لندن- “القدس العربي”:
نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعده جاك ديستش وجوي غول وإيلي ستوكول وجون سيكلياردس، قالوا فيه إن البنتاغون لم يقدم أية أدلة مقنعة حول مبررات ضرب إيران وأنها جاءت للدفاع عن النفس. وأضافوا أن محاولة إدارة دونالد ترامب تقديم حالة لتبرير الحرب بعد إطلاق الرصاصة الأولى لا توجد لها سوابق تاريخية.
فمن جهة، تزعم إدارة ترامب أنها أمرت بشن ضربات واسعة النطاق وقاتلة لوقف تهديد وشيك من طهران، لكنها لا تقدم أي دليل على أن إيران كانت تخطط لمثل هذه الضربات. وفي خضم أكبر حشد عسكري بالمنطقة منذ عقود، لم يوضح البيت الأبيض بعد للرأي العام الأمريكي أو للكونغرس ما هو التهديد الإيراني الذي دفع إلى شن هذه الهجمات الضخمة التي قلبت المنطقة رأسا على عقب، والتي قد تجر الولايات المتحدة إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط.
وقد حاولت الإدارة اختبار مبرراتها لأول مرة بعد أكثر من 12 ساعة من بدء الولايات المتحدة قصف إيران بالصواريخ والطائرات المسيرة والمدفعية بعيدة المدى. وقال مسؤول بارز في إدارة ترامب للصحافيين يوم السبت، بأن الولايات المتحدة خلصت إلى أن القوات الأمريكية كانت ستتكبد خسائر أكبر بكثير لو انتظرت ضربة إيرانية وشيكة. وفي الإحاطة نفسها، قال مسؤولان آخران إن الرئيس أمر بالضربات بعد أن تأكد من أن إيران لن توافق على وقف تخصيب اليورانيوم بشكل كامل.
وتشير المجلة إلى أن محاولات الإدارة لتبرير الحرب بعد بدء إطلاق النار فقط، لا يوجد مثيل لها في التاريخ. مشيرة إلى أن البنتاغون لم يعقد أي مؤتمرات صحافية بعد مرور ما يقارب 36 ساعة على الضربات العسكرية، مخالفا بذلك تقليدا يعود إلى حرب فيتنام يقضي بعقد مؤتمرات كهذه عقب الهجمات.
وعلى عكس الرؤساء السابقين الذين شنوا حملات عسكرية كبرى، لم يبذل ترامب جهدا لحشد الدعم من الكونغرس أو حلفاء الولايات المتحدة أو الشعب الأمريكي. ولم تحاول الإدارة إقناع مجلس الشيوخ بتفويض الحرب، كما فعل الرئيس جورج دبليو بوش في العراق، أو مناشدة الأمم المتحدة، كما فعل جورج بوش الأب لتشكيل تحالف ضد هجوم صدام حسين على الكويت.
ونقلت المجلة تعليق السناتور الديمقراطي عن ولاية نيوجرسي، أندي كيم قوله إن “أي تهديد محتمل يمثلونه هو رد فعل على حشدنا العسكري غير المسبوق في المنطقة. هذا مثال على الرئيس الذي يقرر ما يريد فعله، ثم يجبر إدارته على البحث عن أي حجة لتبريره”.
وتضيف المجلة أن الإدارة الأمريكية أطلعت بعض موظفي الكونغرس يوم الأحد على تفاصيل العملية. لكن المسؤولين لم يقدموا أدلة واضحة على أن الإيرانيين كانوا يحضرون لهجوم وشيك على القوات الأمريكية، وذلك حسب شخصين حضرا الاجتماع. مشيرة إلى أن كلا من وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، ومدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف، سيقدمون إحاطة حول إيران لأعضاء مجلس النواب يوم الثلاثاء، وفقا لأربعة أشخاص مطلعين على الاجتماع. كما سيلتقون بأعضاء مجلس الشيوخ، وفقا لشخصين مطلعين على الخطط.
وفي فيديو مدته ثماني دقائق نشر على منصة “تروث سوشيال” بعد الموجة الأولى من الهجمات، قال ترامب إن إيران واصلت تطوير صواريخ بعيدة المدى قد تهدد أوروبا والقوات الأمريكية على الرغم من أن وكالات الاستخبارات الأمريكية قد خلصت إلى أن طهران لن تحصل على هذه الأسلحة قبل سنوات.
وفي مقطع فيديو ثان نشر على الإنترنت يوم الأحد، قال ترامب إن العمليات ستستمر، وإن الخسائر الأمريكية ستزداد على الأرجح. لكنه لم يوجه خطابا رسميا إلى الشعب الإيراني، أو يجب على أسئلة حول قراره بنشر القوة، أو غيرها من الأمور.
وتعلق المجلة أن أفعال ترامب تعتبر تراجعا مفاجئا عن وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب إلى الأبد، وعن انتقاده للجهود الأمريكية في “بناء الدول” بالشرق الأوسط خلال خطاب ألقاه العام الماضي في السعودية. وقال ترامب آنذاك: “كانوا يتدخلون في مجتمعات معقدة لم يفهموها هم أنفسهم”.
من جهتها أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن الضربات “استهدفت مواقع تشكل تهديدا محتوما”، بما في ذلك الدفاعات الجوية الإيرانية، ومواقع إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ، والمطارات العسكرية. لكنها لم تشر إلى أي شيء محدد بشأن تهديد عاجل للقوات الأمريكية.
وبحسب مصدر مطلع على العملية السرية، فقد أمضت وكالة الاستخبارات المركزية عدة أسابيع في بناء علاقات مع بعض المسؤولين الإيرانيين.
وأضاف المصدر أن المعلومات الاستخباراتية حددت توقيت وموقع ضربات يوم السبت التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين. ولم ترد وكالة الاستخبارات المركزية على طلب للتعليق. وأحال مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الاستفسارات إلى البيت الأبيض.
وأصدر البيت الأبيض بيانا قال فيه إن الدبلوماسية كانت الخيار المفضل لترامب، وإن “ممثليه عملوا بجد وبحسن نية للتوصل إلى اتفاق يضمن عدم تشكيل القدرات النووية والصاروخية الإيرانية أي تهديد لوطننا. وللأسف، رفض النظام الإيراني الانخراط بواقعية مع الولايات المتحدة”.
إلا أن عدد المشككين في مبررات الإدارة في تزايد، لا سيما بعد مقتل أول جندي أمريكي يوم الأحد في ضربة إيرانية انتقامية.
وقال السناتور الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، مارك وارنر، لشبكة “سي إن إن نيوز” بأنه لم ير أي معلومات استخباراتية “تشير إلى أن إيران على وشك شن أي نوع من الضربات الاستباقية ضد الولايات المتحدة الأمريكية”، مضيفا أن الرئيس “أشعل حربا باختياره”.
وعلق عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت، ريتشارد بلومنتال في مقابلة صحافية، أن إيران ووكلاءها حزب الله والحوثيين يشكلون تهديدات مستمرة، وأن القواعد الأمريكية في المنطقة تواجه مخاطر حقيقية. لكنه أكد أن هذه المخاطر تتم إدارتها من خلال أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الأمريكية. وأضاف: “ببساطة، ليس لديهم صاروخ قادر على الوصول إلى الولايات المتحدة، وربما لن يمتلكوه قبل سنوات”.
كما تجنب المدافعون عن الإدارة في الكونغرس مناقشة أي خطط إيرانية. وكرر النائب الجمهوري عن ولاية أوهايو، مايك تيرنر يوم الأحد كلمة “وشيك” لوصف التهديد في مقابلة مع شبكة “سي بي إس نيوز”، لكنه امتنع عن الخوض في تفاصيل أكثر.
ولم ير الخبراء خطرا وشيكا قبل الضربات، وأشار داريل كيمبال، المدير التنفيذي لمنظمة الحد من التسلح النووي، الأسبوع الماضي، إلى أن إيران ستحتاج إلى شهور لتخصيب كمية كافية من اليورانيوم لصنع سلاح، وسنوات لإعادة بناء المنشآت النووية التي ألحق بها الجيش الأمريكي أضرارًا العام الماضي.
من جهته وصف ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية ومسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية في عهد جورج دبليو بوش، التهديد الذي تشكله إيران بأنه قابل للسيطرة. وأضاف أن هذا يجعل الحرب “وقائية وليست استباقية”.
كما انتقد مستشار الأمن القومي السابق لترامب وأحد صقور إيران، جون بولتون قرارت ترامب حيث حذر في مقابلة مع مجلة “بوليتيكو” من إمكانية تعميق الهجمات الأمريكية للنزاع وخلق فراغ في السلطة وإدخال المنطقة في فوضى.
وأضاف: “ستكون اضطرابات كثيرة وستراق دماء غزيرة”. وأضاف أن لا أحد يعلم إن كان الناخبون سيقدرون خطوة ترامب أم سيعتبرونها كارثة سياسة خارجية أخرى حاول فيها ترامب حرف النظر عن عجزه تقديم الخدمات وتحقيق الوعود للناخبين الأمريكيين.
وقال: “أشعر بقلق بالغ إزاء عدم إجراء مشاورات كافية مع المعارضة على أرض الواقع في إيران، وأنا على استعداد تام للاعتراف بصعوبة التنسيق، فمع أن المعارضة واسعة الانتشار، إلا أنها تفتقر إلى هيكل قيادي واضح، بل هي عفوية تماما”.
وتوقع أن يكون مستقبل إيران بعد الضربة، مضطربا وتراق دماء غزيرة، لأن الفصائل داخل الثورة الإسلامية، إن لم يكن لديها قائد أعلى، وإن تم القضاء على المستويات الأدنى منها، وربما حتى المستوى الثالث، ستواجه صراعا داخليا حادا.