الجزائر: وزير أول جديد بأولويات اقتصادية ونهاية قضية بوعلام صنصال

محمد سيدمو
حجم الخط
0

أُسدل الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل بعد الإفراج عن بوعلام صنصال بعفو رئاسي، إثر طلب إنساني وجّهه الرئيس الألماني إلى نظيره الجزائري.

الجزائر ـ «القدس العربي»: شهدت سنة 2025 في الجزائر سلسلة من الأحداث البارزة، تداخلت فيها ملفات السياسة والهوية والتاريخ، مع قضايا القضاء والعلاقات الخارجية، في سياق داخلي وإقليمي يتسم بالتعقيد. وبينما استمر الاضطراب في العلاقات مع فرنسا وبعض دول الساحل، برز في المقابل مسار انفراج تدريجي في العلاقات مع إسبانيا.
قبل أن تنقضي هذه السنة بشهرين، أُسدل الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل بعد الإفراج عن بوعلام صنصال بعفو رئاسي، إثر طلب إنساني وجّهه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون. وجاء القرار بعد نحو عام من رفض الجزائر كل الضغوط الفرنسية المطالبة بإطلاق سراحه، لتُنهي وساطة برلين ملفًا تحوّل من قضية قضائية إلى أزمة سياسية ودبلوماسية حادة بين الجزائر وباريس. ورافق القضية التي تسببت بها تصريحات الكاتب حول الحدود الجزائرية لقناة يمينية متطرفة، توتر غير مسبوق بلغ ذروته بتصريحات متبادلة بين الرئيسين تبون وماكرون، وبمواقف هجومية من اليمين المتطرف الفرنسي، قبل أن يُغلق الملف رسميًا بتكفل برلين بنقل صنصال وعلاجه خارج البلاد.
وفي قضية أخرى شبيهة من حيث الشكل، صدر الحكم النهائي بالسجن النافذ ضد الباحث في التاريخ محمد الأمين بلغيث، بعد رفض المحكمة العليا الطعن بالنقض، ليفتح ذلك الباب أمام دعوات سياسية وحقوقية للعفو الرئاسي عنه، وهو ما تحقق فعليا بقرار الرئيس عبد المجيد تبون إصدار عفو عنه في 15 كانون الأول/ديسمبر. وقد أعادت هذه القضية النقاش حول حرية التعبير وقضايا الهوية، خاصة بعد الجدل الواسع الذي أثارته تصريحات بلغيث التي وصف فيها الأمازيغية بـ«المشروع الفرنسي الصهيوني» على قناة إماراتية، وهو ما زاد من تأزم العلاقات المتأزمة في الأصل بين الجزائر وأبو ظبي منذ أكثر من سنتين.
وفي السياق نفسه، برزت بقوة قضية الصحافي سعد بوعقبة، الذي أدين بعقوبة موقوفة النفاذ بسبب تصريحاته حول «مزاعم تقاسم قادة جبهة التحرير الوطني خزينة الثورة في سويسرا بينهم»، وذلك بعد شكوى رفعتها ضده ابنة الرئيس الراحل أحمد بن بلة. وشكّل الحكم، الذي تضمن أيضًا الغلق النهائي لقناة «رؤية» التي أدليت بها التصريحات، مادة جديدة في الجدل المتواصل حول معالجة التاريخ الوطني ورموزه في الإعلام، وحدود النقاش الصحافي في قضايا الذاكرة.
على الصعيد الخارجي، لا تزال الأزمة تخيم بظلالها على العلاقات الجزائرية الفرنسية. ورغم ظهور بوادر تقارب في بداية السنة، إلا أن خبر توقيف موظف قنصلي جزائري في فرنسا في قضية تتعلق بمزاعم محاولة اختطاف أحد النشطاء وصفتها الجزائر بـ«المسرحية المفتعلة»، أعاد كل شيء إلى نقطة الصفر، لتتبع ذلك قرارات متبادلة بطرد موظفين دبلوماسيين ثم قرار فرنسا بسحب سفيرها من الجزائر في سابقة تحدث بين البلدين منذ الاستقلال. وأعاد هذا التصعيد التذكير بهشاشة مسار التهدئة بين البلدين، وبقاء ملفات عالقة تجعل العلاقة عرضة للاهتزاز في كل محطة حساسة.
وفي ظل استمرار الاضطراب مع فرنسا، سجلت العلاقات الجزائرية الإسبانية خلال 2025 مؤشرات انفراج واضحة، بعد أزمة حادة دامت قرابة عامين بسبب موقف مدريد من قضية الصحراء الغربية. وعرفت السنة تحركات دبلوماسية واقتصادية عكست رغبة مشتركة في إعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، مع استئناف المبادلات التجارية، وتكثيف التعاون الأمني والهجرة، وتداول أنباء عن زيارة محتملة للرئيس تبون إلى مدريد، في مؤشر على تحسن المناخ السياسي بين البلدين.
وفي ساحة القرار الدولي، كانت 2025 آخر سنة في عهدة الجزائر كعضو غير دائم في مجلس الأمن، والتي تميزت نهايتها بملفين بارزين: الأول يتعلق بالتصويت على القرار المتعلق بالحكم الذاتي في الصحراء الغربية، حيث أكدت الجزائر، عبر وزير خارجيتها أحمد عطاف، على الرغم من رفضها التصويت، «فشل المغرب في فرض مشروع الحكم الذاتي كحل وحيد، وتمسك القرار الأممي بمبدأ تقرير المصير وبقاء بعثة المينورسو». أما الملف الثاني فكان تصويت الجزائر لصالح القرار المتعلق بغزة والمستوحى من خطة الرئيس ترامب، وهو موقف دافعت عنه الدبلوماسية الجزائرية باعتباره استجابة لأولويات إنسانية ملحة وتوافقًا مع الموقفين الفلسطيني والعربي، رغم ما أثاره من نقاش داخلي وانتقادات سياسية.
كما اتسمت سنة 2025 بتعقّد متزايد في محيط الجزائر الإقليمي، خصوصًا في منطقة الساحل. فقد انتقلت الأزمة مع مالي إلى مستوى أكثر حدة، بعد قرار السلطات المالية إلغاء اتفاق الجزائر، وما تبعه من توتر سياسي وأمني متصاعد، بلغ ذروته في ربيع 2025 عندما أسقط الجيش الجزائري طائرة مالية اخترقت أجواء البلاد الجنوبية، ما دفع باماكو، مدعومة بدول الساحل المتحالفة معها، إلى سحب سفرائها من الجزائر، وهو ما قوبل بإجراءات مماثلة من الجانب الجزائري.
وأدخل هذا التصعيد العلاقات الثنائية في حالة جمود شبه كامل، وسط مخاوف إقليمية من انعكاساته على الوضع في الساحل. لكن الجزائر بقيت رغم ذلك، حاضرة في النقاش المالي كطرف محوري، خاصة أنها تستضيف شخصيات مؤثرة مثل الإمام ديكو الذي نودي مؤخرا من قبل عدة أحزاب وجمعيات معارضة ليقود مسار الحوار في مالي، في ظل أزمة الوقود المستفحلة والحصار الخانق الذي تفرضه الجماعات المسلحة على باماكو.
وفي الشأن الداخلي الجزائري، عرفت هذه السنة تعيين سيفي غريب كوزير أول بعد إنهاء مهام نذير العرباوي في 28 آب/أغسطس الماضي. وجاء وصول غريب وهو شخصية تكنوقراطية واقتصادية بعيدة عن أروقة السياسة، في سياق خاص تزامن مع فاجعة سقوط حافلة في وادي الحراش في العاصمة ووفاة 18 شخصا، وهي القضية التي أثارت الرأي العام بقوة وكشفت عن اختلالات في التسيير أدت للإطاحة بحكومة العرباوي، وفق كثير من المتابعين. ويبدي الوزير الأول الجديد، منذ وصوله، اهتماما خاصا بإعادة إحياء مصانع معطلة ورفع العراقيل عن مشاريع استثمارية، مؤكدا بذلك أولوياته الاقتصادية.
أما سياسيا، فقد تواصل النقاش حول إطلاق حوار وطني شامل، ظل مطلبًا متكررًا لدى عدد من الأحزاب السياسية بهدف إعادة ترميم المشهد السياسي، وتهيئة مناخ أوسع للتوافق حول القضايا الكبرى المرتبطة بالإصلاحات السياسية والمؤسساتية، خاصة مع ارتقاب دخول الجزائر سنة انتخابية في 2026.
وفي مجال الشراكات الاقتصادية، أعلنت الجزائر خلال السنة عن إطلاق مشروع «بلدنا» الضخم بالشراكة مع مستثمرين قطريين، في إطار توجهها نحو تعزيز الأمن الغذائي وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالإنتاج الفلاحي، حيث قُدم المشروع كأحد أكبر الاستثمارات الفلاحية الصناعية في العالم لإنتاج الحليب. أما في قطاع البنى التحتية، فقد شكّل استكمال السكة الحديدية الرابطة بمنجم الحديد غارا جبيلات أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية لسنة 2025، باعتباره حلقة أساسية في استغلال هذا المورد المنجمي الضخم. ويُنتظر أن تساهم السكة في تسهيل نقل خام الحديد نحو مناطق التحويل والتصدير، ودعم التنمية في جنوب غرب البلاد.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية