اما الاستقرار واما الديمقراطية وليس الاثنين في آن واحد:

حجم الخط
0

اما الاستقرار واما الديمقراطية وليس الاثنين في آن واحد:

الديمقراطية باتت حلما بعيد المنال في مصر لان سيناريو التوريث صار في حكم الأمر الواقع ملك القصر الجمهوري في عابدين لا يجد من بين سبعين مليون مصري من ينوب عنه الا ابنهاما الاستقرار واما الديمقراطية وليس الاثنين في آن واحد: محمد عبدالعظيمہمنذ خمسين عاما لا نعرف لماذا تم الفصل بين الاستقرار وممارسة الديمقراطية في مصر. وكأن الديمقراطية التي يتغني بها العالم وتستقر عليها أوضاع الشعوب في أوروبا وأمريكا ان عبرت المتوسط صارت سببا لعدم الاستقرار وخاصة في مصر. ولذلك نتساءل عن المغزي وراء رغبة الولايات المتحدة في ما تسميه بالاستقرار في المنطقة وتفادي الحديث عن الديمقراطية.الأفكار الجاهزة وتفسيرها هناك مقولة غربية بني عليها الاستعمار الفكر الجاهز طوال عشرات السنين حتي يتسني له الهيمنة السياسية علي الاوضاع في الدول التي أطلقو عليها نامية. هذه المقولة مفادها أن هذه الدول ليست مؤهلة للديمقراطية أو تداول السلطه. نامت علي هذه المقولة حكومات دول العالم الثالث بملء الجفون وأغمضت الشعوب عيونها حتي لا تزعج الهدوء النسبي الذي سمي منذ خمسينات القرن الماضي بالاستقرار. فسر العالم العربي هذه المقولة وصار مفهوم التنمية مجرداً من أي صلة له بكلمة مشاركة أو حياة سياسية. ثم ما زاد الطين بللاً هو تعريف مفهوم التنمية ـ من قبل كل الانظمة العربية ـ بقرابته من فعل ينام بدلا من فعل ينمي بضم الياء وفتح النون. وما أضاف الي الاختلاط هو ادخال فعل آخر قريب أيضا منهما وهو كلمة ينتمي (يعني مننا وعلينا أو بتاعنا) حسب الدارجة المصرية. فصار (كله بتاعنا). وطال النوم بالبعض ليزيد عن ربع قرن من الزمان. حيث فسر بعض الحكام المقولة ونقلوها لتصير أنا الافضل. ومعني ذلك سياسيا أن الهيمنة علي الدولة صارت كاملة وبات الامر سطوا علي كامل أجهزتها. ولذلك صارت المقولة عربيا كالتالي: أنتم كشعب لستم مؤهلين للديمقراطية ثم تضاف في مصر فقرة قصيرة صناعة محلية مفادها أن ليس هناك منكم أو من بينكم من يستطع هذا الأمر غيري. وبالعامية المصرية ما حدش فيكم مالي عيني . ووصل الحال لدرجة أن الحاكم لا يجد من بين سبعين مليونا أحدا لكي يكون له سندا أو ان ينوب عنه ان اقتضي الأمر ذلك. هاجس الاستقراران عدنا الي الوراء فهمنا أن الصدمة التي عاشتها مصر اثر اغتيال السادات عام 1981 أثرت علي رأس الدولة ثم حالت دون أن يختار النائب الذي صار رئيسا نائبا له. فحسني مبارك ومنذ توليه الرئاسة وهو يرفض تعيين نائب اذ صارت الوظيفة شاغرة ليس لنقص في القدرات ولكن لنقص الثقة في النفس وفي الآخرين. ومنذ التسعينات واثر موجة الارهاب التي عاشتها مصر و يحاول الرئيس مبارك فرض الاستقرار ولو بالقوة دون أن يكون هناك طرح للنقاش الحقيقي حول الأسباب والمسببات. ونتيجة لذلك طغي هاجس الاستقرار علي الحوار وساد مناخ الأمن مما أدي الي تفشي ممارسات الاضطهاد والتعذيب للحفاظ علي استمرارية السلطة. وما عقد الأمور هو رفض واشنطن لطلب مصر التي حاولت عقد مؤتمر دولي في بداية التسعينات حول ظاهرة الارهاب. وحينها صارت اليد الحديدية للنظام المصري أكثر صلابة في الفتك والاضطهاد وبدلا من أن تكسر خلايا الارهاب كسرت كل ما يحول ضد هيمنة النظام الكاملة علي الحياة السياسية والاقتصادية. وتحدثت مصر طويلا طويلا عن الاصلاحات حيث اقتصرت علي المجال الاقتصادي وليس السياسي وحينها ظهرت القطط السمان ثم تحولت القطط بقدرة قادر الي حيتان تلهف كل شيء لتصير وحوشا تنهش في جسم الدولة. وصارت كلمة الديمقراطية تتردد مفرغة من جوهرها مع اعطاء فجوة للبخار الناتج عن التذمر الشعبي علي صفحات بعض الصحف وكأن الديمقراطية انحسرت في كلام في كلام وآهو ـ كما يقول الشارع المصري ـ كلام جرائد . ودامت الممارسة الديموقراطية في مصر علي منوال الاستفتاءات وعلي وزن: قول ايوه وخلص نفسك يا باشا . لا للاصلاحات السياسية كل الادارات الأمريكية ومنذ زمن بعيد اهتمت وبصفة خاصة بالاستقرار قبل اهتمامها بالديمقراطية في منطقة الشرق الاوسط. ومنذ مجيء حسني مبارك الي كرسي الرئاسة وهو يحظي برضي البيت الابيض مهما تغيرت الادارات حيث دأب علي وضع الديمقراطية جانبا للاهتمام بأمر الاستقرار لاسباب اقتصادية بحتة تمليها واشنطن. وانحصر الاصلاح علي الجانب الاقتصادي فقط. وتم الانتظار قرابة ربع قرن قبل أن يتم الحديث عن الاصلاحات السياسية والتي آلت الي مهزلتين تناطح كل منهما الأخري. كانت المهزلة الأولي هي تعديل المادة 76 من الدستور والتي لم تغير من الأمر شيئا. ثم أتت مهزلة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ناهيك عن الغاء الانتخابات المحلية. كل ذلك علي مرأي ومسمع واشنطن التي باركت وصفقت عند انتهاء كل فصل من هذه المسرحية التي لا تضحك الا النظام الحاكم في مصر. فادارات ريغان وبوش الاب ثم كلينتون وأخيرا بوش الابن كانت كلها وما زالت تتبع نهج ادارات جونسون ونيكسون وفورد ثم كارتر بالحفاظ علي استقرار المنطقة. أما فيما يخص الديمقراطية فالوقت كان دائما لا يسمح لها لأنه حسب واشنطن ومثل ما كان يشرح الاستعمار في الماضي فان الشارع المصري كان وما يزال ليس مؤهلا لذلك بعد. فقبل المصريين هذه المقولة لأن واشنطن لا تنطق عن الهوي ونفذت (بضم النون وكسر الفاء) مخططات محلك سر سياسيا لتخفي كل مطالب للاصلاحات السياسية واندثرت تلك الاصلاحات داخل سراديب الانفتاح الاقتصادي الساداتي تارة ثم الانفراج الليبيرالي الساري حاليا تارة أخري. عم يتساءلون ؟ تعيش مصر الآن اللحظات الأكثر حرجا في تاريخها السياسي المعاصر منذ الاستقلال. وتتساءل مصر كلها عمن سيجلس علي كرسي الرئاسة بعد مبارك. هذا السؤال ليس له اجابة واضحة وكل شيء ما زال في منطقة الرمادي. وذلك لأن الرئيس مبارك صار كهيكل سليمان وتآكل النظام الحاكم من كثرة الصدأ الذي تراكم علي الفشل الصارخ في احلال التوازن الاجتماعي علي مدي ربع قرن رغم أن هذه الحقبة الزمنية خلت من الحروب التي كانت تهلك قوي الدولة اقتصاديا. زيادة علي ذلك تعيش مصرـ بالاضافة الي تردي الأحوال عامة والاجتماعية والتربوية والتعليمية بصفة خاصه ـ تعيش مصر الشك الذي يدور حول رئاسة الدولة وحول كيفية وصول خامس رئيس مصري منذ 1952. فرابع رؤساء مصر يحكم البلاد منذ أكثر من ربع قرن وقد عين اثر اغتيال سابقه وليس عن طريق الانتخابات. وكان مبارك آنذاك نائبا للسادات وهو ليس له نائب حتي هذه اللحظة. فهل سيصير الأمر الي أول سيناريو توريث في مصر الجمهورية؟ حينها سيكون هذا السيناريو هو ابعد الحلول الهادئة لأنه سيكون أسوأ الاختيارات للممارسة الديمقراطية. التوريث موضة الفوضي التوريث هو عملية كانت في الماضي مقتصرة علي الأسر المالكة اذ تؤول السلطة من الأب للابن حسب قواعد تحددها كل أسرة مالكة. ولكنه ورغم أن مفهوم الجمهورية قام علي رفض الملكية ولاقامة أسس يتم بها الاختيار وبالتداول فيما يخص السلطة الا أن موضة توريث السلطة بدأت تظهر رغم أنف الجميع وفي دول تطلق علي نفسها جمهوريات. المثير في الأمر أن غالبية هذه الدول هي أفرو ـ عربية. فسيناريو التوريث علي الطريقة التوجولية أتي باياديما الابن وكان جمال مبارك بين الحاضرين للحفل. وسيناريو التوريث أتي بجوزيف كابيلا في الكونغو الديمقراطية. وهذا السيناريو صار تطبيقه في الجمهورية السورية ويعد له أيضا في الجمهورية الديمقراطية الليبية تجهيزا لأحد أبناء معمر القذافي. ولكن هذا السيناريو سيكون لونه لون رياح الخماسين في مصر اذ يرسم له مسبقا طريق المجهول السياسي. فمصر بملايينها السبعين ومنذ اغتيال السادات تعيش في حالة الطوارئ. والتوجه نحو نظام تداول السلطة عن طريق صناديق الاقتراع سيكون الخطوة الأكثر صعوبة والأكثر حساسية التي ستجد مصر نفسها أمامها وهي البلد الأكثر تعدادا في القارة الأفريقية، علما بأن تعديل المادة 76 من الدستور قد وضع حدا لممارسة دامت خمسين عاما ونظاما حزبيا لا منافس له. وأدي هذا التعديل الي فتح الباب أمام التعددية الحزبية (الصورية). وحتي هذا التعديل لم يغير شيئا علي مستوي الحياة السياسية في مصر لأنه ومع القانون الانتخابي الحالي لا يستثني أي حزب غير الحزب الحاكم بتقديم مرشح لرئاسة الجمهورية. واذا سألت أحد المصريين عمن سيكون الرئيس القادم بعد مبارك لن تجد شكا حول اسم مبارك جينيور . ولذلك السؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: كيف سيتم ذلك وما هي العواقب السياسية والاجتماعية لهذا السيناريو؟ الديمقراطية الغير مرغوب فيها هل يصح القول بأن الديمقراطية في عالمنا العربي كانت ولا تزال غير مرغوب فيها Non Grata ولماذا اعترضت كل من السعودية ومصر علي فكرة اقامة شرق أوسط كبير يقوم علي أسس ديموقراطية؟ هذه الفكرة التي منَّ (بفتح الميم والنون) الله بها علي الحاج بوش صباح أحد الأيام وبعد طول العناء والسهر والدعاء لربه وهو يتعبد في غارة بتكساس ويتدرع دعاء حتي يساعده ربه وينقذ بجهوده أكثر البلاد حبا علي قلبه كالسعودية ومصر.السبب في أن الديمقراطية باتت حلما بعيد المنال في مصر هو أن سيناريو التوريث صار في مدار فرض الأمر الواقع ويتم وصفه الآن بأنه الخيار الوحيد لملء الفراغ السياسي في مصر، علما بأن واشنطن تعلم أكثر من أي وقت مضي أن اللحظة حرجة وأن الخطوة القادمة لملء هذا الفراغ ستكون الأكثر حساسية لمستقبل هيمنتها في المنطقة حيث تعيش سياسة الاستقرار ضعفا لا سابق له. ولأن الاستقرار ـ وحبا في عيون المصريين ـ هو الخيار الأمثل الذي تراه واشنطن كعاجل الأمور لسياستها في السنوات المقبلة. ان الولايات المتحدة عصمت عيونها حتي لا تري ما يقوم به الحزب الحاكم من بطش وتزييف القوانين وممارسة التضييق علي كل القوي السياسية الأخري، علما بأن تعريف كلمة ديموقراطية غاب عن وعي الادارة الأمريكية الحالية والتي تعتبر الأكثر غموضا في تاريخ أمريكا منذ ادارة جورج واشنطن. وقد يري البيت الأبيض أن الوقت قد حان لوضع مفهوم آخر ليحل محل الاستقرار دون الذهاب الي الديمقراطية. ولكن سياسة واشنطن طوال أكثر من نصف قرن ـ ومنذ ابعاد البريطانيين والفرنسيين عن تأثيرهم التاريخي ابان حرب العدوان الثلاثي عام 1956 ـ لم ترغب ولو لحظة وخوفا علي مصالحها أن تؤيد التغيير نحو وضع أسس تداول السلطة في المنطقة. ومنذ ذلك الحين لم تنعم واشنطن بأحد القطبين. هذا ما قالته وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس لدي زيارتها القاهرة في حزيران (يونيو) 2005. في الماضي ـ وحسب رايس ـ حبذت الولايات المتحدة خيار الاستقرار علي حساب الديمقراطية. ولكن واشنطن لم تحصل علي أحد هذين الخيارين.العلاقة الحذرة والخوف الأمريكي تبني الولايات المتحدة علاقتها مع مصر علي مبدأ الحذر في ما يخص مسألة الاصلاحات السياسية. وتقنع واشنطن نفسها بأنها لا تجد حلا بديلا عن تأييد النظام المصري الحاكم. وعلي هذا الأساس طمع النظام في اتباع مناهج التفكيك. ففكك القوي السياسية الأخري بالبطش والتعذيب والاخافة وفكك السلطة لتصير في يد قلة لا ضابط ولا رقيب عليها ثم دمر أجهزة الدولة حتي صارت في خدمة الحزب وتجاهلت وظيفتها في خدمة المواطن. وقليلا قليلا اندرجت واشنطن من وضع الحذر الي موقف الخوف من أن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. حيث سمعت الولايات المتحدة صوت النواقير التي لم ينته الحزب الحاكم النفخ فيها توعدا بالعواقب الوخيمة وترهيبا من أي تأييد ولو ضئيل للأسس الديمقراطية خوفا من أن يفتح ذلك المجال أمام قوي المعارضة (الغير موجودة علي الاطلاق). وزاد الحزب الحاكم صوت النواقير وجعلها حادة بما يكفي لتقزيز البيت الأبيض من أي تيار سياسي آخر ينطق بكلمة تغيير لأن النواقير ربطت وبصورة قاطعة بين كلمة معارضة وحركة الأخوان المسلمين. وبذلك فرغت القاهرة الـ MEPI الشهير من محتواه والذي تغنت به واشنطن طوال عام 2003. فمبادرة التعاون هــذه والتي يطلق عليــها Middle East Partnership Initiative أخرجتها ادارة بوش من جعبتها فجأة وبعد تردد طويل ابان غزو العراق. الغرض من هذه المبادرة التي لم يفهمها أحد هو اعادة تشكيل المنطقة دون تعريف معني التشكيل ولا حتي حدود المنطقة والدول المعنية. وظلت هذه الرؤية الخارقة للعادة علي صورة ناهجها (سي بوش) لا أحد يفهمه ولا أحد يعرف أين يريد الوصول ويكفيه هو وحده ـ والقلة التي توجهه ـ أن يفهم نفسه. هذا الحلم تبخر واندثر بسرعة البرق. ولم نعرف ما آلت اليه هذه الفكرة التي أرادت جعل الشرق الأوسط واحة للديموقراطية. وظل الكثيرون الذين يعانون من لهيب البطش يبحثون عن هذه الواحة الفاضلة دون نتيجة. بعد تزييف نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وبعد الغاء الانتخابات المحلية صار المناخ السياسي المصري مليئا بالغيوم. وبعد أن عرف الجميع أن واشنطن تفقد هيبتها في المنطقة والتأكد من أن واشنطن لم تستطع لا الحيلولة ضد الغاء الانتخابات المحلية ولا الحيلولة ضد تجديد مدة قانون الطوارئ لسنتين أخريين صار الأمر أكثر تعقيدا علي الجميع. وبالعودة الي الوراء نفهم لماذا أوقفت واشنطن ضغطها علي القاهرة وتراجعها وهي تري ضرب أقل المباديء الديمقراطية بعرض الحائط وسجن رموز المعارضة دون أدني حرج. ولم تجد واشنطن ما تقول للدفاع عن الحرية والديمقراطية الا بوصف سجن أيمن نور بأنه خطأ قضائي. ما يفهم هو أن الولايات المتحدة وفي كل المجالات وخاصة السياســــية لها وجهان. الأول وجه الحمل الوديع الذي يدافع عن المـــبادئ السامية والذي لا يتردد لحظة في المخـــاطرة بحياته لانقاذ الحرية ويضرب المثل بأفغانستان والعراق. والوجه الآخر هو الوجه الخفي الذي ما ان وضع قدمه في منطقة ما الا وتحولت الي فسادستان اقتصادي أو سياسي أو الاثنين معا. والأمثلة علي ذلك كثيرة وخاصة في منطقة الشرق الأوسط. لعنة الفراعنة ولعنة القصر يحكي أن هناك لعنة تصيب كل من حاول اكتشاف أو الاقتراب من أحد مومياءات الفراعنة وخاصة مقابر الملوك. والآن ظهرت لعنة أخري أطلق عليها لعنة القصر. ففي قصر عابدين الجمهوري إحدي المومياءات المحرم الاقتراب منها خشية اللعنة. وهذه اللعنة نوعان. النوع الأول هو الدائرة المقربة من القصر اذ بقربها هذا لمستها لعنة القصر وصارت موضع كراهية مقنعة وكامنة يكنها كل مصري لكل من دخل واعتاد التردد علي القصر. والنوع الآخر هو لعنة التابو وهي تصيب كل من يحاول اكتشاف أو الاقتراب من المنطقة المحظورة: العمل السياسي. ولقد أصابت هذه اللعنة أيمن نور الذي قد يدفع حياته ثمنا غاليا. ملك القصر الجمهوري قرر وعلي مدي 26 عاما عدم ربط كلمة رئيس ـ حتي وان جاءت بعد كلمة نائب ـ باسم أي مصري آخر، لأن ذلك قد يعتبر مساسا بأمن الدولة بل وبالمنطقة ومن شأنه أن يكون سببا للحرب العالمية الثالثة. ولذلك وحرصا من سيادته علي الأمن الدولي حبذ ألا يكون له نائب. وصار بذلك الرجل القوي والوحيد الذي لا يليق به الا أن يري فيه المصريون فرعون مصر الأوحد والذي لا يجوز أن يكون له نائب من البشر. وصار بذلك الرئيس المصري هو الفرعون الكبير حسب وصف عالم الاجتماع سعد الدين ابراهيم. وصارت السلطة موضع تسلط ولم يعد الرئيس علي رأس دولة بل وضع نفسه في رتبة القداسة أو نصف اله ومن لا ينصاع لأمره حلت عليه اللعنة. حارس المعبد أسرة مبارك لم تعد ومنذ زمن بعيد أسرة رئيس دولة يري فيها المصريون أنفسهم ولكنها صارت أسرة معزولة عن قضايا الشعب. وصارت القضية الأولي والعاجلة للأسرة هي قضية توريث السلطة. واعتبرت أسرة الفرعون بمثابة الأسرة الأولي التي تمتلك مصر كتراث عائلي يتناقل بين الأجيال والسلطة هي أحد مقومات هذا التراث الأسري. وداخل المعبد الكبير يتم تجهيز الابن ليصير قادرا علي حراسة هذا التراث الثمين. وآل الي جمال مسؤولية الحزب كرمز للمعبد الكبير الذي تتكون فيه رأس السلطة. وخارج المعبد يتم التجهيز علي مستويين الأول داخلي (الحزب أو الدير) والثاني خارجي (واشنطن). 1 ـ علي مستوي الحزب هناك خطة محكمة ستتم علي ثلاثة مراحل. المرحلة الأولي هي حالية. وسيتم فيها وأثناء المؤتمر الرابع للحزب الحاكم رفع جمال مبارك الي منصب الأمين العام. وبهذا سيتم ابعاد كل منافس قد يحلم بترشيح نفسه أثناء الانتخابات الرئاسية القادمة ليكون بذلك جمال مبارك الأمين العام الأصغر سنا لحزب اعتاد علي أن يشغل هذا المنصب حيتان الحرس القديم طوال الـ 30 سنة الماضية. والسبب في تنصيب جمال مبارك كأمين عام هو أن وضعه كنائب أمين عام الحزب لا يتيح له الشرعية المطلوبة لترشيح نفسه لرئاسة مصر. ولكن تعيينه علي رأس الحزب الوطني سوف يصير زوبعة داخل الحزب نفسه لم يسبق لها مثيل من قبل. هذا الصراع يرجع الي أن هناك من يري أن الحزب سيصير هو الآخر وبلا شك من بين التراث العائلي وتم سحبه من تحت أقدام الجميع. وبتخطي هذه الفترة سيأتي اذن الوقت للمرحلة الثانية من مخطط التوريث. هذه الخطة مفادها تعيين عمر سليمان ـ والذي يعتبر نسخة طبق الأصل من صفوت الشريف ـ كنائب لرئيس الجمهورية. الا أن عند هذا المستوي يظل نجم جمال ينقصه اللمعان. ولكي يلمع نجمه يجب تنفيذ المرحلة الثالثة والأخيرة لاعطاء جمال مبارك الشرعية الكاملة للترشيح للرئاسة. هذه المرحلة قد تكون مرحلة العواصف والمطبات السياسية وقد تؤدي الي تكسير واعادة هيكلة الحياة السياسية في مصر. وقد تكون أيضا الاختبار الأول لسيناريو التوريث. يتم خلالها استقالة حكومة أحمد نظيف. وهو الرجل الذي استطاع بلورة كراهية المصريين له ولكل أجهزة الدولة اذ أدي الأمانة وأجهز علي البلد اقتصاديا وهذه حكاية أخري. كراهية الشعب المصري لنظيف (الشبه مرغوب فيها) ستحد من صدمة أخري: الخوف من أن يأتي رئيس وزراء يغسل أكثر بياضا عن نظيف فيزيل كل ألوان الحياة أو ما تبقي منها لتصير حياة كل مصري لا لون لها ولا طعم ولا رائحة. وحين رحيل حكومة الشؤم والنحس والبيزنس كما يطلق عليها البعض ستضطر مصر كلها الي ان تقوم بالبحث عن الشيء النادر. وسيعلن عنه في باب الوظائف الشاغرة في كل الصحف. وها هو الـ سكوب الصحافي . سيتم البحث عن رجل وسيم أو شاب مخطوب ومعروف في مصر ولديه خبرة في مجال المساعدات الانسانية أثناء الحروب في لبنان مثلا كما يفضل أن يكون من خريجي الجامعة الأمريكية وأن يكون من الأوائل المحبين لكل ما كتب عليه صنع أو زرع في أمريكا. ويحبذ أيضا أن يكون لديه خبرة مسبقة في ادارة حزب سياسي حاكم أوحد في بلد كبير وعريق وأن يكون قد استطاع أن يكون له مكانا مرموقا صنع له خصيصا في فترة وجيزة ويفضل أن يكون لديه طائرة خاصة ـ دفع فيها دم قلبه ـ أو دفع ثمنها من دفتر ادخاره الشخصي أو مصروفه الدراسي. ويحبذ أن يكون المتقدم للوظيفة له علاقة شخصية بالبيت الابيض وأن يكون من عشاق الشحرورة السمراء كوندي وأن يكون أباه رئيسا أو ما شابه ذلك وأن يرفض كل ما له صلة بالديمقراطية أو التعددية الحزبية. وأن يكون مبدؤه في الحكم ضرب الآخرين بالجزمة. ويرجي من كل من تنطبق عليه المواصفات التقدم للتعيين. 2 ـ علي المستوي الخارجي نجد أن تجهيزات التوريث قد بدأت منذ شهور وبصفة جادة ومنهجية. ونجد في المقام الأول الاتصالات السرية التي تجري مع واشنطن ومنها الزيارات السرية التي صارت علنية مثل زيارة جمال مبارك الي البيت الأبيض في ايار(مايو) 2006. واصابت المجتمع المصري حينها حمي مفاجئة اثر هذه الزيارة الا أن هذه الحمي هبطت خلال أسابيع. وكانت هذه الزيارة هي الأولي من نوعها لشخصية مصرية غير رسمية الي البيت الأبيض تصافح الرئيس الأمريكي ونائبه وتلتقي وزيرة الخارجية كوندي رايس ومستشار الأمن القومي هادلي. وقد اندرجت زيارة جمال مبارك الي البيت الأبيض تحت بند الزيارات غير العادية والنادرة اذ لا يدخل البيت الأبيض الا الشخصيات الرسمية، ومن الجدير بالذكر أن هذه الزيارة كانت سرية لولا قناة الجزيرة التي أفشت السر (الله يسامحهم). ومن المفارقات فان لقاء كوندوليزا رايس مع أيمن نور في حزيران (يونيو) 2005 وأمام أعين الجميع قابلتها الأوساط الرسمية والصحف الناطقة باسم الحزب والتي توصف بالقومية في مصر بالاتهامات كالخيانة للوطن والعمالة لدول أجنبية الي آخر أبيات شعر الأغنية المعتادة. الا أن زيارة جمال مبارك السرية قوبلت ـ من نفس الأوساط ـ بالترحيب والدفاع عنها.وصار واضحا أن الوطنية باتت محدودة فقط علي من يحمل بطاقة العضوية داخل الحزب. وصار الانضمام الي صفوف الوطني عملة بل ميدالية ذهبية يتم تغييرها حين يحتاج الأمر ذلك. وكل ما خلا ذلك دخل في دائرة المحظورات. فان أراد الحزب الوطني الاحتفاظ بكلمة (الديموقراطي) فعليه بالتغيير واتباع أسلوب متحضر للحوار. الا أن الفترة القادمة ستظهر مدي عمق الفجوة بين الوطني والشعب. وقد تظهر أيضا مدي صدق الكراهية لهذا الجهاز الذي لم يع دروس الماضي. ونار الكراهية الكامنة تنتظر الاندلاع. فالصراعات الداخلية في الحزب بين الحرس القديم والوحوش الشرسة قد تفاقم ناهيك عن الصراع العائلي حول التوريث مما قد يؤدي الي الانفجار ثم الانهيار الأكيد. وقد كان من المنتظر أن يؤدي عامل فقدان الهيبات الثلاث (هيبة واشنطن وهيبة اسرائيل وهيبة مبارك) الي الاسراع في عملية الانهيار هذه. فأولا فقدان الهيبة الأمريكية ازاء عدم قدرتها علي اعادة الاستقرار في العراق وظهور طالبان أفغانستان مرة أخري أطاح بالبقية القليلة من مصداقية واشنطن وادارة بوش. وثانيا فقدان الهيبة الاسرائيلية بعد الفشل الذريع أمام مقاتلي حزب الله في جنوب لبنان وكسر شوكة غرور الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر. وأخيرا فقدان مبارك ما قد تبقي له من هيبة منذ الانتخابات الرئاسية والتشريعية اثر الطريقة التي تعامل بها أثناء الحرب الأخيرة في لبنان. فهذه العوامل الثلاثة أدارت عجلة التغيير. الا أن هناك عاملين آخرين مهمين لم يتوفرا بعد علي الساحة السياسية المصرية حتي تكتمل مقومات بداية فعلية للتغيير. أولهما قوة معارضة قوية وبناءة مبنية علي أسس منهجية وعلمية وبعيدا عن التلقائية التي تعود عليها المصريون. هذه القوة ليست متوفرة بعد حتي تستطيع التصدي لمحاولات التفكيك التي تتبعها السلطة كما حدث لحزب الغد وحزب الوفد الجديد. وفي غياب قوة سياسية بديلة فان الحــــزب الحاكم سيتمادي في التلاعب بالحياة السياسية المصرية. العامل الثاني والأهم هو تفشي الخوف علي الصعيد السياسي وداخل الأسرة وفي الشارع المصري. فمنذ عهد عبد الناصر الي الآن مرورا بعهد السادات وباسم الاستقرار وغياب الضمانات الديمقراطية عاش الشارع المصري الرعب والخوف من تقنيات التعذيب التي افتخرت بها وزارات الداخلية منذ صلاح نصر ووصولا الي حبيب العادلي. وكانت المقولة المعروفة والمتداولة حتي الآن هي أن علي المصريين الاختيار بين الاستقرار أو الديمقراطية ولا يمكنهم الحصول علي الاثنين في آن واحد. 7

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية