لندن ـ «القدس العربي»: تعاقد مانشستر سيتي مع لاعب الوسط نيكو غونزاليز في سوق الانتقالات الشتوية العام الماضي في صفقة كبدت الخزينة حوالي 50 مليون جنيه إسترليني بخلاف المتغيرات التي ينتظرها فريقه السابق بورتو البرتغالي، وذلك بهدف إحداث نقلة نوعية في خط وسط السكاي بلوز، في ظل معاناة قائد الوسط رودري من الإصابة السيئة التي تسببت في غيابه عن الملاعب طيلة الموسم الماضي، لكن فجأة وبدون سابق إنذار، خطف لاعب آخر يدعى نيكو الأنظار من تحت أقدام الجميع، وهو ابن الأكاديمية الذي يصف نفسه بالمشجع المتعصب للمان سيتي منذ الطفولة، نيكو أورايلي، بعد التحول المثير في مغامرته الجريئة مع فريق بيب غوارديولا الأول، من مجرد ظهير أيسر شبه مجهول قادم من الأكاديمية ويُنظر إليه على أنه نقطة ضعف في دفاع الفريق، إلى جوهرة لا تُقدر بثمن في وسط الملعب، وواحد من أبطال عودة المان سيتي لتضييق الخناق على آرسنال في صراع الكبيرين على صدارة الدوري الإنكليزي الممتاز، والسؤال الآن: كيف انفجرت موهبة الشاب الإنكليزي بهذه السرعة والطريقة التي فاقت كل التوقعات؟ هذا ما سيجيب عليه التقرير الآتي.
السلاح الخفي
كان الشاب البالغ من العمر 20 عاما، يشتهر بأهدافه السينمائية في أكاديمية مانشستر سيتي، كلاعب من المفترض أنه قضى جُل مسيرته في قطاع الشباب في مركز لاعب الوسط رقم (8)، قبل أن يتعرض لإصابة سيئة في مرحلة حاسمة من برنامج تطوره، على إثرها اضطر للخضوع لعملية جراحية كانت كفيلة بإبعاده عن معظم مباريات الفريق في موسم 2023-2024، ومع عودته القوية بعد تعافيه من تلك الإصابة، استعان به المدرب الكتالوني في النصف الثاني من الموسم الماضي كظهير أيسر، وحسنا فعل الصغير الإنكليزي، بتسجيل خمسة أهداف وصناعة اثنين، كواحد من الأسماء التي ساهمت في إنقاذ موسم الفريق بعد البداية الكارثية، التي جعلته على مسافة كبيرة من دائرة المنافسة على المراكز المؤهلة لدوري أبطال أوروبا، قبل أن يستيقظ مع وصول مرموش وتصعيد أورايلي وباقي الوجوه التي صنعت الفارق في وصول السيتي إلى المباراة النهائية لكأس الاتحاد الإنكليزي، وسبقها ضمن التأهل لدوري أبطال أوروبا بعد معركة حامية الوطيس مع تشلسي ونيوكاسل يونايتد وأستون فيلا وباقي الخصوم المحليين، وعلى الرغم من أن ابن النادي لم يكن متمرسا على اللعب في مركز الظهير الأيسر، فقد أعطى إيحاء للجميع وكأنه ترعرع داخل الأكاديمية في اللعب في مركز المدافع الأيسر، قبل أن يقرر غوارديولا إعادته إلى مركزه الأصلي في وسط الملعب في المباريات القليلة الماضية، ليتحول إلى البطل المجهول في قصة العودة الملحمية لمنافسة المدفعجية على لقب البريميرليغ، بطريقة تُعيد إلى الأذهان ما حدث في آخر صراعين بين السيتي وآرسنال على اللقب.
قطعة ذهبية
مع حفاظ أورايلي على صحوته المتأخرة، دفع به المدرب في التشكيل الأساسي لمانشستر سيتي الذي حقق الفوز في آخر 5 مباريات في مختلف المسابقات، وهو ما جعله يقفز إلى المركز الثاني في قائمة اللاعبين الأكثر حصولا على دقائق لعب على مستوى البريميرليغ ودوري أبطال أوروبا بعد الوحش النرويجي إيرلينغ براوت هالاند، أو كما وصفه مدافع السيتي السابق جوليان ليسكوت بـ«اللاعب الذي لا غنى عنه في التشكيل الأساسي للفريق»، مضيفا في حديثه على قناة «تي إن تي» الرياضية: «من السهل ملاحظة الإضافة الكبيرة التي يقدمها لخط الوسط والهجوم، وهذا لأنه تمكن من تسجيل هدفين (في شباك نيوكاسل يونايتد)، لكنه أظهر في المباريات السابقة أنه يتمتع بلياقة بدنية لا تُصدق، وعندما عانى الفريق من نقص في اللياقة البدنية في ما يخص التحولات الهجومية أو الدفاعية، أثبت أورايلي قدرته على ملء الفراغات، وكان جيدا بما فيه الكفاية لاختراق الدفاع، إنه نموذج للاعب الشاب الذي يرحب باللعب في أي مكان في الملعب، لكن عندما تأتيه الفرصة مع مجموعة رائعة كهذه وفي مرحلة حاسمة من الموسم للعب في مركزه المفضل لأن المدرب يثق في تأثيره على مجريات المباراة كما فعل، فهذا سيمنحه ثقة كبيرة في المستقبل»، مؤيدا ما قاله المدرب بيب غوارديولا، بعد نجاح الصغير في التعبير عن نفسه بأفضل طريقة ممكنة في مختلف المراكز التي شغلها في الآونة الأخيرة، بداية من إجادته على استحياء في مركز الظهير الأيسر، مرورا باللعب في مركز لاعب الوسط المدافع، ذاك المركز الذي شغله للمرة الأولى أمام نيوكاسل يونايتد في نصف نهائي كأس كاراباو، ثم لعب في مركز مشابه أمام غالطة سراي في دوري أبطال أوروبا، قبل أن يحصل على الترقية التي ينتظرها منذ تصعيده إلى الفريق الأول، بالاعتماد عليه في مركزه المفضل كلاعب وسط مهاجم، وحدث ذلك للمرة الأولى أمام توتنهام في الملحمة التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدفين في كل شبكة، إذ بدا وكأن النادي قد تعاقد مع لاعب من الطراز العالمي في مركز لاعب الوسط رقم (8) في النصف الثاني من الموسم، ببراعة لا تصدق في الرسم التكتيكي لبيب غوارديولا الحالي 4-1-3-2، ومنذ ذلك الحين بالكاد لم يخسر مكانه في التشكيل الأساسي في كل مباريات السيتي على مستوى البريميرليغ، ولهذا قال عنه بيب يوم السبت الماضي: «يا له من لاعب لا يُصدق. لقد لعب بكل أريحية في مركز الظهير، وشغل مركز لاعب الوسط الارتكاز، والآن يتألق في مركزه الأصلي، لقد حقق قفزة نوعية مذهلة، ومن الواضح أنه يعطينا القوة البدنية التي نحتاجها في وسط الملعب، نتحدث عن لاعب متكامل للغاية وما زال شابا».
وحش مرن
واحدة من الأمور التي ساهمت مؤخرا في انفجار موهبة أورايلي أكثر من أي وقت مضى، تأثيره وبصمته في المواجهات الكبرى والمعقدة، مثل دوره القتالي في الانتظار المظفر الذي تحقق على حساب ليفربول، وهدفه في مرمى فولهام قبل أن يزور شباك نيوكاسل يونايتد مرتين في مباراة الأسبوع الماضي، وذلك بعد توظيفه في مركز صانع الألعاب على الورق خلف عمر مرموش وإيرلينغ براوت هالاند، لكن على أرض الواقع، كان ينوب عنهما في مركز رأس الحربة الصريح رقم (9)، لكن الجديد في هذه المباراة بالتحديد، ما أظهره الشاب الإنكليزي من براعة وذكاء في التحرك الإيجابي والمباشر على مرمى المنافسين، وتجلى ذلك في انطلاقته العنترية في لقطة الهدف الأول، الذي استهله بتمريرة إلى زميله المصري، ومن ثم شق طريقه بسرعة البرق بين المدافعين، ليتلقى الكرة على حدود منطقة الجزاء ويودعها في المرمى بتسديدة مستوحاة من كبار الهدافين، وبالمثل في الهدف الثاني، انطلق كالسهم على القائم البعيد ليقابل عرضية هالاند برأسية لا تُصد ولا تُرد إلا من الشباك، كأنه واحد من مواليد منطقة الجزاء، وليس لاعب وسط رقم (8). وقبلها بأسابيع قليلة كان يتعرض لانتقادات لاذعة بسبب مردوده الدفاعي في مركز الظهير الأيسر، ما يعكس ما لديه من تنوع وطاقة وذكاء كروي، كواحد من القلائل الذين يتمتعون بما تُعرف بـ«المرونة التكتيكية» النادرة، والمثير للإعجاب أنه ما زال في ريعان شبابه، فما بالك عزيزي مشجع مانشستر سيتي عندما يكتسب مزيدا من الخبرة والاحتكاك بعد موسم أو اثنين، بنسبة كبيرة سيكون واحدا من ألمع نجوم الكرة الإنكليزية ومن الأسماء المنافسة على الجوائز الفردية المرموقة على طريقة زميله في قلعة «الاتحاد» فل فودن، ومواطنهما كول بالمر، نجم تشلسي والمنتخب الإنكليزي. وعلى سيرة منتخب الأسود الثلاثة، سيكون المدرب الألماني توماس توخيل، هو الرابح الأكبر من توهج ابن أكاديمية المان سيتي في الوقت الحالي، حيث سيكون أشبه بالهدية الثمينة للمنتخب الطامح في كسر عقدته الأزلية مع البطولات الكبرى وكأس العالم على وجه التحديد، تلك البطولة العصية على البلد الذي اخترع اللعبة الشعبية الأولى على مستوى العالم منذ ستينات القرن الماضي، وذلك في الوقت الذي يعاني فيه المنتخب من نقص حاد على مستوى مركز الظهير الأيسر، في ظل معاناة تينو ليفرامينتو مع لعنة الإصابة، وخروج لويس سكيلي من حسابات مدرب آرسنال ميكبل آرتيتا، أو يشعل المنافسة مع إيزي وكول بالمر وجود بيلينغهام في مركز لاعب الوسط رقم (10)، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل سيستمر في المضي قدما بنفس القوة والتركيز حتى نهاية الموسم؟ أم ستكون مجرد صحوة عابرة في منتصف الموسم؟ هو بنفسه ما سيجيب على هذه الأسئلة في ما تبقى من الموسم الذي سيعقبه مونديال أمريكا الشمالية.