشكل طبيعي، فكان أول ما تفعله في أي منطقة هو تنظيم عمل الأفران وصيانة خطوط الكهرباء وتنظيف الطرقات.
سألت محمد مجدداً عن هذا الأمر فقال: «كانت ربطة الخبز بـ 500 ليرة عندما كان الجيش الحر يسيطر على المنطقة، هذا إن توفرت، أما الآن فسعرها 50 ليرة ومتوفرة باستمرار، لا يهمني من يسيطر ومن يحكم إن كنت لا أجد الخبز لأولادي».
في الأشهر الأخيرة ازداد انضمام الشباب إلى صفوف تنظيم داعش، فقد بدأت شعبية التنظيم بالتزايد، كما أنه يقدم رواتب جيدة ويضمن معالجة المصابين ويقدم المساعدات لعائلات القتلى في صفوفه.
داعش تنظيم إرهابي خطير ذو فكر منحرف يعمل على اكتساب قاعدة شعبية في الجزيرة السورية، لكن إصرارنا على مجرد شيطنته ومهاجمته أمر لا يقدم ولا يؤخر. وحري بمثقفي سوريا البدء بحملة واعية تخاطب عقول عناصر داعش والشباب الذين قد ينضمون لصفوفهم في المستقبل، وأن تحاورهم وصولاً إلى إقناعهم، أما استمرار الحال على ما هو عليه فكفيل بإبقاء هذا التنظيم وتمدده.
فاضل الحمصي