قصص «الإيروتيكا» العربية يقدمها عراقي للقارئ الاسباني

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: عرف الأدب العربي منذ بواكيره ما عُرف بموضوعات الباه والإيروتيكا، فألف فيها مئات الكتب الخاصة، فضلا عن مئات أخرى تناولت هذه الموضوعات في بعض فصولها، ولا يخفى علينا الكتاب الأشهر «عودة الشيخ إلى صباه» لابن كمال باشا و«الروض العاطر في نزهة الخاطر» للنفزاوي و»شقائق الأترج في رقائق الغنج» للسيوطي وغيرها الكثير.
ربما يكون هذا التاريخ والحكايات التي جُمعت في هذه الكتب وانتشارها عربيا كانت دافعا مهما للشاعر والروائي والمترجم عبد الهادي سعدون لكي ينتخب بعض الحكايات الإيروتيكية العربية ويقدمها للقارئ الإسباني، وهو ما فعله في كتابه الأخير «قصص من التراث الإيروتيكي الــعربي» الصادر باللغة الإسبانية عن ســلسلة آداب عربية في دار نشر بيربوم الإسبانية، إلا أن ســـعدون لم يكتفِ بالقصص العربية فقط، بل زين لوحة الغلاف وبعض الصفحات الداخلية للكتاب بلوحات إيروتيكية رسمها العراقي فيصل لعيبي، ليضم بذلك 23 حكاية منتخبة من كتب عديدة من بينها «رجوع الشيخ إلى صباه» و»الروض العاطر ونزهة الألباب» وغيرها على مدى 144 صفحة.

اختيارات مدروسة

اختيار القصص العربي لم يأتِ عشوائيا ولا اعتباطيا؛ بحسب حديث عبد الهادي سعدون لنا، بل نتيجة مراجعة وقراءة ودراسات طويلة بالإسبانية والعربية، من خلال التمعن في أغلب كتب الباه التراثية العربية، سواء المنشور منها أو المخطوط الذي حصل عليه من مكتبات إسبانيا العامة، كذلك تجربة سعدون في الكتابة السابقة عنها وإعداد أكثر من ملف عنها في فترات سابقة، كل هذا أتاح له فرصة معاينة نصوص حكائيه قصصية مستقلة وقائمة بذاتها داخل المتن العام لكتب الباه العربية القديمة. «تجوال كبير وانتقاء لقصص منفردة من مصادر عديدة تتجاوز العشرة مصادر. من هنا كانت الفكرة بجمعها وتبويبها وتخليصها من الزوائد كي تصبح نصا حكائيا تاما ومكتملا، ثم جاء تشجيع أكثر من صديق ومساعدتهم بمراجعة ونقل هذا التراث الثري للغة ثرفانتس».
وفي سؤالنا لماذا الإيروتيكية والباه الآن، قال سعدون إن الكتاب المنشور مؤخرا هو توسيع لكتاب أصغر، سبق أن نشرته دار النشر الإسبانية المعروفة هبريون، و»لما وجدت أن الأنطولوجيا المنتخبة السابقة يعتريها بعض الهنات والنقص في حينه، فكان أن وسعت المنتخبات بقصص جديدة وركزت بصورة أكبر على المقدمة وتبيان أهمية علم الباه للعرب قديما وانحساره في بلداننا حديثا، ثم أن أهميته جامعة، أي يضم نصوصا من كتب ومخطوطات لم يتح لها أن ترى النور باللغة الإسبانية مما يجعل الكتاب كمحرض للوصول لهذه الكتب مستقبلا».
ويؤكد سعدون أنه لا يجد سببا لنقلها إلى الإسبانية أكثر من أهميتها وطرافتها وجودتها، من هنا جاء الاختيار والعمل عليها، وبالتالي هي نقل لصورة من صور آدابنا المتنوعة التي علينا أن نعتز بها ونتحدث عنها، ونترجمها (لم لا؟) للغات أخرى.

رؤية الآخر

ربما يتبادر للمتابع سؤال عن المميز في النصوص الإيروتيكية العربية مقارنة بالنصوص الإسبانية خصوصا والعالمية عموما، وهو ما يجيبنا عنه سعدون قائلا: كما يعرف الجميع أن كتب الباه العربية كانت من ضمن علوم الطبيعة البشرية، وغرضها في الأغلب الترفيه والتنوير، بل حتى التطبيب وإيجاد مخارج مفيدة للحياة البشرية وعلاقتها بالجسد والجنس، وكل هذا يجعل منها أنسكلوبيديات متنوعة ومتشابكة الأغراض الأدبية ما بين القص والشعر والوصفة الطبية والأحكام الشرعية وما إليه، ومن هنا فرادتها وغرابتها عن النص الغربي الأوروبي عموما.
نعلم أن العرب من ضمن الشعوب السابقة في هذا المجال، وهناك نظريات (على الأقل في إسبانيا) تثبت أن التراث العـــــربي ساهم بتشكـــــيل أول النصوص الإيروتيكية في شبه الــجزيرة الإيبيرية لتنتقــــل عدواها إلى دول أوروبا المتكـــونة آنذاك.
مع هذا فالتراث الإيروتيكي الغربي جاء مفصلا ومستقلا في كل صنف أدبي منه كالرواية أو القصة أو الشعر والمسرحية، دون أن نعدم نماذج متقاربة وشبيهة بالنموذج العربي.
وعلى الرغم من وجود آليات مشتركة لتلقي هذه النصوص في الثقافة البشرية، لكن هل هناك آليات خاصة يمكن أن يتلقى من خلالها القارئ الأوروبي للنصوص الايروتيكية العربية؟ يرى سعدون أنه لا مفك من القول إن الغربي في القرن والواحد والعشرين ما زال حتى الآن يقيس العرب وآدابهم وفق تصورات قديمة ونظريات استشراقية وتخيلية جاهزة، والنظرة لآداب الباه قد تدخل في هذا الحيز. الغرب ما زال غير قادر على تصور هذا التنوع التراثي العربي الإسلامي (وأنا اتحدث عن العامة وليس الخاصة) وكل مرة يعثر على مفاجآت وتصورات جديدة، وكل محاولاتنا في هذا المجال غرضها هو هذا تماما، كما عليه ما قام به مستعربون سابقون وما يعمل عليه مستعربون معاصرون. لقول الحق «إن الإسبانية بدأت باستيعاب التراث الإيروتيكي مؤخرا بشكل كبير ومهم، ومجرد ذكر اسم واحد مثل المستعرب إغناثيوغوتيرث تيران، دليل كافٍ على هذا الجهد الكبير، وهو لوحده يقوم بنقل أكبر قدر من الكتب الإيروتيكية العربية ويقدم الدراسات المهمة في شأنها».
وما دامت النصوص في أغلبها عربية قديمة، فما الذي دعا سعدون لانتخاب لوحات حديثة للفنان فيصل لعيبي؟ لكن هذا يدخل في الجانب الآخر لتصور سعدون عن الكتاب والمنتخبات الحكائية «حاولت أن أنقلها بأسلوب عصري حديث وبلغة مناسبة يطلع عليها ويقرؤها الجميع دون استثناء، عليه جاءت فكرة الاتصال بالفنان العراقي فيصل لعيبي لطلب وضع لوحاته الإيروتيكية كغلاف للكتاب وداخله، كما عملت في الكتاب الأول الذي ضم لوحات للفنان عبدالكريم سعدون أيضا».
فما أراد سعدون قوله في الكتاب إننا لا نختلف عن أجدادنا بشيء، بل إننا مستمرون على المنوال نفسه، والآدب العربية المعاصرة مثل فنونها جريئة وجديرة بالتمعن والقراءة والمتابعة.

قصص «الإيروتيكا» العربية يقدمها عراقي للقارئ الاسباني
اختارها وترجمها عبد الهادي سعدون

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية