نواكشوط –«القدس العربي»: تتواصل تداعيات المواجهة العسكرية بين إيران وكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وسط انشغال واسع في الأوساط السياسية والشعبية بموريتانيا ودول غرب إفريقيا، في ظل مخاوف من انزلاق الصراع إلى مواجهة إقليمية مفتوحة ذات انعكاسات دولية عميقة.
وفي نواكشوط، عبّر حزب الإنصاف الحاكم عن «بالغ القلق» إزاء التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط، مديناً أي اعتداءات تطال دول الخليج والأردن، ومؤكداً أن أمن هذه الدول «جزء لا يتجزأ من الأمن العربي المشترك». ودعا الحزب إلى الوقف الفوري للتصعيد وضبط النفس وتغليب الحلول الدبلوماسية في إطار احترام سيادة الدول ومبادئ القانون الدولي.
ويعكس هذا الموقف توجهاً رسمياً يميل إلى خطاب التهدئة والحفاظ على التوازن الدبلوماسي، في سياق إقليمي شديد الحساسية.
وفي سياق التفاعل الشعبي داخلياً، واصلت المبادرة الطلابية الموريتانية لمناهضة الاختراق الصهيوني والدفاع عن القضايا العادلة تنظيم احتجاجاتها الليلية أمام سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في نواكشوط، تنديداً بما تصفه بـ»العدوان الأمريكي الإسرائيلي» على إيران، وتجديداً لموقفها الداعم للشعب الفلسطيني في قطاع غزة. ورفع المشاركون شعارات تطالب بوقف التصعيد العسكري واحترام سيادة الدول، كما أكدوا رفضهم لاستمرار العمليات العسكرية ضد المدنيين في غزة، معتبرين أن ما يجري يمثل امتداداً لسياسة القوة وفرض الأمر الواقع. وتأتي هذه التحركات ضمن موجة تفاعل طلابي وشعبي يعكس حضور القضية الفلسطينية في الوعي العام الموريتاني، وتقاطعه مع المواقف الرافضة للتدخلات العسكرية في المنطقة.
وفي السياق ذاته، أعلنت سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في نواكشوط مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ووصفت الضربات الأمريكية الإسرائيلية بأنها «عدوان إجرامي» وانتهاك صارخ للقانون الدولي.
وأكدت أن ما جرى لن يثني إيران عن مواصلة ما سمته «طريق المقاومة»، معتبرة «أن الحدث سيزيد من تماسك الجبهة الداخلية في إيران».
وقد أثار البيان تفاعلات واسعة داخل موريتانيا، بين من رأى فيه موقفاً سيادياً في مواجهة الهيمنة الدولية، ومن عبّر عن تخوفه من تداعيات حرب مفتوحة على الأمن والاستقرار الإقليميين.
وإقليمياً، حذرت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) من أن استمرار العمليات العسكرية يهدد بتفاقم عدم الاستقرار الدولي، وله عواقب وخيمة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الغذائي، خصوصاً بالنسبة لإفريقيا التي تعاني هشاشة اقتصادية متزايدة.
بالقلق والتخوف من طول أمد الحرب وبالهواجس الاقتصادية
ودعت المنظمة جميع الأطراف إلى الالتزام بميثاق الأمم المتحدة، واحترام مبادئ السيادة والسلامة الإقليمية، مع إعطاء الأولوية لحماية المدنيين وتعزيز الجهود الدبلوماسية لخفض التوتر.
وفي السنغال، خصص الوزير الأول عثمان سونكو جلسة تفاعلية مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي للرد على أسئلة المواطنين، حيث أدان بشدة الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، واعتبرها «حرباً» جرت دون تفويض من الأمم المتحدة.
وقال سونكو إن العالم يعيش منذ عام في «وضعية تصفية للقانون الدولي»، مضيفاً أن من الخطير أن تمنح دولة لنفسها الحق في «اختطاف رؤساء أو مهاجمة دول أخرى أو خنق شعوب» دون قرار أو تفويض أممي.
واعتبر أن غياب رد حازم من المجتمع الدولي يشجع على تطبيع التدخلات العسكرية الأحادية خارج أي إطار متعدد الأطراف، ما يضعف النظام الدولي ويعرّض الدول الأكثر هشاشة لقرارات تُتخذ خارج أي توافق دولي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، حذر سونكو من التداعيات المحتملة لأي اضطراب في مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما بين 30% و40% من إمدادات المحروقات العالمية.
وأكد أن أي تعطّل كبير قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود والمواد الغذائية، مع انعكاسات مباشرة على التضخم والقدرة الشرائية في السنغال وبقية الاقتصادات الإفريقية.
وبدورها، دعت غانا إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي، حفاظاً على الأرواح وضماناً للاستقرار الاقتصادي وتحقيق سلام إقليمي دائم.
أما في نيجيريا، فقد خرج آلاف المتظاهرين من أنصار جماعة شيعية موالية لإيران في مدن شمالية عدة، رافعين الأعلام الإيرانية ومنددين بالضربات الأمريكية الإسرائيلية، في مشهد يعكس الامتداد الرمزي والسياسي للأزمة إلى داخل المجتمعات الإفريقية. وعلى المستوى السياسي، شارك النائب البرلماني بيرام الداه اعبيد، رئيس ائتلاف المعارضة الموريتانية، في ندوة رمضانية بباريس، منظمة من المجلس الوطني للثورة الايرانية بقيادة السيدة مريم رجوي، حيث شدد في كلمته على رفض الحرب كوسيلة للتغيير، معتبراً أن التدخلات العسكرية غالباً ما تخلّف تفككاً طويل الأمد.
وأكد أن رفض الحرب لا يعني الدفاع عن الأنظمة، بل حماية الشعوب من «عقوبة مزدوجة» داخلية وخارجية، داعياً إلى التمسك بخيار اللاعنف واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.
ويتركز في موريتانيا، النقاش العام حول ثلاثة محاور أساسية هي الخشية من توسع رقعة الحرب وما قد يترتب عليه من استقطاب دولي حاد، والهواجس الاقتصادية المرتبطة بأسعار الوقود والمواد الأساسية في بلد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد؛ والجدل القيمي والسياسي بين من يرى في المواجهة صراعاً ضد الهيمنة ومن يدعو إلى تحييد المنطقة العربية والإفريقية عن صراعات المحاور.
وتكشف مجمل المواقف في موريتانيا وغرب إفريقيا عن إدراك متزايد لارتباط الأمن الإقليمي الإفريقي بتحولات النظام الدولي.
وبين الدعوات إلى احترام القانون الدولي، والتحذير من «تصفية» قواعده، والمخاوف من صدمة نفطية محتملة، يتشكل مشهد يعكس قلقاً إفريقياً مشروعاً من أن تتحول حرب بعيدة جغرافياً إلى أزمة قريبة اقتصادياً وأمنياً.