العودة الي جذور الهوان العربي… كتاب لرينية نبعة يشرّح المأساة العربية (1 من 2)

حجم الخط
0

العودة الي جذور الهوان العربي… كتاب لرينية نبعة يشرّح المأساة العربية (1 من 2)

حريق المسجد الاقصي كان الشرارة التي مهَدت لميلاد الاسلام السياسي والسعودية استخدمت نفطها لنشرهالعالم العربي حطم الرقم القياسي بديمومة قادته.. اما امريكا فعسكرت دبلوماسيتهاالعودة الي جذور الهوان العربي… كتاب لرينية نبعة يشرّح المأساة العربية (1 من 2)عرض: شوقي أمينہ أصول التراجيديا العربية ، هو عنوان الكتاب الذي ألفه الكاتب رينيه نبعة، الصحافي السابق في وكالة الأنباء الفرنسية، والمستشار الأسبق للمدير العام لراديو مونتي كارلو في باريس.هذا الكتاب في واقع الأمر، هو تشريح للجثة العربية، وتفكيك لفلسفة الوهم التي بني عليها العالم العربي المستقل حديثا من مختلف الاستعمارات والانتدابات. فلسفة تأسست علي الكذب والكذب فقط، والمغالطة والاستبداد لشعوب طحنها الفقر وسحقتها الأمية والأيديولوجيات بكل أنواعها، ظاهرها قومي ديمقراطي وباطنها ديكتاتوري بحث لا يختلف فيه اثنان.منذ البداية يعلن الكاتب عن الوجهة التي سيأخذها في تحليله، اذ تبدأ رحلته في التحري والتقصي والمعاينة والتأمل من المحطة الفلسطينية، كونها القضية الرئيسة بل انها من أمهات القضايا التي قادت الي ما أسماه الهوان العربي، ففي البداية كانت فلسطين كما يقول.ان تاريخ العالم العربي حسب الكاتب، يبقي غامضا، مبهما، نشازا، عبثيا اذا لم نتوقف فيه عند الجرح الأصلي المتمثل في زرع الدولة الاسرائيلية علي الأرض الفلسطينية، علما بأن تاريخ 15 ايار (مايو) 1948 (ميلاد الدولة العبرية)، هو الصدمة الكبري والفاجعة الرهيبة التي لم يشف منها الانسان العربي حتي اليوم، ذلك أن ضياع فلسطين كان بداية المحنة العربية.وهكذا أنشئت الدولة اليهودية، يقول الكاتب، بتواطؤ مكشوف وفاضح ونشيط مع الدول الغربية، التي أمدتها بالعتاد العسكري لتسليح جيوشها، ضاربة عرض الحائط بمشاعر الانسان العربي الذي اصبح يري في انشاء دولة اسرائيل ، بداية حلقة جديدة في الاستعمارات التي تعاقبت عليه علي مدي القرون والسنين، وكان ألمه كبيرا ومفجعا وهو يري مكونة غربية تزرع في قلب العالم العربي، وهي المكونة التي قطعت نهائيا، التواصل الترابي للمنطقة العربية، ذلك أن هذه الدولة المفروضة نجدها علي مفترق قاري، أي علي الضفة الآسيوية (الشرق الأوسط) من جهة، والضفة الافريقية للعالم العربي (مصر والمغرب).علي هذه الخلفية، جاءت الدولة العبرية لتحدث القطيعة الاستراتيجية، كما يؤكد الكاتب نبعة، للتواصل العربي لدرجة أن ذات القطيعة انسحبت حتي علي تواصل المياه، والأروقة التي كانت تسري فيها، ( نهري الأردن واليرموك) ونهري لبنان (الحصباني والزهراني) الواقعين علي مرمي حجر منها، فضلا عن متاخمة هذه الأخيرة لمنابع النفط لدول الخليج التي كانت مصدرا لاقلاعها الاقتصادي وقوتها المستقبلية.هي الدولة ـ الصدمة اذن بكل المقاييس الاستراتيجية والانسانية، بحيث جاءت لتبتر جزءا جوهريا من الارث القومي، ولتنتهك بطريقة تراجيدية الهوية العربية، كما باتت منذئذ تشكل محور تلوث العلاقات العربية مع العالم الغربي في العصر الحالي، ومصدرا لتسميم الرباط العربي ـ الغربي الذي بات يشوبه الاحتراس والترقب والتخوف.أزمة شرعية الأنظمة العربيةمع تقادم السنين، انهارت صدقية الأنظمة العربية امام شعوبها، في رأي الكاتب، مما وضع شرعيتهم علي محك الواقع اليومي، حتي يوم الناس هذا، وهو ما قاد بعض هذه الأنظمة التعيسة الي أن تستنجد بحماية العالم الغربي، لكي تتخلص من استهجان شعوبها لها، وما دفاعها عن القضية الفلسطينية، الا محاولة للتغطية عن مظالمها، وتكريس سياساتها السلطوية المتجبرة، وفي هذا المنحي يري رينيه نبعة أن المعضلة الفلسطينية، استعملت لأغراض بعيدة تماما عن مسائل التحرر.وفيما يشبه الرد علي انحراف الأنظمة العربية، قال الكاتب، ظهرت تشكيلات سياسية معادية للغرب، تدور كلها في فلك القومية العربية، في محاولة منها لتجاوز الأطر التي صنعتها مؤسسات دولهم، ذلك ان شعار الوحدة العربية في تلك الفترة، كان يعبر عن الآمال العميقة للشعوب، كما تزاوج هذا الشعار مع المطالب الاجتماعية الكبيرة التي اسست بدورها لنقلات اجتماعية واقتصادية لافتة، بحيث ساهمت تلك النقلات في ابراز طبقة متوسطة سرعان ما وجدت نفسها تنافس العائلات التقليدية الكبيرة التي كانت تشكك في شرعيتها وتنتقد طريقتها في التعاطي مع السلطة.هذه الطبقة جاءت ايضا، يضيف رينيه نبعة، في خضم معارك التحرر والثورات التي عرفتها بعض البلدان العربية التي انهت التواجد الاستعماري علي الارض العربية، وقضت علي من اعتبرتهم مسؤولين مباشرين علي هزيمة فلسطين، فمن 1945 الي 1995 أي خلال الثلاثين سنة الأولي لاستقلالها، عرفت البلدان العربية ما لا يقل عن 18 انقلابا عسكريا دمويا، اغلبها تم باسم فلسطين، كما حدث في سورية التي شهدت لوحدها ثمانية انقلابات ، بينها ثلاثة انقلابات متوالية في نفس الفترة (انقلاب العقيد حسني الزعيم في 29 آذار/مارس 1949) تبعه (انقلاب الجنرال سامي حناوي في 14 آب/اغسطس من نفس السنة) واربعة اشهر بعد ذلك جاء دور (الجنرال أديب شيشكلي في 19 كانون الاول/ديسمبر 1949) ، وهي الانقلابات التي تدل علي وجود مرض عميق في البناء الفكري والسياسي للأنظمة العربية، الذي راح ضحيته فاروق مصر في 1952 وفيصل العراق في 1958 والإمام بدر في 1960 وادريس السنوسي في ليبيا في 1969.في هذا المنحي، ذكَر الكاتب بان العالم العربي كان يحصي نحو 13 مملكة عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، وهي (العربية السعودية، مصر، الاردن، العراق، ليبيا، اليمن) بينها خمس كانت تحت مظلة الانتداب البريطاني وهي (البحرين، الامارات،الكويت، قطر، عمان) واثنتان تحت الحماية الفرنسية (المغرب وتونس). خمس من هذه الممالك تم استبدالها بأنظمة جمهورية وهي مصر، العراق، تونس، ليبيا، واليمن، بيد انه من بين البلدان الحادية والعشرين لرابطة الدول العربية، توجد ثماني مملكات وهي العربية السعودية والمغرب والأردن والكويت والبحرين وعمان والامارات العربية المتحدة، و13 بينها تتوفر علي نظام جمهوري وهي الجزائر وتونس وليبيا والسودان ومصر وفلسطين ولبنان وسورية والعراق واليمن وجيبوتي والصومال وموريتانيا، مما يعني ان ثمة ثمانية ملوك و13 رئيسا، لكن في المجموع نجد 21 مستبدا علي رأس الدول العربية المستقلة حديثا بل ان اكثرها انظمة صورية.من النادي اليهودي الي العراقيقول الكاتب في وقفته التاريخية، ليحدد موطن الوهن العربي الأول، ثمة واقعة فريدة من نوعها في حوليات الاستراتيجية العسكرية العالمية، التي من شأنها ان تضيء بشكل لافت علي بدايات التشرذم العربي، ففي الحرب الأولي ضد فلسطين سنة 1948، نعثر علي فصل حاسم في تاريخ الأمة العربية، هو بالأحري فصل دقيق يكشف ملابسات الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، فمصر اكبر بلد عربي وقتئذ كانت تحت قيادة الملك فاروق، احد اكبر هواة القمار ولعب الورق في كازينوهات اوروبا، مما انساه الجبهة العسكرية التي تتطلب اوراقا غير اوراق اللعب، وفي الجهة المقابلة نجد جيشا اردنيا يقوده الجنرال جون غلوب باشا، الذي كان قلبه علي لندن اكثر من عمان، لذلك كانت طاعته شبه مطلقة لبلده الأصلي، كما كانت مساهمته كبيرة في انشاء النادي القومي اليهودي في فلسطين وفي التحضير لاعلان بلفور في تشرين الثاني (نوفمبر) 1917.اكثر من هذا وذاك، فان هذا القائد الذي كان يترأس جيشا بدويا، بقي قائدا للجهاز العسكري الأردني الي غاية حرب السويس في 1956 التي قادها الائتلاف الثلاثي الاسرائيلي البريطاني الفرنسي ضد مصر جمال عبد الناصر، التي قادت بدورها الي تأميم قناة السويس، بعد مرور ثماني سنوات علي النكبة (الكارثة الفلسطينية ) . لكن الأخطر من هذا، في نظر الكاتب، هو ان الشجرة العائلية الهاشمية الحاكمة سواء في العراق او في الأردن في تلك الفترة، كانت تعيش تحت تأثير جهاز المخابرات البريطانية، غير ان هذه الحالة ليست معزولة بأي حال من الأحوال، بحيث تكررت بنفس الطريقة في العراق بعد مرور 45 سنة علي هذه الفترة، أي في اللحظة التي احتلت فيها الولايات المتحدة البلاد في 2003، ذلك ان الولايات المتحدة استخدمت نفس الخطة عندما وضعت السلطة في يد احمد الجلبي واياد علاوي، وهما كما هو معروف مخبران لدي المخابرات القومية الامريكية سي آي إيه.انظمة عربية مختلفة يوحدها الاستبدادمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عرفت العربية السعودية اربعة ملوك (عبد العزيز، سعود، فيصل، فهد) ، في حين عرفت مصر اربعة قادة من جهتها (الملك فاروق، جمال عبد الناصر، انور السادات، حسني مبارك) كما عرفت الأردن اربعة ملوك (الملك عبد الله، طلال، حسين وعبد الله الثاني) ، بينما عرفت كل من ليبيا وتونس اثنين لا اكثر، الملك ادريس سنوسي والعقيد القذافي بالنسبة لليبيا، والحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي بالنسبة لتونس، لكن في حال قمنا بمقارنة مع الولايات المتحدة، نجد 12 رئيسا تعاقبوا علي رئاستها في نفس الفترة ( فرانلكين روزفلت، هاري ترومان، دوايت ايزنهاور، جون كينيدي، ليندن جونسون، ريتشارد نيكسون، جيرالد فورد، جيمي كارتر، رونالد ريغان، جورج بوش، بيل كلينتون، جورج بوش الابن ) ، كما عرفت فرنسا سبعة رؤساء (فانسون اوريول، رينيهه كوتي، شارل ديغول، جورج بومبيدو، فاليري جيسكار ديستان، فرانسوا ميتران، جاك شيراك).من المفارقة، يري الكاتب، أن العالم العربي حطم الرقم القياسي في ديمومة قادته، فملك الأردن حسين عمر في السلطة نحو 47 سنة، والملك الحسن الثاني 37 سنة، اما الرئيس السوري حافظ الأسد فقد بقي علي رأس بلاده 30 سنة، وكلهم رحلوا عن السلطة بعدما رحلهم الموت، بينما نري في الوقت الراهن وجود خمسة قادة ما زالوا يحكمون منذ ما يقارب 40 سنة، وهم العقيد معمر القذافي (منذ ايلول/سبتمبر) 1969) الذي يعتبر من المفارقة الأصغر علي الاطلاق، يتبعه السلطان قابوس ملك سلطنة عمان 1972، الي جانب الرئيس العراقي صدام حسين 1979 الذي تم خلعه من قبل الاحتلال الامريكي في 2003، كما يمكن ضم كل من رئيس مصر حسني مبارك 1982، الذي ترشح لخامس ولاية في 2005 منذ توليه السلطة في 1982 ليخلف بذلك الرئيس انور السادات، بالاضافة الي ملك السعودية فهد بن عبد العزيز الذي تسلم العرش بدوره في 1982 ولم يتركه الا بوفاته في آب (اغسطس) 2005 بحيث حكم سنين عدة وهو مقعد معاق، وآخرهم هو رئيس تونس زين العابدين بن علي الذي تسلم السلطة في 1987 الي يومنا هذا. الغريب، كما يري الكاتب، هو أن هذه الأنظمة لم تختنق من ذاتها بسبب ديمومتها، كما أنها لم تواجه أي رفض من قبل شعوبها، فالرئيس المصري حسني مبارك، علي سبيل المثال، حصل في ولايته الرابعة سنة 1999 علي نسبة 93.7 بالمئة من اصوات الناخبين، تقدمه بشكل طفيف الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بنحو 96.3 بالمئة من الأصوات، وتفوق عليهما رئيس تونس زين العابدين بن علي بنسبة مطلقة 99.98 بالمئة، ومعه الرئيس السوري حافظ الأسد قبل وفاته بقليل بحيث زكاه نحو 99.87 بالمئة من السوريين.احراق المسجد الأقصي: ميلاد الاسلام السياسيلم يبرح رينيه نبعة السكة التي انطلق منها، وهو يبسط تفاصيل ارهاصات الهوان العربي، اذ يؤكد علي أن هزيمة حزيران (يونيو) 1967، كانت بمثابة الضربة القاضية علي القومية العربية، فقد هانت العروبة في ظل المساعدة الامريكية للملكة الوهابية (السعودية) علي حد تعبيره، في قمة الحرب الباردة بين القطب الامريكي والسوفييتي، وفي ظل استراتيجية التأسيس لايديولوجيا تستخدم الاسلام كأداة لعودة القيم الأخلاقية المحافظة، لاحتواء الزحف الشيوعي الملحد، من اجل انتصار العالم الحر الموالي لامريكا.في هذا السياق، فتح الكاتب قوسا وضح فيها، بأن كلا من مصر وكوبا في امريكا اللاتينية خلقتا مشاعر مزدوجة لدي المواطن العربي، فالرئيس جمال عبد الناصر أقلق الأوساط المحافظة غير انه فتح بوابة الأمل علي مصراعيها في الأوساط الشعبية، فحلم الوحدة العربية الذي كرسه طيلة حياته السياسية جعل السواد الأعظم للجماهير العربية، تشعر بالافتخار في انتمائها العروبي، بيد أن تحالفه مع الاتحاد السوفييتي، صدم حساسية شريحة من تلك الجماهير المحسوبة علي التيار التقليدي المتدين، فقد استغلت الأنظمة الملكية الموالية لامريكا هذه النقطة، لجعل معاداة المعسكر السوفييتي الملحد، شعرا لحملتهم الترويجية لتكريس العدائية ضد الاتحاد السوفييتي، حتي أن بلدانا عربية بالرغم من تبعيتها الاقتصادية له مثل السودان وليبيا ومصر والعراق وسورية، قادت حربا دون هوادة ضد الشيوعيين العرب الذين كانوا يعتبرون الي حد ما خلفاء الأنظمة العربية الموضوعيين لمحاربة الأنظمة الملكية العميلة للغرب، ذلك أن كل همها انحصر في وقت ما في كيفية ابعاد تهمة الالحاد عنها في ظل تعاطيها مع حلفائها الماركسيين.ان الموجة الناصرية، في واقع الأمر، يقول الكاتب، غطت بأفكارها وقيمها مساحة كبيرة من الوطن العربي المتعطش للوحدة وعدم التفسخ والانحلال أمام الهيمنة الامريكية، حتي أن تنظيما قاده بعض الأمراء السعوديين المتمردين، حمل اسم الأمراء الأحرار محاكاة لنموذج الضباط الأحرار المصريين المناهضين للنظام الملكي في 1952، وترأسه والد الملياردير وليد بن طلال بن عبد العزيز، الذي طالب المملكة الوهابية بتبني التيار الناصري، لكن العربية السعودية في نظر الكاتب، اهتدت الي حل يقيها من مثل هذا الانسياق نحو الأفكار العروبية والقومية، بحيث انشأت في 1962 رابطة العالم الاسلامي ، تبعه مجلس دول التعاون الخليجي في 1972، أي بعد عشر سنوات من ذلك، لمحاصرة مصر في سيطرتها علي الدبلوماسية العربية، وهي الي حد ما، تنظيم يقارع رابطة الدول العربية التي تسيطر عليها مصر بشكل لافت.لقد كانت الرابطة الاسلامية، بمثابة المنجنيق الذي استخدمته الدبلوماسية السعودية، لفرض وجودها، ولتعزيز تواجد الجاليات المسلمة في البلدان الغربية، فحتي وان بدت هذه المنظمة في الظاهر لا قيمة لها، غير أنها اثبتت فاعليتها القصوي، عشر سنوات بعد اطلاقها.بعد هذا، يسرد الكاتب جملة من الأحداث التي طبعت المنطقة العربية، وتحديدا منطقة الشرق الأوسط، في سياق استراتيجي ودبلوماسي متقلب لمس الانفجار مرات عديدة، الي غاية تلك اللحظة الفاجعة، التي تم فيها احراق المسجد الأقصي في 1967. هي العملية كما يشير الكاتب، التي كانت مقدمة للتهويد الزاحف علي المدينة المقدسة القدس، فقد اهتز العالم العربي والاسلامي برمته لهول الحريق المتعمد لذي اصاب الأقصي، مما قاد علي التو الي عقد أول قمة اسلامية معاصرة في الأول من ايلول (سبتمبر) 1969 في العاصمة المغربية الرباط، تحت رعاية الأنظمة الملكية التابعة للولايات المتحدة، وبخاصة ملك السعودية فيصل بن عبد العزيز وملك المغرب الحسن الثاني، يسندهما في ذات المهمة، شاه ايران رضا بهلوي وباكستان، اكبر بلد اسلامي، بعد اندونيسيا وأحد أكبر القوي العسكرية في آسيا.ما من شك في رأي رينيه نبعة، ان احراق ثالث مكان مقدس في الاسلام، كان بمثابة الشرارة التي مهَدت لميلاد الاسلام السياسي، بل يمكن اعتباره منعطفا تاريخيا لتشكيل ما بات يسمي الفضاء العربي الاسلامي، الذي اصبح مع مر الأيام رهانا استراتيجيا، وتحديا كبيرا في التاريخ الحديث، ذلك أن شعار العروبة والاسلام المحافظ، انما تأسس لمناهضة وتهميش القومية العربية التي جاء بها قائدها الكاريزماتي جمال عبد الناصر، الذي هزًَته هزيمة 1967، ولمناهضة التيارات الشيوعية، في مقابل ذلك تحت غطاء محاربة الالحاد في عز الصراع بين المعسكرين الامريكي والسوفييتي.