الطبل والناي!

حجم الخط
0

الطبل والناي!

خيري منصورالطبل والناي! عندما سمعتها لأول مرة من أمي، كانت عبارة غامضة، ومناسبة تكرارها لا علاقة لها بالموسيقي، وكان المقصود بها عندما ترد علي لسان أحد من أهل قريتي، هو المصيبة الأعظم أو الصوت الصاخب الأجوف الذي يحجب الأنين، والأصوات الخافتة الخجولة التي يرشح منها الأسي!طبل غطي علي النايات، كان عليّ أن أنتظر أعواما طويلة كي أستطيع ادارة مفتاحي الصغير في ثقب هذا القفل الكبير، وحين خطر ببالي لأول مرة أن أسأل أمي عن معني تلك العبارة التي ذهبت مثلا بين الناس، كان الموت قد اختطفها، وبقيت في سلتي أسئلة كثيرة بلا اجابات، لأن المرسل اليه لم يعد هنا في هذا العالم، الذي يعج بالأحياء لكن تشح فيه الحياة ويندر الأكسجين لفرط ما يُنفث من أكاسيد خانقة، أقلها خطرا هو ثاني أكسيد الكربون، وأخطرها علي الاطلاق ثالث أكسيد النفاق.الطبل، يتناسب صوته طرديا مع تجوفه وفراغه، وهشاشة سطحه، فكلما كان أكبر وأكثر فراغا ارتفع الصوت وجلجل، أما الناي، فهو رغم شرط التجويف ونزع الأحشاء يبقي خجولا أمام الطبل، وكأنه يحمل الأمانة التي علقها في ثقوبه حقل القصب الحزين.ما من زمن مر حتي الآن الا وغطي فيه الطبل علي الناي، وحجب الأنين المنغم الذي يصغره، والناي لمن لم يسمعه من قبل عصا بيد الراعي يهش بها الذباب ويسوس بها القطيع، أما الطبل فهو لمن لم يسمعه من قبل اناء واسع يصلح للطحين، لكن الخبرة الانسانية فرزت الأصوات مثلما أقامت الفوارق بين كل الأشياء والظواهر، وكانت ولا تزال تحتكم الي الثنائيات والأضواء، فما من جميل بلا قبيح، وما من كبير بلا صغير، وما من ليل بلا نهار، وما من شعر بلا نثر!والاحتكام لهذه الثنائيات حرمنا عبر أزمنة طويلة من درجات الرمادي وظلاله، وكان علي الفيزياء أن تتنحي قليلا للفطرة البشرية وتعثر أخيرا علي انيشتاين كي تحرر نفسها من المطلق، وتضع النسبي في حسبانها وحاسوبها!الطبل قد يكون شعارات ثوروية ذات رنين نحاسي، وقد يكون ضجيجا مبهما وثرثرة عقيمة، أما الناي فهو الصوت الآخر القادم من الداخل، والذي يتريث الهواء في حمله لأنه لا يقوي أحيانا علي حفيفه، فصوت الناي يجرح الريح، ويخترق الجلد والعظم محدثا قشعريرة رعوية في زمن ما بعد الحداثة، تلك تداعيات لا سبيل الي ايقافها اذا أسلمنا الروح لارجاع الذاكرة وأصداء السنين التي غربت ولا يزال غسقها يضمخ العينين.كان الطبل بالنسبة لأمي وجيلها هو الكذبة الكبري التي تحول كل ما عداها الي دعابات بيضاء وكان أحيانا موت رجل عظيم يحول من ماتوا لحظة رحيله الي كائنات سيئة الحظ لأنها ماتت بشكل شبه سري، حتي لو تم دفنها علنا وفي عز الظهيرة.انها اذن مفاضلة بين ما هو عابر وما هو جلل وبين ما هو عالي الصوت وعديم الفعل وما هو خافت الصوت وغزير الفعل، وأحيانا تتحول هذه المفاضلة الي مراذلة، لأن الطبل يصبح رمز الرذيلة وتجسدها اذا قرع في غيـــر أوانه، أو اذا قصد بقرعه حجــب الصـــوت الآخر القادم من الأعماق!وحين سألت امرأة من جيل أمي عن عبارة الطبل الذي غطي النايات، قالت أن المناسبات التي تستدعي هذا المثل عديدة، وقد تكون متنافرة ولا يجانس بينها غير المفارقات والتفاوت فحرب حزيران (يونيو) 1967 كانت طبلا غطي علي الناي اذا كان المقصود بالناي هزيمة العرب عام 1948 والاحتلال الصهيوني لفلسطين، ويبدو أن بعض الأمثال لها قابلية التأويل بلا نهاية، ما دام المقام يستولد مقاله في كل أوان!لم تكن لأمي علاقة بالموسيقي بالمعني العلمي الدقيق لهذا المصطلح فالزغرودة ليست كونشرتو بأي حال، والأغنية الشعبية ذات الايقاع الساخن والتي تسيل حول نفسها كالنافورة ليست قطعة موسيقية ينطبق عليها تعريف برنارد شو أو سترافنسكي.وقد يكون ما دفع برنارد شو الي القول بأنه معجب الي حد ما بموسيقي فاجنر هو حرصه الشديد علي مساحة بيضاء من الصمت، ولكي لا يستغرقنا هذا الشجن الايقاعي من الأجدي أن نعود الي أمي، والي الطبل والناي ذلك الحوار غير المتكافئ بين القوة العمياء والضعف البصير، وبين لهب النار وجناحي الفراشة.في الشعر العربي ثمة طبول ونايات، وغالبا ما غطت الطبول علي النايات وحجبت صوتها، خصوصا في المهرجانات النحاسية التي تذكرنا بحكاية قديمة عن الثور النحاسي، كما رواها سورين كيركغورد، الفيلسوف الوجودي، يقول أن الشاعر انسان شقي قلبه مفعم بالحزن العميق لكن شفتيه مقلوبتان علي نحو يحيل أناته الي موسيقي آسرة ومصيره يشبه مصير الضحايا الذين حبسهم فالاريس داخل ثور نحاسي وشرع يصليهم ببطء، فوق نار حامية، وكان الطاغية فالاريس يتلذذ بصرخات الشعراء المنغمة داخل ثوره النحاسي.الطبول لا يحتاج قرعها الي تدريب أو مران فهي تستجيب علي الفور لأية قبضة تلامسها بخلاف الناي الذي يراوغ عازفه وهو يحرك أصابعه بحذر كما لو كان يفحص بها عشا في صدع جدار أو جذع شجرة.والطبل ثقافة أيضا، فهو ليس مجرد شيء مجوف ومنزوع الأحشاء، وسريع الاستجابة لما هو خارجي محض، وقد يكون للسياسة طبلها ايضا، كما أن للتاريخ والفكر طبولا تختلف حجومها وألوانها لكن الصوت الصاخب الأجوف يبقي هو ذاته.لهذا اقترن الطبل بالحرب، ولم يقترن الناي الا بالاطلال والخرائب والأحزان التي تعقبها، وما من أحد قال ذات حرب، عزف علي الناي ايذانا ببدء المعركة، لكن ما يقال علي الدوام هو دقت طبول الحرب.اعرف أن أمي لم يكن يخطر ببالها كل هذا لأنها لم تكن منهمكة في البحث عن مصدر رائحة الوردة، ولم تفكر ذات يوم بأن العصافير التي تعقد مؤتمرها الصباحي في حديقتها وعلي أغصان سروتها العجوز قد حملت نوتة تحت أجنحتها الصغيرة أو تخرجت من معهد يدرس الموسيقي، ولم يكن التاريخ ليشغلها عن لحظة تتوحد بها مع جذر شجرة أو مع رائحة التراب بعد المطر الأول، ومن يتورطون بالبحث عن معني لحياتهم لا يعيشون بقدر ما يتساءلون، وقد يكتشفون بعد فوات الأوان أن مهنتهم تتطلب عمرين العمر الأول للعيش والثاني للشهادة عليه.أليس الاعلام مثلا سواء كان أرضيا من الزواحف أو فضائيا يحلق بأجنحة من ذهب طبولا لا تكف عن القرع علي مدار الساعة؟وأين هو الناي وأنينه الملتاع في هذه الحفلة التنكرية التي تستعير فيها الأفعي ساقي الغزال؟الحوار بالأيدي والذي يعتمد التراشق بحجارة الرجم طبل بحجم جبل، والبوح المتأني، الهامس، الذي يصعد كخيط الحرير من القلب الي اللسان هو الناي لكن عصر التقريد هذا، واجلاء الانسان من الانسان زين لنا وهماً قد لا يفلح فريق فلاسفة من عتاة الاغريق في تبديده وتحريرنا منه، فالانسان يبدو أحيانا ضيفا ثقيلا وطارئا علي أثاث بيته، يحتل مكانا لا يزيد كثيرا عن حجم مكنسة كهربائية.لهذا فهو في الحقيقة لا يقرع الطبل فقط بل يقيم داخله ويقرعه من الداخل فلا يسمعه أحد، تماما كما قرع رجال في الشمس الخزان في رواية غسان كنفاني الشهيرة ولم يسمعهم أحد!طبول، لا آخر لطابورها، ملونة وباذخة ومن مختلف الأشكال والتكوينات، منها الدائري والمربع والمستطيل وشبه المنحرف.لكن أصواتها لا تختلف عن بعضها الا بقدر القوة التي تؤدي الي ارتطام القبضة بسطحها الرقيق!أما النايات فهي مطرودة، تلوذ أحيانا بمن تبقي من الرعاة علي الهضبات النائية والمهجورة، وأحيانا تجد من يسمل ثقوبها كما لو كان يفقأ عيونها كي تتحول الي عصا!ويستطيع أي واحد منا أن يعثر علي تجليات ما قالته أمي عن الطبل والناي، حتي في تفاصيل حياته اليومية.في الوظيفة ثمة طبل لا يكل من القرع، ونايات تلوذ ببعضها كالقطط الصغيرة التي تستشعر البرد.وفي الكتابة هناك طبول لا تهدأ علي مدار الساعة، وينسي من يقرعونها أنها تهدد طبلات آذانهم بالثقب، وبالتالي بالتلوث الصوتي الذي يحرم الأذن من ســماع أنين عصــفور أعـــرج خلف النافذة!وفي الاقتصاد توجد طبول ونايات أيضا والبورصات تشهد علي امتداد تضاريس العالم مثل هذا التناقض الصارخ بين سمسار مبحوح الصوت، وزبون يبحث عن رغيف أقل تلوثا بالدم!لقد اتسع الطبل وتمدد حتي أصبح بحجم كوكب والقبضة التي تقرعه قد تكون لامبراطور أطرش، أو لجنرال يتلذذ بتكسير النايات.آه كم كانت أمي علي حق عندما نعت الناي قبل أن أسمعه للمرة الأولي، وكم كانت نبوءتها صادقة عندما استعاذت بالله وبكل ما هو انساني من الطبل!ومن يدري، لعل التاريخ ذاته أصبح طبلا وقد غطي علي نايات الضحايا في كل الأزمنة، فالرعاة الآن، لا يرعون قطعان الماعز والخراف، بل هم أباطرة اغتصبوا صفة الراعي من الانسان البريء وحولوا مليارات البشر ممن يغفون وترتطم أنوفهم بشاشات الكمبيوتر الي قطعان.لكنهم رعاة بطبول فقط، وبلا نايات!ہ شاعر وكاتب من الاردنQMK0

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية