ترامب المرعب والمنقذ

حجم الخط
1

لم يكن فوز الجمهوريين بالرئاسة الأمريكية مفاجأة بقدر ما كان نتيجة طبيعية متوقعة بعد ثمانية أعوام من سياسة التردد والسبات لإدارة أوباما، التي أوصلت الناخب الأمريكي للبحث عن البديل الذي يعبر عن أمريكا كدولة عظمى تقود العالم.
لعل اختيار الحزب الجمهوري لترامب مرشحاً منذ البداية لم يكن صدفة، رغم الجدلية والإشكالية حول شخصيته وسيرته الذاتية، التي تبدو الآن انها لعبت دورا مهماً في النجاح الذي حققه، خاصة لجهة التأثير على كسب «فئة اليمين المحافظ» من المجتمع الأمريكي لصالحه. فكما هو معلوم وفي عرف الصراع الجمهوري ـ الديمقراطي للرئاسة، هناك نسبة ثابتة تقــــريباً من الطـــرفين تصوّت لمرشحيها، وهي متقاربة أحياناً على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، لكن حسم الصراع يكون عبر جذب أصوات الناخبين، من أولئك الذين يحتارون في عملية التصويت، وهي نسبة ليست بالقليلة خاصة بين الشباب والفئات الشعبية والمواطنين الأقل وعيا وتعليما وسياسة، وتنجذب للمظاهر والصورة النمطية للزعيم الرئيس والخارق على غرار شخصية الرئيس البطل في الأفلام.
ترامب تعامل بذكاء مع هذه النقطة في لفت الأنظار، من خلال تصريحاته النارية واسلوبه التشويقي وتعليقاته المثيرة للجدل حول العديد من القضايا، منطلقا كذلك من خلفيته كرجل أعمال ورأسمالي ناجح عالمياً، قد يوظفها في خدمة الدفع بالاقتصاد الوطني والقضايا التي تهم الأمريكيين في الداخل. وبكل تأكيد فإن مقاربة شخصية ترامب مع الذهنية الأمريكية السائدة كبطل هوليوودي أو من طراز أبطال ألعاب «البلاي ستيشن»، قد حرك الركود بين فئة وجدت في شخصه المثل الأعلى لرئاسة أمريكا. لكن العامل الآخر الذي استفاد منه ترامب، تجسد في المناخ السياسي في هذه الفترة في ما يتعلق بصعود الإرهاب والتطرف وقضية الإسلامفوبيا، مع تنامي تصاعد اليمين في أوروبا، التي أعادت بعض الشيء ظاهرة «الشعبوية « للوجود قوميا ودينيا، وهذه المسألة انصبت في صالح ترامب، الذي خرج عن المألوف في الكثير من خطاباته مثل (معاداة الإسلام الراديكالي والسياسي وربطها بالإرهاب، قضية بناء جدار على الحدود مع المكسيك، إخراج الملايين منهم من الأراضي الأمريكية، كذلك تصريحات غريبة بحق النساء، اضافة إلى اظهار معاداة السود وغيرها). ورغم ردود الأفعال السلبية حول ما كان يصرح به بين النخب وفئات عديدة من المجتمع الأمريكي المتنوع، إلا أنه استطاع كسب شعبية كبيرة، خاصة بين البيض وطبقة العمال المهمشة، ومجموعات كانت تحمل فكرة هذا التوجه والخطاب الجديد، أي بمعنى أن ترامب دغدغ المشاعر، سواء الظاهرة أو الباطنة بين الأمريكيين، وطبعاً فقد زاد من هذا الصعود المشهد السياسي الباهت والضعيف الذي تجسد في إدارة باراك أوباما، وكذلك المرشحة كلينتون «المستهلكة عمليا» من طاقم أوباما حسب بعض المراقبين، ما رفع من حظوظ فوز ترامب. الأمر الآخر في هذا الصعود القوي لترامب أيضاً دور الإعلام العالمي والأمريكي الذي خلق هالة دعائية ضخمة له، صورته كأحد أبطال هوليوود الخارقين الذي سيواجه أشرار العالم من جهة وقد «يخرب» في الجانب الآخر كشخصية خطيرة قوية تجمع بين المنقذ والمدمر.
الإعلام العربي بدوره ساهم في التأكيد على تلك الصورة النمطية وصوّرها من جوانبها السلبية وفوبيا الخوف من أفكار ترامب اليمنية وبرنامجه المثير للقلق، لاسيما في الحلول التي تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط. طبعاً هذا كله في فترة ما قبل الانتخابات، الذي تغير بشكل جذري تجاه ترامب بعد فوزه الساحق بالرئاسة، حيث انهالت برقيات التهنئة من قبل أغلب رؤساء العالم لتقديم ولاء الطاعة له. هذه العوامل مجتمعة جعلت من ترامب الرئيس المنتظر والمترقب فيما سيفعله بعد استلام الرئاسة في العشرين من الشهر المقبل، لدرجة وصل الأمر بالبعض أحياناً بتوقع حدوث انقلاب في السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة أن ترامب في هذه الأيام يجري مشاوراته لاختيار طاقمه الحكومي.
أول الغيث بدا عاصفا باختياره الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس وزيرا للدفاع، الذي شارك في الحرب في العراق وأفغانستان، ونال لقب «المحارب الراهب»، حيث يعتبر من الصقور وأصحاب النهج التصعيدي في السياسة الخارجية، خاصة تجاه إيران. أيضا الجدل القائم حول اختيار الرجل الأنسب للخارجية، فهناك اكثر من شخصية مرشحة «جون بولتون، جولياني والمرشح السابق للرئاسة ميت رومني الذي يمتلك حظاً أوفر قد يختاره ترامب في قائمة إدارته، المثير للجدل نتيجة اعتناقه ديانة «المورمون» المسيحية المختلفة التي تؤمن بتعدد الزوجات وتعتبره واجبا.
حتى اختيار ترامب لإدارته المقبلة التي تلائم الذهنية الأمريكية من خلال أسماء وألقاب رنانة، وكأننا أمام أحد الأفلام، وبانتظار وصول البقية من الأبطال الخارقين على شاكلة «رامبو»، وهذا ما شد المواطن الأمريكي وكذلك العالم في متابعة كل خطوة أو تصريح يقوم به الرئيس الأمريكي المنتخب. وبكل تأكيد فإن الناخب الأمريكي ينتظر بشغف استعادة الهيبة الأمريكية الضائعة طيلة حكم أوباما التي جعلت المراقبين للقول «أمريكا ليست بأمريكا» خاصة على صعيد السياسة الخارجية المعهودة.
قد يتخوف البعض من صعود اليمين المتطرف في أكثر من دولة أوروبية مثل فرنسا وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التي ساهمت في إبراز ظاهرة ترامب، كل هذا دفع منطقه الشرق الأوسط وغيرها إلى التكهن بأن ترامب سينفذ كل وعوده التي صرح بها في فترة الانتخابات. والحقيقة أن الناس في الشرق يتناسون أن أمريكا ليس لديها نظام حكم ديكتاتوري، كما كافة أنظمة الشرق الأوسط التي تتفرد باتخاذ القرارات، بل هناك مؤسسات وكونغرس ومحكمة دستورية عليا، وصحافة حرة ومعارضة، ومجتمع مدني ومنظمات حقوقية، والقانون هو السائد.
من هنا يمكننا الفصل بين مرحلتين، التي تتعلق بفترة الدعاية الانتخابية وشعاراتها المؤقتة، ومرحلة استلام مهام الرئاسة والإدارة التي تختلف كلياً عن التصريحات الفردية، وهذا ما يمكن الإقرار به في سياسة الجمهوريين المقبلة. لكن يبقى ترامب ظاهرة شدت الأمريكيين والعالم واكتسب شهرة في فترة زمنية قصيرة، ليتصدر المشهد السياسي والإعلامي بانتظار ما سيقدمه ويفعله رئيس أمريكا الجديد.

٭ كاتب كردي سوري

ترامب المرعب والمنقذ

د. زارا صالح

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية