معركتي

تنظر الأديان السماوية إلى المرض نظرة ميتافيزيقية، فيها الكثير من الإيجابية؛ وذلك بوصف المرض نعمة تُقرّب العبد من ربه. والمرض في عرف الدين الإسلامي كفارة عن الذنوب، وابتلاء، به يختبر الرب من يشاء من عباده. ولقد سئل الرسول الكريم، وقد اشتدت عليه الحمى: أي الناس أشد ابتلاء؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون. وثمة أحاديث شريفة كثيرة في هذا الباب، جمعها الحافظ بن أبي الدنيا ( ت281 هـ) في كتابه «المرض والكفارات» ليكون مرشدا وموجها للذين يُبتلون بالأمراض والآفات. ومما سرده من حكايات أنَّ أم المسيب كانت فيها حمى، فقالت: لا بارك الله فيها؛ فردَّ عليها رسولنا الكريم بالقول: «لا تسبي الحمى؛ فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد».
ولأن المرض نعمة، صار ظاهرة إبداعية لازمت العباقرة والمبدعين على مرِّ العصور حتى كأن المرض لا يكون إلا والإبداع رهين به أو كأنَّ لا معنى للحياة عندهم إلا وهم يقاسون ضنك العيش مع المرض. وكلما كان الابتلاء بالمرض عظيما، غدا الإبداع متوهجا، خذْ سقراط الذي أصيب بالصرع، وبتهوفن ونيوتن وفان غوخ وفرجينيا وولف وسليفيا بلاث الذين عانوا من اضطرابات نفسية حادة. ولقد عانى جون كيتس وشارلوت برونتي من السل في حين عانى مارسيل بروست من الربو المزمن. وعربيا أصيب امرؤ القيس في أواخر حياته بمرض جلدي، وأصيب بشار بن برد بالعمى وابن الوردي بالطاعون، وأبتلي المتنبي بزائرته الليلية. وفي الأدب العربي الحديث أسماء كثيرة لأدباء أبدعوا الروائع وهم يئنون تحت وطأة المرض مثل الشابي والسياب ونازك الملائكة والطاهر بن جلون وغائب طعمة فرمان وغيرهم كثير.
ولقد كتب بعض المبدعين عن تجاربهم مع المرض، ولعل أحدث هذه التجارب ما جاء في كتاب «المساكنة الملعونة»، 2026، للروائية والطبيبة السورية سوسن جميل حسن، وفيه سردت تجربتها الشخصية مع السرطان، و«لحظتها لم أكن أفكر في أمر أو أطلب شيئا غير أن ارتاح من ألمي ومعاناتي حتى لو كان الموت هو الحل الوحيد. لا يهم، فهمت حينها معنى المقولة (سأجعله يطلب الموت ولا يلقاه) وها أنا أطلبه بتوسل». وبالرغم من ذلك، فإنها تمكنت من أن تجعل من المرض لحظات إبداعية، يطلقها عقل يستدعي عشرات الحكايات التي فيها تتضح تحولات الفكر، وكيف يكون الألم والإبداع صنوين متلازمين.
ومعلوم أن استعمال ضمير المتكلم في سرد تفاصيل التجارب الشخصية مع المرض ليس بالأمر اليسير لاسيما لمن هم في مثل وضعي، يحكمهم تكوينهم الثقافي، وتتغلب عليهم النزعة الأكاديمية؛ إذ لم أجنح في كل مؤلفاتي إلى استعمال ضمير المتكلم والتحدث عن خصوصية تجربة ما من تجاربي إلا نادرا. بيد أن إصابتي بالداء الخبيث، قلبت حياتي رأسا على عقب. فلقد داهمني منتشرا في جسدي. فغدوت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 مريضة في أقصى الحدود بهذا الداء سيء الصيت. ولقد كان للعون الطبي الذي قدمه الطبيب الأديب الدكتور عامر هشام الصفار دور مهم في تسريع تشخيص المرض الذي صار محنة عصيبة عشتها خلال الأشهر الماضية. وكيف بعد ذلك أغالب ذاتيتي أو أتجاوزها، فلا أكتب عن هذه التجربة القاسية التي كادت أن تبدد أحلامي وتكسر عزيمتي لولا أني وجدت في السرد سلاحا في معركتي مع عدوي اللعين. فمضيت في الرحلة العلاجية أتعاطى العلاج الإشعاعي والكيميائي وفي الآن نفسه أسرد لنفسي هواجسي، وأطرح عليها أسئلتي التي لا حد لها.
وكثيرا ما كنت في سرد حكاياتي أستعيد الماضي بذكرياته الحلوة والمرة، وكم سرحت مع ذاكرتي وأمعنت الغوص فيها، وأنا في أثناء أخذي المحاليل وتجريبي الدخول في آلات وتقنيات، بعضها يشبه اللحد، وبعضها الآخر مثل كبسولات فضائية.
ومما استرجعته من ذكريات، كان يوم دخولي المدرسة لأول مرة، ويوم دخولي امتحان البكالوريا في المتوسطة، ويوم دخولي الجامعة وكيف اختير لي قسم اللغة العربية بدلا من اللغة الانكليزية التي كنت أهوى الدراسة فيه. واستعدت أيضا ذكرياتي في الدراسات العليا وتفوقي في جميع مراحلها ثم معترك دخولي الوسط الجامعي ثم بدء دوامة العمل النقدي الذي صار عالمي الخاص والمحبب. وثمة أيام وتواريخ شتى أخرى استعدتها، وملفات عدة فتحتها، وتأملت تفاصيلها كي أرتب ما أحفظه منها، واستدعي ما غيّبه النسيان منها. والحق أني ما خصصتُ لها من عمري في ما سبق وقتا، إلا بعد أن داهمني هذا الوحش الخبيث، فابتدأت معركتي الضارية معه عدوا لدودا.
لقد ألهبت صدمة المرض في نفسي أن اتخذ من السرد دريئة تساعدني في مواجهة الحاضر الملبد بالسوء والإحباط والقهر. ولا أخفيكم سرا أنني وقبل مداهمة المرض لجسدي واعتلال صحتي، كنت دائمة الشعور بألم ممض يعتصر قلبي، والناجم من شعوري بعدم القدرة على تغيير ما هو سلبي في واقعنا المعيش، وما يدور في عالمنا المعاصر من تراجيديات لاسيما قضيتنا العادلة في فلسطين. كما كان للجنون الإمبريالي في غزة أن زاد من إحساسي الداخلي بالوجع والسوء. ولعل في هذا مثالية زائدة مني، لكنها كانت غصبا عني، وربما كانت سببا في أن تصنع بيئة نسيجية مناسبة داخل جسدي لينمو الورم اللعين في معدتي ويتكور خبيثا ماكرا مانعا إياي من بلع الطعام. ولا يفوتني في البحث عن الأسباب أن أذكر أننا نحن العراقيين نعاني منذ عقود من مخلفات حربي الخليج الأولى والثانية بسبب أطنان القنابل المشعة التي سقطت على مدننا، فتلوث ماؤنا وطعامنا، ولا تزال ثمة مبان كثيرة في بغداد وسائر المدن العراقية، يحظر الاقتراب منها بسبب ما فيها من إشعاعات مميتة.
وكان لتضامن الأدباء العراقيين والعرب مع محنتي بعد أن أعلن أستاذي الدكتور شجاع العاني نبأ إصابتي بالمرض على صفحته في فيسبوك دور مهم في دعم معركتي. وأشير هنا باعتزاز إلى دأب بعض الأدباء والنقاد العراقيين والعرب على مداومة التواصل معي والسؤال عن وضعي الصحي. وهذا ما أشعرني بالسعادة، فتحوّل ضعفي إلى قوة، ويأسي إلى أمل. وتغيرت نظرتي إلى الحياة، فضلا عما صرت أثق به من أنّ طب الأورام في تقدم مستمر، وأنّه يحرز في مكافحة السرطان إنجازات مهمة.
وعلى الرغم من أنني لستُ في كامل صحتي، لكن الأمل سلاح آخر في معركتي التي خسرت فيها كثيرا من وزني بعد أن خضعت لنظام غذائي صارم، رافقه وهن وضعف كبيران. لكنني مع ذلك متطلعة إلى الحياة، لا أتوسلها، بل أراها مقبلة إليَّ مع المحاليل وحقن الإبر وغرزات الأوردة. وما بين هذا وذاك صار أمر عودتي إلى عالمي الذي أحب عالم الأدب والنقد متحققا، فبراثن غربتي ستغادرني حين يظل الإبداع هو شاغلي الذي سينقذني من وحش المرض اللعين، وسيعطيني القوة والشجاعة. وهما الصفتان اللتان كثيرا ما وصفني بها المحبون من الأصدقاء والزملاء، مؤكدين أنني مثلما في النقد الأدبي جريئة وشجاعة، فسأكون كذلك في معركتي مع هذا الداء.
والشجاعة في رأيي هي أن أواصل مشاريعي، وألا أندم على ما فاتني، وأن هذا هو ما سينتشلني من حالة انتظار الآتي المجهول. بمعنى أن أعيش حياتي متعايشة مع مرضي بوصفه حافزا للعمل والإبداع. هكذا اختمرت تجربتي في معركتي التي أخوضها الآن وفي المستقبل. وصارت بالفعل قابلة لأن أسرد تفاصيلها واستنبط منها أفكارا، وقد أتمكن من أن أغوص في البحث عن حيثياتها وتبعاتها.
ويهمني هنا أن أطمئن قرائي الذين افتقدوا مقالاتي في «القدس العربي» وصحف أخرى أني سأواصل مسيرتي على قدر استطاعتي، أحارب بيد المرض الخبيث، وأكتب باليد الأخرى نقدا أدبيا أو في شأن من شؤون الحياة الأخرى.. والله هو الشافي المعافي.
*كاتبة من العراق

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية