«الملك أوبو» لا يجد إلا مصر مكاناً يليق ببشاعته

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: كتب الفرنسي ألفريد جاري (1873 ــ 1907) عمله المسرحي الأشهر «الملك أوبو» عام 1896، سخرية من أحد معلميه، الذي كان يمتلك خليطاً عجيباً من القبح والتفكير الضحل وانعدام الموهبة ــ استوحاها جاري من شخصية استاذه لمادة الفيزياء ــ هذه الصفات التي كانت انتقاداً للبرجوازية وقتها، أصبحت في ما بعد سمة أي ديكتاتور، خاصة وقد تصدّر مجانين السلطة المشهد في العالم القرن الفائت، ولا يزال بعضهم يعيشون بيننا حتى الآن.
من هنا تأتي أهمية النص المسرحي الذي كتبه جاري من خلال ثلاثيته «أوبو ملكا، أوبو عبداً، وأوبو زوجاً مخدوعاً»، والعملان الآخيران يستكملان حياة أوبو بعدما ضاعت منه السلطة وثار الشعب عليه، لكنهما لا يرتقيا إلى النص الأساس أوبو ملكاً. ويدور التساؤل الآن حول هذا النص الكلاسيكي، الذي كان بداية لانطلاق المسرح نحو مفهوم العبث، الذي لازم القرن الفائت وتطوّر على يد الكثير من المسرحيين ــ كُتبت المسرحية ليتم تمثيلها عن طريق الدمى، ثم أصبحت عن طريق الممثلين، وأصبح أوبو وما يرمز إليه منفصلاً تمامــــاً عن شخصــــية وعالم مؤلفـــه ــ والسؤال هنا، لماذا يتصدر «أوبو» المشهد المسرحي من حين لآخر، خاصة في اللحظات التي تعود فيها السلطة أو صاحبها بالأساس إلى المشهد السياسي؟
وإن كانت المسرحية في الغرب تتناول موقفاً من الأفكار المختلف حولها، أو المرفوضة، إلا أنها في عالمنا تصبح أكثر التصاقاً بالأشخاص، هذا الشخص السلطوي الذي يظهر في غفلة على خشبة الحياة السياسية. وقد تم مؤخراً تقديم العرض المسرحي «الملك أوبو»، على مسرح الجامعة الأمريكية في القاهرة. والمسرحية أداء: لطيفة فهمي، ناجي شحاتة، عماد غنيم، أمير العجمي، أشرف حبشي ورؤوف زيدان. معالجة درامية محمد محروس، تصميم بصري سايمون فيشر، كورال إيمي فريجة، ومن إخراج محمد هاشم.

الحكاية

تتناول المسرحية شخصية أوبو القائد العسكري والحاكم لإحدى المقاطعات، والضعيف الشخصية، الذي يصبح لعبة في يد زوجته، التي توحي له بقتل الملك والاستيلاء على السلطة، وينجح بالفعل في مؤامرته، ويفرض على الشعب كل ألوان العذاب، وبينما يهرب ابن الملك القتيل ووريث عرشه، وبمساعدة ملك البلد المجاور والشعب المقهور يسترد العرش مرّة أخرى، ويهرب أوبو وزوجته في حسرة، دون نسيان الأيام التي قضياها في القصر الملكي، ويحلمان بالعودة إلى هذه الحياة مرّة أخرى في أي مكان آخر. الشكل الساخر والهزلي هو قوام المسرحية ــ تأثر جاري بكل من «ماكبث» شكسبير، و«إنما الحياة حلم» للإسباني بيدرو كالديرون ــ بداية من الصفات الجسدية لأوبو، الذي لا يرقى أن يكون مهرجاً للملك في قصره، كذلك أحلامه وشراهته للطعام الغريب، واللعب كطفل ساذج، هكذا حلم ويريد قضاء وقته، الطعام واللعب والنوم، وإيذاء الشعب بفرض الضرائب وسجن المعترضين وسفك الدماء، طفل مشوّه يلهو بأرواح ومصائر البشر.

العرض المسرحي

تأتي المعالجة الدرامية والإعداد المسرحي للنص متماشية مع الروح الساخرة، الذي حاول جاري أن يبثها نصه، إضافة إلى تخليق الروابط التي تجعل النص متفاعلاً مع جمهور مصري، بداية من اللغة العامية، وبعض التعبيرات والإيماءات المتوافق عليها في مصر ــ خلق لغة إشارية متوافق عليها ــ وبينما تتغنى الشخصيات ببعض المقطوعات العربية والإنكليزية، كالملك القتيل وابنه، وملك الدولة المجاورة، كوسيلة جيدة لتقديم الشخصيات. لم يغفل النص تقديم نموذج الجماهير/الشعب، وللمزيد من السخرية يأتي رجل وامرأة في دور زوج وزوجة من فلاحي مصر، في لهجتهم المعهودة، وثرثراتهم التي لا تنتهي حول حال الدولة والملك الظالم وابن الملك الهارب في الجبال، ثرثرة وكأن العالم لا يعنيهما، وبطبيعة الحال سينتهي بلقاء حميمي، هـــــو التسلــــية الوحيدة في هذه الحياة. استند العرض أيضاً على سمة أساسية من التجريد الذي استنه ألفريد جاري، حيث يمر ممثل بعرض خشبة المسرح، يحمل لافتة في مواجهة الجمهور عليها اسم المكان الذي يدور به المشهد الجديد، كذلك الملابس التي لا تدل البته على طبيعة الشخصيات وفق مكانتها، ولكن وفق حالتها النفسية وطبيعتها.
من أفضل المشاهد تنفيذاً وأداء يأتي مشهد (المعركة) جيش أوبو في مواجهة جيش ابن الملك وملك البلد المجاور. الموسيقى والخطوات الإيقاعية، وساتر رقيق من البلاستيك الشفاف، حيث تغيم الرؤية قليلاً، وتتشوه أجساد الممثلين، إضافة إلى حركاتهم وخطواتهم، حالة مسرحية خالصة من الأداء المسرحي الجيد، الحركة والإيماء الموسيقى والألوان، لوحة تشكيلية متحركة، ومكتملة العناصر إلى أقصى حد.

أوبو يصل مصر

ومن خلال الجُمل الحوارية التي تربط بين الواقع المصري الراهن والنص المسرحي، من حيث غلاء الأسعار وما شابه، يأتي ختام المسرحية بعدما تمت محاصرة أوبو وزوجته، وأن الهرب هو مصيرهما الوحيد، فإلى أي مكان يذهبان؟ وكالعادة لا يستطيع أوبو التفكير أو اتخاذ أي قرار، تشير عليه الزوجة بالذهاب إلى الأرض الجميلة، فشعبها طيب ويتسم بالروح السامية والرقة والذوق والتأدب في التعاملات ــ الحس الساخر يعلو تماماً ــ فيتفقان على أن المكان الوحيد المناسب والملائم لاستئناف أحلامهما، هو بلا شك دولة مثل مصر.

«الملك أوبو» لا يجد إلا مصر مكاناً يليق ببشاعته
عُرضت على مسرح الجامعة الأمريكية في القاهرة

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية