فكرة الهجرة تطرأ دوماً أثناء الحروب والثورات والأوضاع الاقتصادية المتعثرة، حيث الخلاص من الوضع الحالي والبدء بحياة جديدة على أرض جديدة ناهيك عن الأحلام الكبيرة، وغالباً ما كانت أمريكا هي الجهة المنشودة في القرن الماضي. تلك المعاناة عالجتها السينما كثيراً، بدءاً من تشارلي شابلن قبل سبع وتسعين سنة، من خلال فيلم يحمل العنوان نفسه والجهة نفسها التي أراد شابلن الذهاب اليها. لكن في فيلم «المهاجرة» الذي تم انتاجه في عام 2013، من وصل الى جزيرة أليس هي الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار في دور اللاجئة البولندية إيوا، وأختها ماجدة، اللتان استطاعتا الهرب من موت محقق أثناء الحرب العالمية الأولى حيث تدور أحداث الفيلم في عام 1921.
انفرط عقد الأحلام الكبيرة منذ اللحظة الأولى، اذ منعت السلطات الأمريكية دخول ماجدة لأنها مصابة بالسل فوضعوها في الحجر الصحي، أما إيوا فمنعت من الدخول بحجة إثارة المتاعب أثناء رحلتها في القارب من بولندا. النجم الأمريكي واكيم فينيكس، الذي لعب دور برونو، يلحظ ضعفها وعوزها، فيتمكن من تهريبها بفضل علاقاته القوية مع الشرطة، فهو مدير فرقة استعراضية راقصة. ثم يضمها إلى فرقته، فقد اعتاد أن يتصيد الفرائس السهلة، لاسيما أن السينما قد زاحمت المسرح، ولابد من ضخ دماء جديدة لأجتذاب الزبائن، وتلبية نزواته ورغباته الشخصية.
عالم برونو، المنغمس في الرذيلة المنظمة، هو النقيض التام لعالم إيوا، لكنه وقع في حيرة بين العمل والتزاماته، وبين الفتاة الطاهرة الجميلة المتدينة، حيث تورط في حبها وبكرهها له. دخول إيوا إلى قلب برونو حفز غيرة فتيات الفرقة، مما أشعل صراعاً لم يقتصر على أعضاء الفرقة وحسب، بل على قريبه أيضاً، جيرمي رينر، الذي لعب دور أورلاندو، الشاب الوسيم الذي يمارس ألعاب الخفة، فيحاول استمالة قلب إيوا، ليدخل الثلاثي في صراع تصاعدي أودى بـ أورلاندو قتيلا وبرونو قاتلاً ملاحقاً من قبل السلطات.
ذلك الثلاثي الذي شكل خط الصراع الدرامي المتصاعد، يذكرنا بالعقدة المركزية ذاتها في فيلم «لاسترادا» أو «الطريق» للمخرج الايطالي فيديريكو فلليني، الذي انتج سنة 1954، حيث يحتدم الصراع على فتاة استعراضية (جولييتا ماسينا في دور غلسومينا)، بين اثنين من أعضاء فرقة السيرك الاستعراضي، وهما انتوني كوين بدور زامبانو وريتشارد بزهارت في دور المجنون، وينتهي الصراع أيضاً بالقتل.
المخرج جيمس غراي الذي بَرهن من خلال فيلمه الخامس، على أنه مخرج تفاصيل أكثر من مخرج دراما وصراع وجودي، أنه غير قادر على تقديم ملحمة انسانية، لكن رهانه على صنع فيلم ميلودراما لم يخب كثيراً كما توقع النقاد، لأن التجربة أثبتت أن الجمهور الحالي لم تعد تستهويه هذه النوعية من الأفلام، الخير المطلق الضعيف المطرز بالبراءة والجمال، والشر المطلق المؤطر بالوحشية. استطاع غراي إعادة عقارب الزمن الى الوراء، حيث القرن الماضي بكل تفاصيله وقسوته وصخبه، كما استعان بنجوم صف أول وحاول وضعنا في صلب الأحداث، من خلال صورة كلاسيكية متعارف عليها، منمقة بالألوان الحالمة، مثل أحلام إيوا، مع تصاعد درامي حذر، بالإضافة الى التجاذبات عاطفية وشكوك دائمة بين ثلاثي الصراع.
تعاون غراي مع السيناريست الأمريكي ريك مينيلو للمرة الثانية بعد فيلم «عشيقان» الذي جمعهما لأول مرة سنة 2008. وقدّم مدير الإضاءة والتصوير، الايراني داريوس كوندجي، صورة جميلة من خلال توازن الضوء والظلال، لكنه لم يضف نمطاً جديداً، فقد استخدم الألوان والأجواء الكلاسيكية نفسها التي تحاكي الحقبة الزمنية ذاتها، كما ظهر تأثره بـغوردون ويلس، مدير الإضاءة والتصوير للسلسلة الشهيرة «العراب».
رُشح الفيلم للسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي في دورته السادسة والستين، كما نال ثلاث جوائز من مهرجانات عالمية مختلفة.
٭ مخرج سينمائي سوري
مالك نجار