العراق وايران: الاخوة الاعداء وسؤال المسؤولية عن الحرب الاهلية

حجم الخط
0

العراق وايران: الاخوة الاعداء وسؤال المسؤولية عن الحرب الاهلية

د. سليم بن حميدانالعراق وايران: الاخوة الاعداء وسؤال المسؤولية عن الحرب الاهليةمتابعة الاعلام العربي بعد تصاعد اعمال القتل والتهجير الجماعي لسنة العراق تشير الي انقلاب جذري في مواقف النخب الاسلامية تجاه ايران تحديدا والشيعة بشكل عام.فمن مواقف التعاطف الصريح او الضمني مع الثورة الاسلامية كمشروع تحرري ضد الاستكبار العالمي وكقوة اقليمية صاعدة تشـــكل نواة القطب الحضاري الاسلامي في مواجهة القطبية الامريكية ـ الصهيونية تحولت تلك النخب الي مواقف الادانة والاستياء امام انكشاف الحقيقة المرة.الحقيقة المرة يعبر عنها واقع العراق منذ سقوط بغداد في ايدي التتار الجدد صبيحة التاسع من ابريل / نيسان سنة 2003.عنف طائفي كريه، حقد ودم، قتل علي الهوية وتهجير وتشريد حصيلته اكبر موجة نزوح شهدتها المنطقة في تاريخها الحديث.استطاع الغزاة الجدد بسرعة فائقة وبدهاء منقطع النظير اختراق البنية الاجتماعية للعراق وتفكيك ما تبقي من تضامنات وطنية مستفيدين من وضع سيكولوجي عام يحكمه مركب قابلية الانقسام والتقوقع الطائفي.العراق الحديث: ولادة قسرية ثم دولة ايديولوجيةاستنادا الي عبد الكريم الازري في كتابه مشكلة الحكم في العراق وناجي شوكت في كتابه سيرة وذكريات 80 عاما فان الملك فيصل الاول كتب في عام 1931 مذكرة جاء فيها ان البلاد العراقية هي جملة من البلدان التي ينقصها اهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية ذلك هو الوحدة الفكرية والقومية والدينية فهي والحالة هذه مبعثرة القوي منقسمة علي بعضها وبالاختصار اقول وقلبي يملؤه الاسي انه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد بل توجد كتلات بشرية خالية من اي فكرة وطنية، هذا هو الشعب الذي اخذت مهمة تكوينه علي عاتقي .العراق الحديث اذن دولة عربية ذات وضع استثنائي حيث لم تستطع السياسة صهره وتوحيده افقيا لا عبر الدين (الخلافة العثمانية) ولا بواسطة الايديولوجيا (القومية العربية). توحيد العراق كان دائما عموديا وقسريا اي انه تم بواسطة جهاز الدولة متمحضا في مبدأ الاكراه عن طريق احتكار الضغط المسلح، وهو بالتالي توحيد فاقد للشرعية الاخلاقية اللازمة لتحقيق الامن العام والاستقرار الاجتماعي والسياسي.لقد كانت الدولة العراقية الحديثة، من الولاية العثمانية الي الملكية فالجمهورية، دائما دولة قهرية لم تستطع المجاوزة بين مبدأي الامن والحرية اللازمين لتواصل العمران والتمدن. في اطار تمحض الدولة القهري وتجويفها من المضامين الاخلاقية وخيانتها لقيم النشأة الحديثة فيما يعرف بالمواطنة في الاجتماع المعاصر، تقوقع المجتمع علي طوائفه والطوائف علي عصبياتها المذهبية والعرقية والعصبيات علي ملاحمها واساطيرها المؤسسة لعقلية التمايز عن الآخر ضدا عنه.لقد كانت الانظمة السياسية المتتالية علي حكم العراق كلها شمولية مما فعّل القانون الاجتماعي القائل بالعلاقة السببية والحتمية بين انسداد النظام السياسي وانفجار المجتمع الاهلي.هذا الانفجار يكون عادة اما داخليا او خارجيا، من حيث علاقته بالدولة، بمعني انه قد يتجلي في مظاهر تفكك وتآكل داخلي تعبر عنه، في الحد الادني، ظواهر احتجاج سلبي علي الواقع (تصوف، دروشة) وفــي الحد الاقصي ظواهر عنف وتصفية ضد فريق آخر من فرقاء المجتمع المدني.اما خارجيا فان الانفجار ياخذ منحي عنفيا في مواجهة الدولة بعد انسداد كل قنوات التعبير السياسي واليأس مـــــن تحقـــــيق كل المطالب او جزء منها عبر آلية التوافق والتسوية الرضائية.الحالة العراقية هي اذن التعبير الصارخ عن وضع الانفجار الشامل، داخليا وخارجيا، حيث يعيش المجتمع وضع حرب الكل ضد الكل بما يفسح المجال واســــعا امام تنامي الاحقاد واستثمار الذاكرة الجماعية في صناعة الاصطفافات الاهلية وتجييش المشاعر الدينية والقومية في افق المشروع الطائفي المدمر للوطن وللطائفة معا.من المسؤول عن الكارثة؟في اتون الحرب الطاحنة، هناك حيث تدور رحاها في بلاد الرافدين او يتردد صداها في العواصم العربية والفضائيات الاعلامية، يتجه السلوك الطبيعي للسياسي والمثقف معا الي تحميل المسؤولية الي هذا الطرف او ذاك عن ايقاد الفتنة وتاجيج نيرانها الحارقة.فمن القاعدة واسامة بن لادن الي الحرس الثوري وآيات الله المتربعين في طهران وقم مرورا بقوات بدر وميليشيا الصدر وبالبرزاني والطالباني والجلبي و فلول البعث البائد وصولا الي الوهابية وآل سعود والنظام العلوي في دمشق تجد الاقلام الحائرة والباكية مادة دسمة في كشف الحقائق وفضح المنافقين من اعداء الامة والملة.ضمن هذا الخضم المتأجج والتشابك السياسي والاعلامي الحاد يتجه قطاع عريض من النخبة الاسلامية الي تحميل الشيعة الروافض ومن ورائها ايران مسؤولية التطاحن والحرب الاهلية في العراق.بل ان الامر يصل الي حد التاصيل الديني والاشهاد التاريخي عن سبئية التشيع ومجوسية ايران من اجل اثبات فرضية المجرم بالطبيعة التي قال بها فقيه القانون الجنائي الايطالي لامبروزو .لقد غاب عن جميع هؤلاء كما عن المسؤولين الحقيقيين عن ارتكاب جريمة شنق العراق ان تحميل المسؤولية في اوضاع الحرب الاهلية لا يفك التشابك بقدر ما يزيد في الاحتقان واذكاء فتيل الصراع والاقتتال.ربما يجد تحميل المسؤولية لايران وتجريم الشيعة مسوغا له في نظرية الدفاع الشرعي حيث يتلظي السنة العراقيون بلهيب الميليشيات الشيعية الحاقدة، ولكن سرعان ما تتهاوي شرعية هذه النظرية حين نعلم ان السنة اللهب طالت ايضا شيعة الاهواز وكثيرا من آيات الله (آية الله منتظري وآية الله حسين فضل الله) ومفكرين شيعة عانوا ولا يزالون من تطرف ديني وسياسي تنتجه وتروج له لوبيات سياسية ومراجع دينية وحوزات علمية. ان حقبات التعايش الطائفي السلمي في العراق، كما في غيرها من بلاد الاسلام، بين السنة والشيعة تعد بالقرون في حين تحسب حالات الاقتتال ربما بالسنوات او بالاشهر والايام. بل ربما اكاد اجزم ان اضطهاد السنة، علماء وعامة، من قبل ابناء مذهبهم قد فاق كثيرا اضطهادهم من طرف الشيعة، ولهؤلاء مثل ذلك.ليس الاقتتال المذهبي اذن الا نتيجة حتمية للتوظيف السياسي السلبي للقيم الاجتماعية، وليس هذا الاخير الا تعبيرا عن انحطاط مفهوم السياسة لدي النخبة والجماهير معا حيث اصبحت مرتبطة بمفاهيم التملك والغنيمة والثأر بدل ان تكون، كما هي وظيفتها الحضارية اصلا، ادارة عادلة للشأن العام وعقلنة للاكراه وانسنة للانقسام الاجتماعي الطبيعي بين حاكمين ومحكومين.ايران: عدو متربص ام حليف ممكن؟ ينطلق الحكم علي ايران بمعاداتها للسنة وتهديدها للامن القومي العربي من نظرة احادية وهلامية فاقدة للقدرة علي التحليل والتركيب السياسي. ويزيد من خطيئة هذه النظرة الاحادية تقوقعها في البعد الديني الذي ينظر الي السلطة في ايران كسلطة دينية ـ شيعية يتربع علي عرشها ملالي تعشش في عقولهم عقلية الثأر لعلي من معاوية ولاهل البيت من النواصب.ايران هي اولا وقبل كل شيء دولة قومية تتحرك اقليميا ودوليا بمنطق المصالح المادية والقومية المباشرة التي يصطف فيها المشروع الديني خلف البراغماتية السياسية.ولعل العلاقة الوثيقة للنظام الايراني مع نظيره التونسي، علي حساب الحركة الاسلامية التونسية كحليف مفترض، تدلل علي الهوية القومية للدولة الايرانية حــــيث بلغ التعاون مؤخرا درجة حرمان راشد الغنوشي من تاشيرة الدخول الي اراضيها ضمن وفد اسلامي فيما اعتبره كثير من المراقبين استجابة لرغبة تونسية رسمية.ولقائل ان يرد بان ايران ترعي بذلك مصلحتها الدينية حيث تقايض علاقتها الودية مع نظام علماني يقمع حركة اسلامــــية مقابل حرية نشر مذهبها الشيعي في ارض ســـــنية مالكية، غـــــير ان هذا الرد سرعان ما يتهاوي امام حقيقة وقوف ايران الي جانب الارمن ضد اذربيجان الشيعية.ايران هي اذن نموذج للدولة القومية التي استطاعت المزج بــــــين ايديولوجيا دينية ونخبة تكنوقراطية فانتجت تعادلية مخضرمة وفريدة بين الاستبداد والديمقراطية وبين الدين والقومية الي درجة استعصت معها علي الفهم والتوقع.هل النووي الايراني موجه ضد اسرائيل وامريكا ام ضد دول الطوق العربي ـ السني ام هو مجرد تامين للامن القومي بعد نفاد مخزون النفط والغاز؟ وهل الدعم الايراني لشيعة العراق دعم مبني علي اساس مذهبي ام علي رؤية استراتيجية لحيثيات الصراع ومآلاته الاقليمية والدولية؟ هل الدعم الايراني للمقاومة الاسلامية في فلسطين ولبنان تكتيك ومناورة وادارة للحرب في ارض بعيدة ام هو دعم مبدئي نصرة للحق وللمستضعفين؟اعتقد ان الاجابة الجاهزة عن مثل هذه الاسئلة الخطيرة استراتيجيا لن يكون علميا وموضوعيا خصوصا اذا انطلق من خلفية ايديولوجية دينية كانت ام قومية.الانجع منه قطعا هو العمل السياسي والفكري والاعلامي علي ترجيــــح الافضــــل دينيا وقوميا لنا نحن العرب والمسلمين وترتيب اولوياتنا دون ان يفقدنا غبار المعركة معالم الطريق الآمن.ادانة ايران وتجريم الشيعة فيما يحدث بالعراق لن يحلا مشكلة كما ان الاصطفاف خلف كوندوليزا رايس لمواجهة الهلال الشيعي والخطر النووي الايراني لن يزيد المنطقة الا احتراقا وخرابا.ربما نختــــلف في التقييمات والمواقف تجاه كل القضايا الحارقة لكننا نتفق قطــــعا حول الاجماع الذي صنعته تجربتنا السياسية المعاصرة. اجماع يتمحور حول مسائل رئيسية اهمها:1 ـ ان الصهيونية والاستبداد هما العدو الرئيسي للامة ومصدر الشرور في العالم2 ـ ان الحرية والعدل هما اساس العمران وشرط النهضة3 ـ ان الوحدة والتضامن العربي ـ الاسلامي هدف ومصلحة مشتركة ان العودة الي هذا الاجماع هي عودة الي العقلانية، فيما هي حضور للتاريخ في العقل، بعيدا عن دوي المدافع وازيز الطائرات القادمة الي المنطقة من وراء البحار. اما انكاره او تجاوزه فلن يزيدنا الا غرقا في مستنقع الحروب لتصبح البسوس وداحس والغبراء مستقبلنا كما كانت قبل مجيء الاسلام تاريخا ابكي اجدادنا ويضحكنا.عندما يخيم الضباب وتدلهم السحب الدكناء في سماء الرافدين كما في مشرق الوطن العربي ومغربه تصبح العودة الي الثوابت ضرورة قومية وشرعية دونها التيه والفناء.ہ كاتب تونسي مقيم في باريس8

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية