موت فيدل كاسترو أعاد إلى الاذهان ثورات الماضي الفاشلة، ومنح الكثيرين فرصة الاحتفال بالإرث التعيس والمدمر لهذه الثورات على شكل ليبرالية جديدة للاتحادات غير المكبوحة. إن التشهير بكاسترو كـ «ديكتاتور قبيح قام بتعذيب شعبه» لا يشبع، بشكل يثير الاشتباه. ومن لا يتسامح ايضا مع نظام القمع الستاليني لكاسترو والاخلال الممنهج بحقوق الانسان، لن يَسلَم إذا تحدث بشجاعة عن صموده في وجه الاستغلال المتواصل للولايات المتحدة للساحة الخلفية، وتأييدها المتعمد لديكتاتوريين مثل باتستا، الذي هُزم على يد كاسترو.
«جريمة» أكثر خطورة هي القول إن انجازات الثورة الكوبية في القضاء على الجهل والجوع وانشاء اجهزة تعليم وصحة بالمجان، هي من الأفضل في العالم.
وسبب ذلك هو أن المنطق الذي يعتبر التعليم والصحة والسكن المجاني لجميع المواطنين هي حقوق أساسية للانسان، وهي وضع الاصبع في عيون الديمقراطيات الرأسمالية، التي تتفاخر فقط بحقوق الانسان غير الاقتصادية وتبقينا أمام الخيار غير الممكن بين الحريات الاقتصادية والحريات الديمقراطية، بين الحق الاساسي المدني في التعليم والصحة بالمجان وبين حرية التعبير.
حسب تقارير صندوق التعليم والصحة التابع للامم المتحدة، نسبة الجهل في كوبا هي 0.02 في المئة، مقابل 84 في المئة في العام 1959. فقد انشأ كاسترو 45 جامعة ومعهدا للابحاث، لا يقل مستواها عن الموجودة في الغرب. وقد اتخذ قرارا سياسيا بتخصيص 15 في المئة من الناتج القومي لاقامة جهاز صحة حكومي مجاني. ورغم الفقر الشديد، فإن موت الاطفال الصغار في كوبا هو الاقل في العالم. والتعليم ـ من الروضة وحتى الجامعة، بما في ذلك أدوات التعليم مع متوسط 15 طالبا في الصف ـ هو مجاني. ومجرد التفكير بأنه قد حان الوقت لمطالبة الديمقراطيات الغنية في تطبيق حقوق انسان أساسية كهذه، هو كما يبدو حبة بطاطا ساخنة. ومن الاسهل التضعضع أو التباكي بسبب الخروج من الاتحاد الاوروبي ومن ترامب، الامر الذي كشف حقيقة اليسار.
هذا هو وجه قطعة النقد الثاني. تراجع الايديولوجيا في القرن السابق نتيجة الكوارث التي تسببت بها الستالينية والنازية، أبقى وراءه أرضا محروقة في مجال المثاليات الاقتصادية ـ الاجتماعية. في هذا الواقع، حيث انهيار المثاليات الاخلاقية ـ فإن الموجود يحتفل والى جانبه عدم الشرعية المتزايدة للحاجة إلى يسار مثالي.
إن قوة بقاء لدى الرأسمالية اعتمدت دائما على قدرتها في فتح صمامات وادخال تعديلات اجتماعية مدروسة، لكنها اعتمدت في الاساس على الطبقة الوسطى، التي رغم عدم المساواة والصعوبات الاقتصادية، فإن لديها الممتلكات ولديها دائما ما تخسره. إنها غارقة في الطريقة. والضائقة الاقتصادية الصعبة، وكلما ارتفع مستوى الحياة الاقتصادي كلما شجع ذلك محركات الماكينة الرأسمالية.
في هذا الفراغ الاخلاقي يوجد المزيد والمزيد من الاصوات التي تعتبر أن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، في ظل السوق الرأسمالية الحرة، هي قيمة منتصرة ومقدسة. وهذا الاستنتاج مطلوب من اجل انتصار «الديمقراطية المزدهرة» و«طبيعة الانسان» الذي يرغب دائما في التقرب من الاقوياء. النقاش حول «السيء» والمحاكمات الاخلاقية، يصبح هزليا ومحرجا. وهذه هي كارثة اليسار الحقيقية الذي يشكك بالطريقة التي يرغب بها الجميع، ويكشف عن مساوئها. أي أنه في حقبة التهكم والسياسة الواقعية الحالية فإن الامر الذي فقدناه هو الدافع الاخلاقي للتغيير، وفحص أنفسنا والبحث عن الحلول.
عيدا اوشبيز
هآرتس 6/12/2016
صحف عبرية