لكن، بعد مرور 36 سنة علي احراق الأقصي، يتابع الكاتب، لم تصبح ذكراه (21 آب/اغسطس)، مجرد تاريخ لا يثير اهتمام العرب والمسلمين، لدرجة النسيان، غير أن اسرائيل الدولة العظمي المختلة، لم تتردد في تحميل مسؤولية هذا الحادث الخطير الذي انتهك حرمات المسلمين، الي مواطن استرالي ذي ديانة يهودية، يدعي مايكل روزن، قالت أنه مصاب باختلال عقلي.من المذهل جدا، في نظر الكاتب، انه بعد مرور 24 سنة من ذلك، تكرر حادث مماثل في مسجد فلسطيني في 1994، بحيث أطلق اصولي يهودي متطرف النار يدعي باروش غولدستاين علي مصلين خلف عشرات القتلي، قالت السلطات الاسرائيلية أنه مختل عقليا ايضا، وكأن ذلك ليس وليد سياستها العدائية.هذان الحادثان في عيون رينيه نبعة، مشابهان الي حد كبير للاستفزاز الذي قام به رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ارييل شارون، عندما وطأت قدماه ساحة مسجد الأقصي في ايلول (سبتمبر) 2000، التي كانت سببا مباشرا في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، كما انها كانت فرصة للاسلاميين لاضفاء صبغة أكثر تجذرا للصراع العربي ـ الاسرائيلي.العربية السعودية ورهاناتها الاستراتيجية لقد استغلت السعودية كما يعتقد الكاتب التوجه الاسلامي والميول العام نحو التجذر، لكي تجعل من رابطة العالم الاسلامي، القناة التكتيكية والاستراتيجية، لتعزز سلطة الدول النفطية الاسلامية وأنظمتها، بحيث استطاعت أن تنشئ لها مكاتب وتمثيليات في اوروبا (لندن، بروكسل، روما، جنيف، فيينا، كوبنهاغن، ليشبونة ومدريد) ، اذ مكَنت هذه المكاتب والتمثيليات من انشاء مراكز ثقافية ومعاهد اسلامية متخصــــصة كثيرة عبر القارة الأوروبية، مما قاد الي انشاء المجلس القاري لمساجد اوروبا الذي يوجد مقره في بروكسل، وانشاء الأكاديمية الأوروبــــية للفتوي الاســــلامية في لندن، وهمـــا المؤسستان اللتان الحقت بهما الجمعية العالمية للمسلمين الشباب (World aembly of Muslim Youth)، التي جاءت في الحقيقة لمنافسة تنظيم الاخوان المسلمين.في هذا السياق، يري الكاتب، أن وجود رابطة العالم الاسلامي، انما كان لتوطيد العقيدة السعودية وارساء هيمنتها علي المسائل الدينية في العالم الاسلامي، بل انها باتت تعتبر قاعدة حقيقية للدبلوماسية الموازية التي تمارسها، والقلب النابض لمنظمة المؤتمر الاسلامي، الذي يضم تحت جناحه نحو 50 دولة اسلامية تمثل حوالي مليار مسلم، كما انها اصبحت تمثل أكبر ناد في العالم الغربي، فلم تمت المسألة قوته مسألة تهديد اسلامي و صدمة حضارات انما تحالف ضد الالحاد اجمالا، وهو الأمر الذي يفسر نزوع العربية السعودية الي تمويل الجــــامعة الاسلامية في اسلام أباد في باكستان، بنحو 750 ألف دولار سنويا، والتي كان يترأسها في ذلك الوقت عميد متطوع ، تتمثل مهمته المركزية في معاينة الانتاج الفقهي عموما، ومجمل الفتاوي الصادرة وتمحيصها، علما بأن هذه الجامعة تشكل مع المركز الاسلامي للاهور أحد أكبر مصادر الفقه الاسلامي الذي يفوق في حجمه مؤسسة جامعة الأزهر في مصر بكثير.في مقابل هذا، أوضح الكاتب أن المملكة العربية السعودية، تزودت في سنة 1984، بأمر من الملك فهد بمطبعة ضخمة لطباعة القرآن الكريم فقط بنحو 8 ملايين نسخة في العام، بمختلف اللغات الأساسية لدول العالم الاسلامي، وهي (العربية، الفرنسية، الاسبانية، التركية والأوردو)، حتي تحولت السعودية اول بلد منتج للقرآن الكريم، ففي الثمانينات طبعت ما لا يقل عن 53 مليون نسخة، اذ توزع منها نحو 36 مليون مجانا، الي المؤمنين من 78 دولة مسلمة بمناسبة شهر رمضان.ويضيف الكاتب في هذا الاتجاه، بأن العربية السعودية خصصت في تلك الفترة (الثمانينات)، مليار دولار لصيانة الرموز الاسلامية في العالم، أي 30 الف مسجد و90 جامعة، ومعاهد دينية، كما قام الملك فهد في هذه الفترة بتوسيع مساحة المصلي لكي تستقبل 730 ألف مؤمن في مكة وحدها، ونحو 650 ألفا في المدينة، فضلا عن تركيز الاهتمام بشكل جوهري علي التعليم الديني بفضل جامعة الايمان ، محمد بن سعود الموجودة في الرياض التي قامت بتأهيل وتعليم 23 ألف طالب من 40 جنسية، وجامعة أم القري في مكة التي تخرج منها نحو 16 ألف طالب من 47 جنسية، وكلا الجامعتين تعتبران صنوين للدعاية للاسلام السعودي في منتدي دول العالم الاسلامي.لكن حصيلة الاسلام السياسي بدت كارثية في نظر مروجيه، يقول الكاتب، بعد مرو 36 سنة من الترويج والدعاية له. امريكا والدبلوماسية العسكرية أمام المتغيرات الكثيرة التي باتت تطفح بها الساحة العالمية، لجأت الولايات المتحدة الي عسكرة دبلوماسيتها خاصة بعد مجيء جورج بوش الي السلطة، فخلال 22 سنة التي خاضت فيها امريكا حربها ضد الارهاب العالمي كما تسميه، والذي أسس لها الرئيس الراحل رونالد ريغان سنة 1982، بتأييده الاحتلال الاسرائيلي للبنان، تحت ذريعة استئصال أحد جيوب الارهاب الدولي، غير ان هذه السياسة باتت محل تساؤل ونقاش الي غاية اليوم عن فاعليتها وجدواها، ذلك أنه منذ بداية ظهور العمليات الانتحارية في لبنان سنة 1982 في قلب العاصمة بيروت التي كانت ترضخ لسيطرة ارييل شارون، وزير الدفاع وقتها، فقد كانت أكثر من 30 دولة، مسرحا للعمليات الانتحارية كما تعرضت مصالح نحو 42 دولة الي التهديد، فمن البلدان المستهدفة أساسا، يوضح الكاتب، نجد لبنان، اسرائيل، فلسطين، الأرجنتين، روسيا، الشيشان، كشمير، الهند، سيريلانكا، تاجكستان، اندونيسيا، العربية السعودية، سورية، المغرب، افغانستان، الولايات المتحدة، تركيا، اليمن، العراق، باكستان، الفلبين، تونس، مصر، كينيا، تنزانيا، الكويت، كرواتيا، اسبانيا، أوزباكستان، سنغافورة، ماليزيا، وفي نهاية المطاف بريطانيا التي فقدت 25 من مواطنيها في انفجارات لندن التي طالت محطات مترو الأنفاق في السابع من حزيران ( يونيو) ـ تموز (يوليو) 2005، بالاضافة الي بلدان أخري مستهدفة من خلال مصالحها في الخارج مثل الأردن، وفرنسا وايطاليا واستراليا واليابان، وكوريا الجنوبية.أما الولايات المتحدة، فقد بات يستهدفها الارهاب بطريقة منهجية في الداخل او في الخارج عن طريق ضرب مصالحها واستثماراتها، دون الحديث عن جنودها الذين يقتلون يوميا سواء في افغانستان او العراق، فنحو ثلاثة اعتداءات تاريخية طالتها، خلَفت نحو 40 ألف قتيل، كان اشدها وقعا تفجيرات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001، التي راح ضحيتها 3 آلاف شخص، فضلا عن ان هذه العملية الانتحارية في يوم الثلاثاء الأسود الحقت خسائر بالاقتصاد الامريكي قدرت بحوالي 40 مليار دولار، وقبل ذلك، تسبب اعتداء مماثل في نيويورك سنة 1993 ضد برجي المركز التجاري، في مقتل ستة اشخاص والف جريح، واعتداء اوكلاهوما سيتي الذي خلف 167 قتيلا، نسبته مصالحها الأمنية الي تنظيم يميني متطرف، بالاضافة الي الاعتداءين اللذين استهدفا سفارتيها في نيروبي (كينيا ) ودار السلام (تنزانيا)، وخلفا نحو 230 قتيلا، ونسبتهما الولايات المتحدة وقتئذ الي التنظيم الاسلامي الذي يقوده اسامة بن لادن، وهو ما دفعها الي القيام برد عسكري ضد مصنع للأدوية في السودان، كما ضربت موقعا كان يؤوي المجاهدين في افغانستان.استمرار مسلسل العمليات الانتحاريةفي هذا المنحي، يوضح الكاتب، أن العمليات الانتحارية عرفت نموا متسارعا في مناطق كبيرة في العالم، بحيث كانت حين انطلاقها في لبنان سنة 1982 (16 عملية انتحارية)، ووصل عددها الي 190 اعتداء في 2003، وهو دلالة علي فشل السياسة الامريكية ـ الاسرائيلية في مكافحة الارهاب، مذكرا في ذات المقام بأنه منذ الاعلان عن الحرب الجديدة ضد الارهاب في 2001، ما لا يقل عن 415 عملا ارهابيا تم احصاؤها بين 2002 و2003، وتركت ورائها 1350 قتيلا و ما يقرب من 4 آلاف جريح، أي بمعدل قتيلين و4 جرحي في اليوم.العراق المحطة القاتلة.. مقتدي الصدر ومقاومة الداخلفي الوقت الذي لم يجرؤ احد علي التصدي فيه للهيمنة الامريكية في العراق، يشير الكاتب، ارتفع صوت الامام الشاب مقتدي الصدر لكي يندد بسياسة الاحتلال، طالبا من الأمريكان مغادرة البلاد، تفاديا لكوارث لا تحمد عقباها، فمقتدي الصدر ليس غلاما متطرفا ، لكنه قائد ديني شيعي، يتحدر من عائلة دفعت فاتورة دم ثقيلة ، بحيث تمت تصفية والده في سنة 2000 وقبله عمه في 1989، لمعارضتهما سياسة صدام حسين، وهو فوق هذا وذاك ليس لاجئا في الخارج، انما مقاوما من الداخل ضد صدام وضد الامريكان، فهو علي عكس القادة العراقيين الجدد بمن فيهم الأكراد والشيعة الذي تسلموا الحكم من علي ظهر الدبابة الامريكية. ما من شك في هذا السبات العربي القاتل، انما جاء مقتدي الصدر يحرك افكار التحرر والانعتاق، فهو ليس بأي شكل من الأشكال، كما يدعي البعض، استفزازيا او يسعي الي احداث الفتنة، بل ان هذا القائد الشاب، المتمرد، اساس لمقاومة المحتل الذي جاء ينهب ارضه وعرضه ليس الا، فشرعيته اكبر من شرعية هؤلاء الحكام الجدد المختبئين في لندن في عهد نظام صدام حسين القمعي، الذين ما فتئوا يتحينون الفرصة لاستلام السلطة في العراق، وكلهم طاعة وانصياع للاحتلال الامريكي. انه لمن المذهل والغريب، يضيف الكاتب، اننا لم نشهد اية احتجاجات عندما ضرب الاحتلال الامريكي النجف الأشرف، وهو موقع مقدس للشيعة في آب (أغسطس) 2004، ومعقل مقتدي الصدر، عدا تلك التي اطلقتها تلك التنظيمات المعروفة المناضلة ضد التوسع الاسرائيلي الأمريكي مثل حماس الفلسطينية، وحزب الله اللبناني، والاخوان المسلمين في مصر، وقادة التيارات الاسلامية في المغرب العربي. 7

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية