الدراما التي يشاهدها العرب: طلاق وخيانات زوجية وتفكك أسري!

حجم الخط
2

تُشكل الفضائيات العربية جزءًا أساسيًا من مكونات النسيج الثقافي للمجتمعات العربية، فهي تتفاعل وتؤثر في الحراك الاجتماعي بشكل أو بآخر بما تقدمه على مدار الساعة من برامج ومواد حوارية أو مسلسلات درامية، وقد سجلت أعداد القنوات الفضائية العربية ارتفاعًا خلال عام 2013 حيث وصلت إلى 1320 قناة حكومية وخاصة وذلك وفق بيانات نشرها اتحاد إذاعات الدول العربية.
ومع أكثر من ألف قناة فضائية سابحة في الفضاء ماذا يشاهد العرب؟ أكاد اجزم أن الدراما العربية هي الأكثر متابعة وتأثيراً في الفضاء العربي، ولكنها تائهة بلا خطط لا يمكن تميزها عن بعض من شده تقاربها، تسلية غير واضحة المفاهيم تقدم للمشاهدين ما تطاله أيديهم من أعمال المنتجين بدون التدقيق في المحتوى ومعرفة المضمون.
ووفق هذا تصمم الأعمال الدرامية البُنية أو الحبكة للرواية التلفزيونية المصورة على أنها نوع من أعمال الخيال، فالمشاهد يسرح في خياله ويتماثل مع الشخصيات حسب توجهات المنتج، وتقدم الحكبة التلفزيونية في قالب يشعر من خلالها المتلقي وكأن الرسالة موجهة إليه وحده بشكل خاص، ويستغل المتلقي للأسف تلك الرواية التلفزيونية لإسقاطها على شخصه والإبحار في همومه وأحزانه عبر إسقاطات خيالية فارغة المحتوى ضعيفة المضمون، فالمشاهد يتماثل مع الشخصيات الأسطورية ويتماثل معها ويُسقط وضعه الخاص على القصة ليكون هو البطل والضحية في نفس الوقت.
وهنا تكمن المشكلة في عموم الأعمال الدرامية العربية؛ إسقاط المشاهد أغلب الأعمال الدرامية على واقع الحياة اليومية، ولهذا ساهمت تلك الأفكار الدرامية في تأخير العرب، فقد وصفهم الدكتور يوسف اليوسف ‘مختبراً بشرياً’، حيث تسهم الأعمال الدرامية بنقل كل أمراض البشر الاجتماعية؛ فمن أوجد سلاحاً يستعمل في الحرب ضد القيم والأخلاق يلقي به على أحد الشواطىء العربية ويُدخل علينا فساداً إعلامياً يجذبنا عميقاً نحو القاع وكأننا أمة مُغَلَّفَة بالحديد لمنع صعودها إلى أعلى.
وبفعل الأعمال الدرامية يشكو منظرو وخبراء علم النفس والاجتماع من تزايد حالات وحوادث الطلاق والخيانات الزوجية ومشكلات التفكك الأسري والعزوف عن الزواج، وأصبحت حلول المشاكل الاجتماعية جاهزة بقوالب تلفزيونية من مقدمي برامج هم أساساً يعانون من مشاكل اجتماعية قاتلة، فلم يجدوا لها حلاً ليخلصهم من المأساة، فاتجهوا نحو التنظير الإعلامي لمعالجة المشكلات الاجتماعية، وانتصرت الدراما المصورة تلفزيونياً على الواقع.
التأثير السلبي لقنوات الدراما ظهر أثره على المشاهدين ‘المدمنين’ إن جاز القول على هذا النوع من القنوات، وأصبحت المشاهدة المتصلة وسيلة للهرب من العالم الحقيقي وأمرًا شائعاً بفعل ما تقدمه من برامج أثَّرت على المشاهدين، وحولت الحياة المتخيلة إلى حياة حقيقية واقعية على شاشات التلفزيون فقط.

غزو بلاد العرب بالإعلام

ما من شك أن هناك قرارا بغزو بلاد العرب بالإعلام؛ وإلا كيف نفسر هذا العدد من الفضائيات التي لا تحمل لا هوية ولا رسالة ولا هدف؟ وكيف نفسر ضخامة الإنتاج الدارمي الممول عربياً ولكنه مرتهن لرغبات المتنفذين والمُلاكين ولا قيود عليهم طالما أن الفائدة المادية مقدمة على المتعة الهادفة، وكله بعد أن تسلع التلفزيون كوسيلة بصرية، وفي المقابل تسلعت القيم والتصورات التي تحملها تلك الوسائل الإعلامية، وإلا كيف نفسر ظهور برامج تلفزيون الواقع في قناة ‘بداية’ و’المجد’ المحافظتين على سبيل المثال!!
اطلعت على دراسة تضمنت تحليل ما مجموعه 16 مسلسلا دراميا في رمضان 1433هـ ( 2012م)، وتكررت ذات العينة في رمضان 1434هـ (2013م)، وقد أظهرت الدراسة ارتفاع مشاهد التحرش الجنسي بنسبة 31,6’، ومشاهد العناق والقُبل والنظرات بنسبة 16,5’، اما مشاهد التعري والملابس المكشوفة بشكل مثير؛ فقد لوحظ التتنافس الشديد على التعري في الدراما العربية مؤخراً وارتفعت بنسبة 13,4′.
وفي موضوعات مثل التدخين ارتفعت نسبة المشاهد بنسبة 26,9’، والمخدرات بكافة أنواعها وأشكالها حبوب وحشيش هروين وغيرها بلغت 18,7’، وارتفاع مشاهد تناول الكحول 8,7 ‘، ومشاهد الألفاظ النابية 18,1’.
وفي موضوعات العنف مثل القتل أو محاولة القتل ارتفعت بنسبة 21,1’، والعراك بالأيدي وبالأسلحة 11,3’، والسرقة 8,1’، الاحتيال والنصب ورشوة 5,2′. وفي موضوعات التجاوزات على الدين ونقد مظاهر التدين ارتفعت لتصل إلى 13,7′.
إنّ حال الفضائيات العربية في تقديم ارذل الأعمال في الدراما أسهم بشكل أساسي بشيخوختنا والتقليص التدريجي لكل الحريات الأساسية، وعمّا قريب مع استمرار سطوة الفسدة على الإعلام سندخل مرحلة الانحطاط، وهو المرض الذي لم تنج منه الحضارات على مرّ العصور، فتبديل قيمة بقيمة أخرى أقل منها يعجل بالشيخوخة، وهو ما تقوم به الدرما العربية بشكلها الحالي خلق فجوة هائلة ما بين جيل الشاب وبين القيم والمبادئ التي يتربى عليها دينياً واجتماعياً.
حالة التمزق هذه تقود إلى انحرافات سلوكية شتى، فهي تسهم في صرف الإنتباه العام عن قضايا جوهرية، وإشغال المشاهد بالاهتمامات السطحية، والنتيجة جرائم مباشرة بعد أن تعودت المجتمعات العربية على أشكال وممارسات منحلة وشاذة تتعلق بالعلاقات الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية، لفئة أخذت من الحرية المطلقة مشعلاً لإهانة الدين وقيم الوطنية والنزاهة والخلاق.

تعميق الانحراف الاجتماعي

الأضرار البالغة التي تصيب العالم العربي نتيجة لانتشار المشاهد السلبية في الدراما العربية تعمق الانحراف الاجتماعي، وتدمر القيم الإيجابية فهي تعرض أفكاراً حديثة جداً على القيم العربية الإسلامية، وتبث مواد تؤثر بالتأكيد على قيم المجتمع وتقاليده، هذه الثقافة تطغى عليها الكثير من الظواهر السلبية وتتمثل في جعل المشاهدين يشعرون بالاغتراب والقلق، ناهيك عن إثارة الغريزة والفردية والعدوانية وحب الاستهلاك، كل هذه المفردات وغيرها أصبحت واقعاً معاشاً نشهده في جولة سريعة على أي عاصمة من العواصم العربية.
ولنا أن نتساءل؛ كيف ظهرت تلك الفضائيات؟ هل كانت ضمن تطور طبيعي أم أننا أفقنا على حالنا وقد احاطتنا ببرامجها؟ بالتأكيد إنّ الدراما المسخ الموجودة في الفضائيات العربية لم تأت صدفة، ولم تأت في سياق تطور طبيعي لواقع الإنتاج العربي؛ وإنما خلفها ممولون ورجال أعمال وسياسة مهمتهم الحقيقية تدمير المجتمعات العربية والقضاء عليها بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني، وفي ذلك توحشت انسانيتهم لفرض القيم الثقافية الغربية؛ وهذا التوحش وانعدام الإحساس بالمسؤولية يكشف عن أزمة وخلل ثقافي واضح، فالغزو الفضائي ينتشر بهدوء وبدون ممانعة، فهي مسألة وقت للسقوط المدوي إعلاميا وثقافياً بعد أن تحطمت أسوار الممانعة، حتى وإن ظهرت الثورات العربية هنا وهناك للتغيير، فهي أصلاً ثورات قامت من أجل إصلاح ومحاربة فساد السلطة الحاكمة سياسياً، ولم تلتفت كثيراً إلى الفساد الإعلامي، فحركات التغيير المشتعلة عربياً لم تقدم أي مطالب لمحاربة الفساد الإعلامي، ومع اسطفاف رموز المطالبين بالتغيير؛ إلا أن مطالبهم تتمحور حول التخلص من إدارة سابقة عُينت من قبل الحاكم أو الوزير السابق، أما التغيير في قواعد وأصول وميثاق الشرف الإعلامي والمطالبة باحترامه وتفعيله فهي ليست من صميم مطالبهم، فالمطلوب اسقاط رمز النظام السياسي، والإعلام الذي يؤسس لهذا الديكتاتور بعيداً عن ميدان الأخلاق ليس من شأنهم محاربته أو المطالبة بإصلاحه.

الثورة على الدراما العربية

إنني استغرب من عدم الثورة على الدراما العربية كنموذج من الأعمال الإعلامية المنحطة، فهي كل يوم تقدم ما يسلخنا عن قيمنا وأخلاقنا وديننا، فتقدم صباحاً ومساء جرائم متواصلة (قبلة هنا، مشهد تعري جانبي هناك، إعلان مسيء، شتم الذات الإلهية).. ولكننا نثور عندما يتضمّن مشهد جنسي مباشر، مع إنّ الشاشة تقدم لنا ما هو أشد قذارة من الإباحية المباشرة، وكل يوم وجرعات صغيرة ولكنها في النهاية جرعة ذات سُمية مخففة عن قصد تسعى لقتلنا في النهاية.
هذه الحالة الراهنة من الإنحطاط الفضائي ما هي إلا نتيجة الإنشغال بالشأن السياسي العام، ولهذا أُهمل عن قصد الإرث الثقافي والحضاري والاجتماعي، وتفكك العرب إلى منظومات متعددة من الأراء والأفكار، فهدمت برامج الدراما العربية الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، وروجت لمواد إعلامية دخلت المجتمعات العربية حاملة مظاهر الإنفتاح، مما غيّب الإنتماء للهوية القيمية والمرجعيات الأخلاقية، وأصبح من الصعب التميز ما بين الجميل والقبيح، الخير والشر، والعدل والظلم، دافعها في ذلك الربح المادي، فتحول الجمهور إلى مشاريع وأرقام للربح والتكسب، هذا التحول أدى إلى التنافس وحتم بصورة أخرى إنحطاط المستوى الفني والعقلي ومزيداً من العري والإنحطاط الإعلامي للجذب، وتحولت البرامج الفضائية بفعل تغلغل هذه العقلية إلى ثقافة قائمة على مبدأ المشاهد البصرية المبهرة تلفزيوينياً الفارغة مضموناً.

* كاتب فلسطيني
basilnerab@gmail.com

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية