من المعلوم المشترك والمستقرّ لدى الناس، أنّ اللمس هو حاسة من الحواسّ الخمس، التي تمكن الإنسان من أن يشعر بالعالم بواسطة جسده، كأن يشعر بالحرارة والبرودة والنعومة والخشونة، ويكون ذلك بإرسال إشارات إلى الدماغ تجعله يدرك ما يلمس. واليوم يعتبر اللمس وظيفة إدراكية معقدة ونشيطة تعالج المشاعر وتحدّد الأشياء وتفهم العلاقة المكانية. والفعل الأساسي الذي يسمّي هذه الحاسة في العربية هو (لَمَسَ) ومنه اشتقت تسمية الحاسّة (لَمْس). ولكن يمكن أن يعوّض الفعل المخصوص بأفعال عامة من نوع (شعر) أو (وجد)، أو بأفعال خاصة ودقيقة من نوع (سرى)، إذا جرى الإحساس في الجسد كله أو (كوى)، إذا شعر المرء من خلال اللمس بما يحرق.
واللغات الطبيعية، هي لغات تختلف من جهة تخصيص أفعال اللمس وأسمائه، حسب تجارب الجماعات اللغوية مع هذا الحسّ. وليس هذا موضع الخوض فيه، إنما نريد أن نتوقف في هذه المساحة الصحافية عند بعض الاستعمالات النادرة لهذا الفعل، لنرى علاقته بالفعل الأصلي الدال على هذه الحاسة، وما فيه من سعي إلى الوصل به أو الفصل معه.
في قوله تعالى في سورة الجن (8): (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُبا)، فإنّ فعل اللمس الطرازي (لمسْنا) يغطي في العادة تجربة أرضية يكون فيها الجسد في اتصال مع الأجسام والكيانات الأخرى، في هذا الحيز الذي يتحرك فيه الإنسان. هذا الفعل مسند في النص القرآني إلى كيان مفارق مختلف عن الإنسان هو الجن. ويُسند إليه في الآية الأولى فعل إدراكي بشري هو السمع في قوله تعالى (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَبا). أفرط المفسرون في التفاصيل المتعلقة بحيثيات سماع الجنّ للتنزيل وهو يُتلى على لسان الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بل إنّ منهم من سمّى الجنّ باسمه ورصده بعدّته، وكلّ هذه التفاصيل وإن كانت تستجيب لما يتطلبه المتقبل البسيط للنصّ فإنّها لا تطرح مسائل أخرى كانت متنزلة في باب ما لا يفكّر فيه أو ما ليس مهمّا التفكير فيه وهي نسبة الحواس البشرية إلى كائنات غير بشرية؛ بل نسب إليهم فهم اللغة التي يدركها البشر بحروفها، وهذا لا يستغرب في الدائرة التصورية التي جعلت العربية لغة مفهومة حتى بين غير البشر، حتّى إنّ من القدامى من جعلها لغة أهل الجنان.
السمع وهو من الحواسّ الإدراكية الأصلية في هذا السياق، جعل ليكون أداة استكشاف لما جاء في التنزيل؛ والاستكشاف في هذه الآية الأولى مبنيّ على أن يكون السمع أداة تواصل لا بين البشر وما يُتلى عليهم من الذكر الحكيم، بل أيضا بين الجنّ أيضا. الكون بهذا التصور ينقسم إلى سامعين مرئيّين حاضرين في حيز الكون الشاهد، وسامعين غير مرئيّين حاضرين في حيز الكون الغائب. فما يُقرأ من قرآن يمكن أن يسمعه البشر، ويمكن أن يسمعه الجان، وما يقرأ من القرآن يمكن أن يكون دافعا لإيمان البشر، ولكنّه يكون أيضا دافعا لإيمان الجان. وبفضل السماع يمكن أن ينقسم البشر إلى من يصدّق ما يسمع، فيسمّى مؤمنا وإلى من لا يصدق فيسمّى كافرا، وكذا الشأن بالنسبة إلى الجن؛ فللسّماع قيمة إدراكية مجاوزة للدور الطرازي، لأنّها لا تنقل لا الكلام فقط، بل تنقل السامع من حالة اعتقاد قديمة أو ما قبلية، إلى حالة إيمانية ما بعدية.
في التفصيل يمكن أن يفتتن المرء بالدقائق التي نجدها بقلم المفسّرين يقول الطبري ناقلا: «كان أوّل من بُعث نفر من أهل نصيبين وهي أرض في اليمن، وهم أشراف الجنّ، وسادتهم، فبعثهم إلى تهامة وما يلي اليمن، فمضى أولئك النفر، فأتوا على الوادي وادي نخلة، وهو من الوادي مسيرة ليلتين، فوجدوا فيه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة، فسمعوه يتلو القرآن؛ فلما حضروه، قالوا: أنصتوا، فلما قُضِيَ، يعني فُرِغ من الصلاة، وَلَّوْا إلى قومهم منذرين، يعني مؤمنين، لم يعلم بهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، ولم يشعر بأنه صُرِف إليه، حتى أنزل الله عليه: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنّ)ِ». هذا التفسير مهمّ لأنّه لا يشرك الإنس والجنّ في النص المسموع، ولا في أداة السماع المدركة، بل يجعلهم يتقاسمون حتى الرقاع الجغرافية والأنساب والشرف والسيادة والتوزيع الاجتماعي الطبقي. فالجن، ومن دون أن يعرض الأمر علينا وكأنّه من العجيب، هم في أراضينا وهم في غيبتهم هذه من الخفاء، حتى إنّ الرسول نفسه بما لديه من قدرات ومعجزات، يعجز عن أن يدرك ما سمعوا وما قرروا. فمعرفة هذه الأشياء إنّما هي نابعة من الوحي: إشعار الله نبيّه بما هو غير متاح له أن يعرفه بمداركه البشرية. هو لديه القدرة على القول وهم لديهم قدرة المجاوزة على أن يستمعوا إليه ويقرّروا في شأن ما قرأ من النص المنزل ما يدفعهم إلى الإيمان به.
السماع الأرضي بذلك يمكن أن يشمل نوعين من الكيانات: البشر وسمعهم مرتبط بالحضور، والجان وسمعهم قابل لأن ينفذ إلى حيزات وجودية لا ينتمون إليها بحضورهم الوجودي المرئي. فسمة السمع بهذا المعنى هي سمة أكثر نفاذا من سمة السمع الذي لدى البشر، لأنّها تسمع ولا يراها الآخرون تسمع وهي ليست متخفية ولا محتجبة، بل هي هناك، ولكنّ المبصر البشري لا يقدر أن يراها. الوحي بهذا المعنى سلطة تشعر من يُسمع ولا يَرى من يسمعه، بأنّ هناك من يَسمع ويرى سامعه أو يدركه بغير أداة سمع عادية وبغير عين مبصرة ولا حتى بغير أداة لمس أخرى.
هنا نخلص إلى اللمس الذي في الآية موضع النظر. قال الطبري في تفسيرها: «ذكر من قال ذلك: كانت الجنّ تستمع، فلما رجموا قالوا: إن هذا الذي حدث في السماء لشيء حدث في الأرض؛ قال: فذهبوا يطلبون حتى رأُوا النبيّ صلى الله عليه وسلم خارجا من سوق عكاظ يصلي بأصحابه الفجر، فذهبوا إلى قومهم مُنذرين».
ما شدّ الاهتمام هو هذا العدول بعد التسوية في فعل الحسّ: لقد كان السماع المنسوب إلى الجن مفهوما على قياس سماع البشر: الرسول يتلو القرآن فيستمع إليه البشر ويستمع إليه غيرهم من الكيانات المغيبة، وكأنّ لديهم الآلة الإدراكية الواحدة، لكنّ الأمر بات مختلفا مع اللمس. لمس السماء إن نحن قايسناه بسماع ما في الأرض كان يعني إرسال أداة أو قناة لامسة، وهذا يعني جزءا من الجسد مثلما يفعل الإنسان، إذ يلمس الشيء بيده، أو بجزء من جسده. لمس السماء هنا يمكن أن يكون لو فسرناه بأدواتنا الإدراكية البشرية بقناة بصرية، فالجان لما أدركوا السماء وما فيها من جند أدركوها بالبصر لا باللمس. يكفي أن تدخل في هذا الحيز القياسي لتجد نفسك تقرأ المحسوس، الذي يجريه الكيان غير البشري بواسطة أدوات الحس البشرية. ليس للبشري أن يدرك المفارق إلاّ بأدوات الحس البشرية لكن هل هذه الأدوات هي نفسها؟ وهل لها الفعل نفسه، وإن كانت لها الأسماء نفسها؟ هناك طريقان في الجواب على هذا السؤال الأوّل منهما طريق المفسرين القدامى الذين ينخرطون طوعا في الفرضيات الخيالية والعجائبية، التي تسمح له بتخيل المفارق؛ والطريق الثاني هو طريق الطبيعيّين الذين يرون أنّه لا يوجد من أدوات تدرك قوانين العالم غير المدركات المتوفرة لدينا، وأنّ المجاوز له أو المتعالي ينبغي أن يزول ويبعد. ولكنّ هذين الجوابين لا يحسمان تطلع العين إلى ما وراء ما تبصره والجسد إلى ما فوق ما يلمسه.. فكلّ حسّ يمكن أن يحلم بالسفر إلى ما فوق ما يدركه.
أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية