جدلية المناضل/الدكتاتور: هل تتقن الشعوب إطلاق الأحكام؟

حجم الخط
0

مع خبر وفاة الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، عاد إلى السطح الجدل الأزلي لدى الجمهور العربي بين «مؤيد» و»معارض» فمنهم مَن ترحم عليه وعلى أمجاده، ومنهم مَن وصفه بالدكتاتور متمنياً أن يلتحق زملاؤه من الدكتاتوريين به قريباً.
مَن يمكن أن ينسى أو ينكر الخطاب التاريخي الذي استمر حتى طلوع الفجر في هافانا عام 1959 حين دخل ذاك الشاب المليء بالحياة والطموح، ورأى في نفسه «مسيحا» مخلصاً لشعبه من الدكتاتور باتيستا، بل وجده الكوبيون «مسيحاً» أقرب إلى طبيعتهم البشرية الأقل سموّاً، فلا هو أدار خده وسامح، ولا هو قدم نفسه أضحيةً، بل قدّم نفسه قائداً مغواراً منتشلاً إياهم من القمع والخوف وهو صاحب الحضور الأخّاذ والخطاب القوي والكاريزما تحكم ولو أنكرنا.
الحصار الاقتصادي الأمريكي الذي فُرض على بلاده عام 1960 والذي دفعه لتوطيد العلاقة مع الاتحاد السوفييتي، ثبّت أقدامه أكثر كقائد لشعبه في الشدائد، وأصبح في طبيعة الحال مرة أخرى المناضل من أجل بلاده.
القائد الرمز تعززت صورته بشكل أكبر بعد إفشاله محاولة متمردين بالتعاون مع الاستخبارات الأمريكية للهجوم والانقلاب عليه عام 1961 في معركة «خليج الخنازير».
لكن ومع الوقت، تحول النضال بعد التمكن من السلطة، شيئاً فشيئاً إلى بوادر حكم شمولي، ولم يستطع كاسترو التخلي عن السلطة التي بات عبداً لها كما قالها صراحةً يوماً- رغم مرضه الذي استمر أعواماً طويلة وتدهور حالته الصحية تدريجياً- إلى أن استسلم أخيراً لفكرة التنازل عن الحكم لأخيه ورفيقه في النضال راؤول في العام 2006 فقط عندما ظن أنه سيموت وقتها. ربما أوضح الأمثلة للتحول- بعيداً عن الشأن الداخلي والاستشراس بالقوة والتسلط- التي أخذت عليه، أنه بعد رفضه لاستخدام الدولار الأمريكي منذ الخمسينيات، أدخله إلى بلاده عام 1993 عندما كسد اقتصادها نتيجة لانهيار الاتحاد السوفييتي، وبعد أن انتعش الاقتصاد، عاد ومنع الدولار في العام 2004. ولكن قد يرى البعض هذه البراغماتية مبررة إن كانت تصب في مصلحة بلاده وإنقاذها.
تراتبية صناعة الدكتاتور تقوم عادة على الشكل التالي: انقلابٌ (ولو انتصاراً لمبدأ وقضية) فتأكيد للسلطة والقوة في عيون الشعب بعد إفشال محاولة عدوان/غزو، فتثبيت لصورة النضال من مقاومة أساليب العدو الخارجي حصار/عقوبات، ثم يمكنك أن تفعل ما تشاء. لكن هل يدرك الدكتاتور مفرق التحول الذي يمر به أم هو بالفعل ضحية انجراف أعمى للانغماس في حلاوة النجاح؟

في معادلة: نضال وقوة وسلطة

يبدو أن أي زعيم/قائد مع الوقت يُصاب بهاجس السلطة والقوة معاً، ويُسقط سهواً أو عمداً عامل النضال والمبادئ، بل ويتخذه عذراً ومبرراً لارتكاب أي ظلم، لأنه يعتبر أنه ببساطة استحق ذلك «بجدارة» ولأنه وبلا منافس انتزع مكانته بيديه.
الشخص الوحيد في العالم العربي الذي يمكن مقارنته بكاسترو هو جمال عبد الناصر، الذي غدا رمزاً وطنياً وقومياً لكافة العرب من المحيط إلى الخليج حتى يومنا هذا والوحيد الذي حقق الحلم العربي في وحدة تجمع بلدين أحدهما في الشرق الأوسط والآخر في افريقيا عام 1958 وقد سُميّ أبناء جيل كامل على اسم الزعيم الذي لم ولن يتكرر.
لقد جاء عبد الناصر بأفكاره الاشتراكية ليطبقها بالفعل ويؤمم قناة السويس ومساحات شاسعة من أراضي الإقطاعيين، وزاد في حب الشعب له كونه فلاحاً من أسرة بسيطة فهو بالفعل يفهم هموم المواطن الذي لا حول له ولا قوة.
كان عبد الناصر تجسيداً لما اعتبره العرب طويلاً أضغاث أحلام، وكان أفضل وأجمل من أن يُصدق. لكنه كان أيضا عرّاب فكرة القبضة الأمنية واليد الطولى للمؤسسة العسكرية والشعارات الرنّانة. وهو ما وردّه لسوريا ولكل ديكتاتور عربي صغير أراد أو استطاع بالفعل الوصول إلى السلطة.
وبمناسبة الحديث عن نموذج الدكتاتور الصغير، فإنني أجد في جمهور كاسترو الوجوه نفسها لجمهور صدام حسين. أقصد حتى حرفياً يبدو أن معجبي كاسترو في العالم العربي هم بالضرورة من معجبي صدام، فهنالك جزئيات محددة تجمع طبيعة ومسيرة الشخصيتين مع مراعاة الفارق الكبير. فانقلاب جماعة صدام حسين أو ما سُمي ثورة تموز عام 1968 لم تكن بقيادته، لكنه كان من أبرز الشخصيات المشاركة فيها، ولم تكن خدمةً لقضية، بل انتصاراً لحزب البعث وتنازعا على السلطة.
لكن حسين تمتع بذات القوة والحضور اللتين كانتا لكاسترو، واستطاع كسب ثقة الحزب الذي مرّ بتحولاته هو الآخر بعيداً عن الدرب…وذلك لسمعة الشاب بالقوة والجسارة منذ صغره هو الذي تربى في كنف خاله خير الله طلفاح الذي لم يتوان عن دفعه للقتل منذ كان طفلاً من أجل ثأر ليكون ساعده الأيمن الذي يعتمد عليه لاحقاً.
وبعد استلامه السلطة عام 1979 استطاع حسين كسب شعبية لأنه ذو كاريزما وخطاب شعبوي مرغوب ومحبب يحابي طبيعة شعبه وهو الذي كان حريصاً على أن يتحدث مع كل شخص أو جماعة أو منطقة باللغة التي يفهمونها ويقبلونها. وحرص على أن يلبي أمنيات ومطالب فردية لمن استطاع الوصول إليه أو «طرق بابه» حتى ممن هم في بعض الأحيان محسوبون ضده، وحسب معجبيه فقد كانت لديه اعتبارات محلية يراعي فيها الأعراف على حساب السلطة والقوانين، ولو على نطاق ضيق أو في مناسبات معدودة حُسبت له، بصرف النظر عما كان يمارسه من قمع ومزاجية ذات نتائج عنيفة في كثير من الأحيان على بُعد غرفة أو شارع.
ويبدو أن الشعوب من جهة أخرى ولسخرية الأقدار تؤمن بأهمية القوة، فهي تريد أن ترى القوة في قائدها حتى ولو ترافقت بالشراسة والعنف، ربما تيمناً بمبدأ «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف».
وزادت شعبية حسين ليس فقط في العراق بل في العالم العربي حين ضرب إسرائيل بـ 39 صاروخاً عام 1991 فكان رمزاً للعروبة والشجاعة لم يسبقه لها ولم يلحقه بعدها أي «قائد» عربي. حتى أن ذلك غفر له، عند الكثيرين، غزوه للكويت الذي سبق ضربه لإسرائيل. بل إن اقتحامه للكويت قوبل بالاحتفاء لدى الكثيرين في الوطن العربي يومها قبل تلك الضربة! ربما للعراقيين أسبابهم لتمجيد ذلك لما كان من خلاف و»تكسير راس» وتهديدات بينهم وبين الكويت. ولكن لِمَ يفرح باقي العرب بذلك؟
ما رسخ كذلك صورة القائد المغوار صاحب الكبرياء والاعتزاز بوطنيته كانت مقاومته للحصار الاقتصادي الأمريكي الذي فرض على العراق عقوبة له على غزو الكويت أو ما سمي بحرب الخليج الثانية، فعوقب كل الشعب العراقي نتيجة قراره.
وعرف صدام حسين بمجابهته لهيمنة الدولار الأمريكي بشدة، ورفض أن يكون أداة تسيير للإدارة الأمريكية، ودفع حياته ثمناً لذلك لاحقاً.
وارتفع رصيده خاصة حينما آثر البقاء في بلاده على الهروب عندما بدأ الغزو الأمريكي عام 2003 وكذا عندما قُتل على يدهم وكان مثالاً للكبرياء خاصة وأن الابتسامة الساخرة من قاتليه لم تفارق وجهه حتى آخر لحظة.
وزاد المؤازرةَ الشعبية التوقيتُ المستفز بتنفيذ الإعدام- حتى لمن هم ليسوا من معجبيه- الذي اختاره الأمريكان وصادف (أو ربما لم تكن صدفة) أول أيام عيد الأضحى. وما زاد من السخط العربي أن واشنطن لم تجد تلك الأسلحة الكيميائية التي كانت حجتها للغزو، بل وظلت «تعتذر» الإدارات الأمريكية المتعاقبة بكل وقاحة عن الخطأ في التقارير الاستخباراتية التي تلقتها عن الموضوع.
ولنا في العالم العربي أمثلة كثيرة لشخصيات جدلية اعتبرها البعض بطلاً وطنياً وجعلها البعض الآخر خائناً في خريف عمرها، مثل ياسر عرفات الذي بدأ مناضلاً واستطاع تحويل النضال الفلسطيني إلى قضية وهي علامة فارقة لا شك في تاريخ ومسيرة نضال الشعب الفلسطيني وبصمة تحسب له وحده لكن هل ما انتهى إليه من براغماتية (على أحسن تقدير) يُمحى ويُغتفر لأجل الماضي؟ ربما، وربما لا.
وعلى مستوى آخر من الدكتاتوريات الصغيرة كان معمر القذافي ذاك الذي كانت خطاباته محط سخرية وأشبه بفقرة ترفيهية لهذا الوطن العربي في القاعات والمناسبات، والذي شابه حسين في مجابهة هيمنة الدولار الأمريكي كأداة لربط الاقتصادات وضمان تبعيتها، بل واقترح تصنيع نقد ذهبي محلي أو إقليمي كمنافس، وحاول أن يكون ضمن حلف افريقي لمواجهة أقطاب القوى التقليدية، وهو ما رآه الكثير ضرباً من الجنون أو على سبيل النكتة. لكنه حاول بالتأكيد أن يكون مستقلاً بقراره وبالتأكيد دفع ثمن ذلك حياته أيضاً، بصرف النظر عن إن كان ذلك «وطنيةً» منه أم كان إشباعاً لجنون العظمة لديه وهو ملك ملوك افريقيا وصاحب الكتاب الأخضر وقائد ثورة الفاتح من أيلول ورئيس الجمهورية الليبية الديمقراطية الشعبية… الخ.
لن أتطرق لحافظ الأسد فهو لا يرتقي إلى مستوى كل من ذُكروا فهو محض ديكتاتور افتقد المبادئ والنضال الذي تمتع به هؤلاء في أوائل حياتهم أو في مفترقات هامة خلالها، فليست في سجله أي نقطة يمكن أن تُحسب له. وابنه مسخ دكتاتوري أكثر تشوهاً من أبيه.
بالعودة إلى الزعامات العربية أو العالمية، أما حان الوقت لنعرف كشعوب أن من يأتي بانقلاب أو يقود ثورة عسكرية حتى لو ضد ديكتاتور، ومن يؤمن بأهمية القوة ليأخذ مكاناً لم يكن له حتى ولو ضد ظالم… فسيحرص على أن يحتفظ بتلك «القوة» التي وضعته في المقام الأول في هذا المكان… بل وسيصاب بذات الهوس بالتشبث بالسلطة مهما كان الثمن؟ ولكن السؤال الأهم الذي يجب أن نواجه أنفسنا به هو: هل يغفر لديكتاتور ماضيه النضالي… وهل يعفو النضال والمبادئ القديمة الأخطاء والقمع؟
وهل ممكن أن نقف في الوسط ونعترف موضوعياً بفضل وإنجازات «قائد» دون الانجراف إلى تأليهه وتنزيهه عن الأخطاء وإعماء أنفسنا عن سقطاته التي قد توازي أو تغلب عظمة إنجازاته؟
إعلامية سورية تقيم في لندن

جدلية المناضل/الدكتاتور: هل تتقن الشعوب إطلاق الأحكام؟

لمى الخاير

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية