المغربي محسن فكري بائع سمك صادرت البلدية بضاعته، فحاول جاهدا إنقاذ أسماكه من مطحنة شاحنة لنقل النفايات فلحق بأسماكه وطحن معها. لم يمر على هذا الخبر سوى أقل من أسبوعين وصدرت النسخة المصرية لتلك القصة، وكان بطلها شخص مسيحي يدعى مجدي مكين خليل بائع سمك متجول على عربة كارو في منطقة الزاوية الحمراء في شمال القاهرة.
مجريات الأحداث تشير إلى أن مجدي لم يتم طحنه كما حدث لمحسن ولكن تم تعذيبه وضربه حتى قتل وظل بعد مقتله يسيل الدم من مؤخرته كما ظهر من الفيديو الذي نشره أهل مجدي مكين، كما أن مجدي لم يبع سمكا ممنوعا بيعه كما أشيع عن محسن، ولكن حدثت مشادة بين مجدي وضابط شرطة أدت إلى قيام الضابط بشتم مجدي فرد عليه مجدي «أنا زي أبوك» فزاد الضابط الثلاثيني على شتمه بضرب مجدي الخمسيني. ووصل الأمر إلى اعتقال مجدي ووضعه قيد الاحتجاز في قسم شرطة الأميرية واستمرار تعذيبه إلى أن فاضت روحه.
السلطة التنفيذية بكامل مؤسستها سعت إلى حماية ابنها البار سيادة الضابط، فالداخلية المصرية كعادتها دائما تسعى إلى براءة أعضائها واتهام المجني عليه بكل الطرق والوسائل، فقد أعلن اللواء محمد منصور مدير إدارة مباحث العاصمة بأن الفيديو الذي يُظهر آثار تعذيب مجدي هو فيديو مفبرك، وأن مكين لم يتم تعذيبه بل إن ما ظهر على جسده كانت نتيجة لإصابته بمرض السكري، وفي السياق ذاته أصدر الطب الشرعي تقريره بأن سبب الوفاة هو هبوط حاد في الدورة الدموية. أما النيابة العامة فبالرغم من تأكيدها في تقريرها المبدئي على أن جثة مكين فيها آثار تعذيب إلا أنها لم توجه أي اتهام إلى الداخلية وإلى ضابطها بقسم الأميرية واكتفت بسماع أقوال الضابط وأمرت بإخلاء سبيله.
المحزن أن هناك من هو خارج الدوائر الرسمية من يسعى لتبرير أفعال السلطة التنفيذية. فها هو إبراهيم الجارحي – الصحافي المقرب من النظام الحالي وأحد قادة الكتائب الالكترونية للدولة – يعلن بأن الاهتمام بقضية مجدي مكين هدفه «الغلوشة» على واقعة تصريحات منى مينا، ولا أدرى لماذا ربط الجارحي بين منى ومكين هل لأنهما أقباط أم لأن هناك علاقة بين السمك والطب أم لشيء آخر لا يعلمه سوى الجارحي، ومن هي الجهة التي تريد التغطية على تصريحات منى مينا هل الداخلية أم الأقباط أم نقابة الأطباء أم باعة السمك المتجولون؟
وزارة الداخلية استحلت قتل المواطنين وأصبح القتل استراتيجية واضحة لدى الجهاز الأمني وصار المواطن لا يساوي شيئا عند الشرطة المصرية فسجل الداخلية حافل بعشرات المواطنين الذين قتلوا خارج القانون من قبل من فوضوا بتنفيذ القانون، فهاهو مجـدي مكـين ومن قبـله المحامى كريم حمدي وطلـعت شبيب وطبيب الإسماعلية وبائـع الشـاي بالرحـاب وسائق توك توك الدرب الأحمر وناصـر الحـافي ورفاقه، كل هؤلاء وغيرهم لم تكن الشـرطة المصرية تعمل على حمايتـهم بل كـانت سـببا لإنهـاء حيـاتهم.
من قتل مجدي مكين لا يختلف عمن قتل عادل رجائي أو محمد كمال أو شيماء الصباغ، فكل هؤلاء قُتلوا خارج القانون، وقاتلهم مازال ينعم بالحياة ومازال أهاليهم ينتظرون القصاص ممن قتل أبناءهم. كل هؤلاء الضحايا بشر كان يجب ألا يتعرضوا لأي سوء إلا بما نص عليه القانون والدستور، أما أن تسير الأمور إلى أن يقتل من يحمل السلاح من يشاء من الشعب فهذا يعني أننا لا نعيش في شبه دولة فحسب بل نحيا في غابة تكون الغلبة فيها للقاتل والمنتقم والمستبد.
الكنيسة القبيطية الارذثوذكسية – إحدى الدعائم الرئيسية للنظام الحالي- تأخرت كثيرا في الحديث عن مكين ولم ينطق متحدثوها الحقوقيون أمثال نجيب جبرائييل بأي كلمة، وكأن الموضوع لا يعنيهم حتى ظن البعض بأن الضحية من الكاثوليك وليس من الأرثوذكس، واكتفت بإيفاد وفد إلى منزل الضحية لتقديم العزاء، ولم تصدر بيانا إلا بعد مرور الواقعة بخمسة أيام دعت فيه إلى اعتبار الحادث وقفة بشأن التعذيب في أقسام الشرطة.
مجلس النواب لم يهتم بالأمر لا من قريب ولا بعيد واكتفى أعضاء المجلس عن دائرة الزاوية الحمراء والأميرية بإطلاق التصريحات الرنانة وتقديم العزاء لأهل القتيل. أما لجنة حقوق الإنسان في المجلس فنظرا لأن رئيسها كان متهما إبان خدمته في وزارة الداخلية بتعذيب المواطنين فهي لن تسمح بمساءلة وزارة الداخلية أو أي من أفرادها لأن في ذلك إحراجا لرئيسها ولزملائه الموجودين في الخدمة من بعده والسائرين على دربه في التعذيب والتنكيل بالمواطنين. وارتأت اللجنة أن تغير التوصيف الوظيفي لها من لجنة تشريعية رقابية إلى لجنة خيرية أهلية ولهذا أوفدت وفدا يضم عددا من أعضائها لتقديم العزاء في الراحل.
مازالت وسائل التواصل الاجتماعي تثبت أنها أصبحت سلطة قوية تقوم بعدد من المهام أبرزها إعلام الجمهور بالحقيقة وممارسة الضغوط على السلطة التنفيذية وإجبار السلطة الدينية على الوقوف بجوار المجتمع. فقصة مجدب مكين حدثت يوم الأحد الموافق الثالث عشر من نوفمبر/تشرين الثاني ولم يتحرك أحد سوى أهل القتيل حتى أصبح مكين حديث وسائل التواصل الاجتماعي في يوم الخميس الموافق السابع عشر من الشهر المذكور، وقتها بدأت التصريحات والقرارات تخرج تباعا من المسؤولين والمؤسسات المصرية كالنيابة العامة والطب الشرعي ووزارة الداخلية وآخر من تحدث وتحرك كانت الكنيسة المصرية .
ثمة فروق بين رد فعل المجتمعين المغربي والمصري، فالشعب المغربي ثار على مواقع التواصل الاجتماعي وفي شوراع الحسيمة والدار البيضاء والرباط وخرجت الحركات والأحزاب اليسارية والإسلامية والأمازيغة للمطالبة بالحقيقة في تلك القضية مما اضطر الملك محمد السادس إلى إرسال وزير داخليته إلى أهالي القتيل. أما في مصر فكان الصمت هو السمة الغالبة، ونظرا لأن الخوف من القبضة الأمنية هو المسيطر على المجتمع المصري فكان رد فعل الدولة على قدر الفعل الصادر من قبل المجتمع والحركات والأحزاب والتي التزم فيها الجميع الصمت إلا قلة من الأحرار الذين اهتموا بالقضية حتى استطاعوا أن يحركوا بعضا من المياه الراكدة والتي لا تزال دون المستوى المطلوب.
ومع بشاعة الحادثة وتضاؤل فرص القصاص من القاتل يظهر بصيص أمل من بعيد، حيث تزامن وقت نشر قضية مجدي مكين مع جلسات استماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة والتعذيب في تونس، وهذا ما يحيي الأمل في النفوس بأن مجدي مكين ورفاقه من ضحايا التعذيب في مصر إن لم ينالوا حقهم في القريب العاجل سيأتي اليوم الذي ستعلن فيه قصصهم ويحاكم مرتكبو الجرائم بحقهم لأن جرائم التعذيب والانتهاكات لا تسقط بالتقادم وهذا ما يحدث الآن في تونس.
كاتب مصري
عاصم عليوه