الامكانيات المالية وتوليد الرًّغبات
د. علي محمد فخروالامكانيات المالية وتوليد الرًّغباتفي دراسة للكاتب العربي المصري جلال أمين حول علاقات العولمة والهوية الثقافية والتطور التكنولوجي الحديث المتصاعد يستذكر الدكتور جلال مقولة للكاتب لويس ممفورد من أن البشر أصبحوا معرًّضين لأن يعتبروا أشياءً مرغوباً فيها لمجرًّد أن تلك الأشياء أصبحت في حدود الامكان لتحقيقها تكنولوجياً. وقد رأينا ذلك عندما أصبح بامكان الانسان أن يسافر بسرعة الصًّوت حال تصنيع طائرة الكونكورد الشهيرة. لقد أنقلب آنذاك حلم السفر بطائرات الكونكورد الي شهوة جامحة عند الكثيرين، مقتدرين وغير مقتدرين. اليوم انقلبت امكانيات من مثل اطالة العمر الي أضعاف عمر البشر الحالي أو امكانيات العيش في الفضاء وعلي بعض الكواكب الي رغبات انسانية جامحة عند البعض تدفع دفعاً قوياً بتكنولوجيا الحقلين ليتطورا بأي ثمن، وبلا حساب متأنٍّ للمخاطر، من أجل تحقيق تلك الرًّغبات. هنا تكمن أخطار التكنولوجيا الحديثة، لا في ذاتها، وانما في أن تنقلب امكانياتها الهائلة الي رغبات وشهوات بشرية تخرج عن السيطرة وعن التوازن وتؤدي الي كوارث.في بلدان الخليج ينبني شيئاً فشيئاً وضع مشابه، ولكن ليس في حقل التكنولوجيا وانما في حقل امكانيات المال الهائلة التي بدورها أصبحت تثير عند البعض رغبات لا يحدُّها عقل ولا يحكمها منطق. فالمال الذي يتدفًّق بلا جهد ولا عرق جبين يحمل في داخله امكانية توليد رغبات لا عند الأفراد فقط، فهذه ظاهرة عرفتها الانسانية عبر تاريخها الطويل، ولكن عند الدول أيضاً، وهو ما قد يقود الي مخاطر غير محسوبة. دعنا نأخذ مثال الامكانية المالية لهذا التوسع الهائل، غير المنضبط وغير المرتبط بأهداف واضحة، في بناء الألوف من الأبراج السكنية والتجارية العالية في كل مدن الخليج. وهي جزء مكمٍّل، كما كتبت في مقالات سابقة، لبناء منتجعات ومجمًّعات ترفيًّه وتكنولوجية هي أقرب لعالم الخيال والأوهام المتصوًّر من قربها لعالم الواقع البشري الخليجي وثقافته وحاجات أبنائه الأساسية. وحتي ضمن هذا الحقل تشتطُّ الصًّرعات الرغائبية المتنافسة. فمن راغب في بناء أعلي ناطحة سحاب في العالم الي مهووس ببناء أكبر مجمًّع تسوقي في الكرة الأرضية. وفي جميع الحالات فان المال الكثير المتوفر حالياً يجعل ذلك ممكناً وبسهولة. ولكن ككل الرغبات والشهوات فانها تنسي أن تطرح أسئلة من مثل لماذا، ولمن، وهل هناك مخاطر، وهل هناك ما هو أفضل وغيرها. مثلاً، هل ستنتهي مدن الخليج الي أن يهيمن علي فضاء سكناها الملايين من أثرياء العالم الأجانب، فتختلُ الموازين الديموغرافية والثقافية والدينيًّة لتنتهي بكوارث سياسية؟ أم هل ستنتهي بمدن القصور التي تحيط بها مدن أكواخ فقراء الخليج وفقراء العالم المهاجرين؟ أم هل ستنتعش تجارة المخدرات والقمار والرًّذيلة وكل ماهو ضار وممنوع؟ وماذا عن الاحتقانات المرورية التي بدأت تظهر في كثير من شوارع المدن وحتي قبل أن يكتمل بناء الكثير من المنتجعات والتجمعات وقبل أن تغزوها وتتحرك فيما بينها جحافل طالبي دفء الشمس والمتع والاستهلاك النهم؟ الأمر نفسه ينطبق علي ما خلقته الامكانيات المالية من رغبات استهلاكية جنونية في المأكل والملبس والكماليات وفي اقتناء كل ما تقذف به مصانع الغير من أدوات. وكلما زاد دخل البترول زادت أنواع وحمًّي تلك الرغبات دون أي حساب لمشاكلها الصحية أو الأخلاقية أو النفسية علي أجيال الغد ودون أي التفات لما يمكن أن تأتي به مفاجآت أسعار البترول وتقلبات أسواق المال.لا نحتاج الي التأكيد بأن الهدف من هذا الطرح ليس محاربة التقدم التكنولوجي فالتطور التكنولوجي ضروري ومطلوب، ولا رفض التراكم في الثروة والمال، فهذا أمر له حسناته الكثيرة. ان الهدف هو ايجاد وسائل وسبل لضبط وتطويع تلك الرغبات المريضة التي تخلقها تلك الامكانيات سواء التكنولوجية أو المالية. لنعتبر بحكمة نبي الاسلام العظيم: اخشوشنوا فانً النعم لا تدوم، وكذلك ثروة البترول.9