الناصرة ـ «القدس العربي»: صادقت إسرائيل، أمس، في المرحلة التمهيدية على قانون تبييض المستوطنات، في وقت تستعد فيه السلطة الفلسطينية للتوجه إلى مجلس الأمن أو محكمة الجنايات الدولية لإبطاله.
ولم تكترث حكومة الاحتلال لتحذيرات محلية، ومن أوساط معارضة، ترى أن تشريع المستوطنات يقود إسرائيل لدولة ثنائية القومية تقوم على الفصل العنصري (أبرتهايد).
وتمت المصادقة على مشروع القانون في الكنيست بأغلبية 60 نائباً ومعارضة 49 وسط صراخ بعض رموز الكتل المعارضة في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) التي تدرك جيداً أن هذه مقدمة فعلية لضم الضفة الغربية المحتلة.
وهذا في الواقع ما كانت تضمره حكومات بنيامين نتنياهو اليمينية منذ 2009 حيث تهربت من المفاوضات بشكل منهجي ملقية الكرة في الملعب الفلسطيني.
ولا يشمل قانون تشريع السلب والنهب البند الخاص بمستوطنة (عمونا) التي توافقت مركبات الحكومة على نقلها لأراض فلسطينية أخرى بدلاً من هدمها أو الإبقاء عليها بخلاف قرار سابق حتى لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية.
وبأسلوب ساخر، قالت وزيرة القضاء أييلت شاكيد (البيت اليهودي) في الكنيست، أمس إنها تشكر حركة «السلام الآن» ومنظمات يسار إسرائيلية أخرى لمساهمتها غير المباشرة وغير المقصودة بمشروع الاستيطان.
وأضافت أن «الشوارع الالتفافية التي شقت في الضفة الغربية بعد توقيع اتفاق أوسلو قد ساعدت المستوطنين على توسيع مستوطناتهم وزيادة سكانها علاوة على أن معارضة اليسار للمستوطنات دفعت اليمين لحمايتها بهذا القانون».
من جهته، بادر رئيس المعارضة يتسحاق هرتسوغ، المتلعثم والضعيف، لتمزيق نص مشروع القانون، داعياً لتذكر هذا اليوم لأنه شهد « قانون بناء الدولة ثنائية القومية».
وتابع صراخه نحو الوزراء ونواب اليمين «تعرفون أن مشروع القانون هو غمامة سوداء ووصمة على جبين الكنيست وهو يهدد قادة الجيش وطابع الدولة».
لكن هرتسوغ لا يؤثر على القانون لأن الرجل لا يحظى بثقة الإسرائيليين الذين ينزحون نحو اليمين ولا يرون فيه بديلاً لنتنياهو.
وحقيقة إخراج (عمونا) من القانون الجديد تكشف المآرب الخفية لإسرائيل، فهي لم تكن سوى ذريعة ومقدمة لتشريع ضم كل الضفة الغربية وتحقيق كافة أطماعها بسياسة الخطوة خطوة، ضاربة بعرض الحائط المجتمع الدولي والأمم المتحدة.
من جهتهم، أعلن مستوطنو (عمونا) أنهم لن يبرحوا منازلهم القائمة على أرض فلسطينية خاصة استولوا عليها واتهموا الحكومة بخيانتهم. وحاول نتنياهو امتصاص غضبهم بالقول مجدداً إنه «يعي محنة المستوطنين في عمونا» منوها أن «مشروع القانون يتيح لهم البقاء على الجبل رغم اضطرارهم للانتقال» معتبرا ذلك «بشارة هامة «.
وكرر تلويحه بمشروع قانون السلب والنهب ليحافظ على صورته كيميني متشدد ويحول دون المزاودة عليه من قبل خصوم سياسيين حزبيين.
وقال بين السطور ما معناه أنه يفرط بماعز واحدة لينقذ كل القطيع ويحميه بسياج قانوني.
لكن انتهاكات نتنياهو التي يسكت العالم عليها مكتفياً بتنديد لفظي عابر تثير ردوداً أشد لهجة من قبل بعض الأوساط اليسارية كما يتجلى بموقف جمعية «ييش دين»، التي تؤكد أن «مشروع القانون حتى وإن لم يشمل البنود التي تتعارض مع محكمة العدل العليا، فهو يشكل انتهاكاً سافراً لحق التملّك ويهدف لسرقة أراضي الفلسطينيين ومن ثم ّ نقلها للمستوطنين الخارجين عن القانون».
وشددت الجمعية، في بيان، على أن «هذا القانون يمنع الفلسطينيين حتى من تقديم اعتراض قانوني أمام محكمة إسرائيلية على سرقة أراضيهم».
كما رأت أن «القانون هو خطوة هامة تقوم بها إسرائيل لضم الضفة الغربية المحتلة رغم تناقضها مع مبادئ الدولة الديمقراطية، والقانون الدولي»، داعية لإلغائه. وقدّم رئيس المجلس المحلي لقرية سلواد الفلسطينية، اعتراضاً لدى مجلس التنظيم الأعلى في الإدارة المدنية، على الخطة التي ستعتبر ثلاث قسائم محاذية للبؤرة الاستيطانية غير الشرعية «عمونا» «أملاكًا متروكة» ونقل مستوطني عامونا إليها.
وأوضح أن هذه الخطة التي بادرت إليها حكومة الاحتلال تهدف إلى إفراغ قرار المحكمة العليا القاضي بإخلاء عمونا حتى 24 كانون أول/ ديسمبر الجاري، من أي مضمون.
وحاجج الاعتراض الذي جرى تقديمه بواسطة المحامي شلومي زخاريا من الطاقم القضائي لجمعية «ييش دين» بعدم وجود أي أساس للادعاء بأن هناك «أهمية إقليمية» تبرّر الاستعمال الاستثنائي للقسائم الثلاث المذكورة.
وندد الفلسطينيون بشدة بتصويت الكنيست على مشروع القانون. ونقلت وكالة «فرانس برس» عن الوزير وليد عساف مسؤول ملف الاستيطان والجدار في الحكومة الفلسطينية، قوله إن مشروع القانون هذا من «أخطر القوانين التي اصدرتها إسرائيل منذ عام 1967، وهو قانون عنصري ومخالف لكل القوانين الدولية وبخاصة ميثاق روما لحقوق الإنسان» . وأضاف « لدينا الآن خياران: التوجه إلى مجلس الأمن أو إلى محكمة الجنايات الدولية لأن هذا القانون العنصري أصلا يتنافى مع القانون الأساسي الإسرائيلي». وتابع عساف «لأول مرة في التاريخ تجري محاولة تشريع قانون لسلب أراضي من أناس يعيشون تحت الاحتلال ومنحها للمحتلين».
ونددت الحكومة الفلسطينية بالتصويت، معتبرة في بيان عقب جلستها الأسبوعية الثلاثاء، أن من شأنه شرعنة الاستيطان.
وقالت الحكومة إن هذه الخطوة تؤكد أن «إسرائيل اختارت منذ زمن بعيد المضي في ترسيخ مشروعها الاستيطاني العنصري، وإحكام سيطرتها على الضفة الغربية، وانتهاكها للقانون الدولي والإنساني، ولقرارات الشرعية الدولية وهي تشاهد المجتمع الدولي يقف عاجزاً عن تطبيق قراراته، ويواصل معاملتها كدولة فوق القانون». كذلك، دانت الخارجية الفلسطينية التصويت، ورحبت في الوقت نفسه بـ»التصريحات الدولية المنددة بالاستيطان خاصة التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قبل ساعات من إقرار هذا المشروع العنصري بالقراءة التمهيدية والتي اتهم فيها حكومة الاحتلال بإحباط جهود السلام مع الفلسطينيين وتقويض حل الدولتين».
وفي ذات الوقت أكدت الوزارة أن «هذا التصريح لكيري وإن جاء متأخراً وفي ربع الساعة الأخيرة من عمر إدارة أوباما إلا أنه يُحمل وبشكل واضح الحكومة الاسرائيلية المسؤولية الكاملة عن تعطيل المفاوضات وتدمير فرص السلام». وطالبت الخارجية «الإدارة الأمريكية ترجمة مواقفها الى خطوات عملية من شأنها إنقاذ حل الدولتين وفرص السلام بما يضمن الوقف الفوري للاستيطان من خلال الاعتراف الأمريكي بدولة فلسطين ودعم مشروع القرار الخاص بالاستيطان في مجلس الأمن».
من جهتها، اعتبرت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حنان عشراوي أن التصويت الإسرائيلي «جريمة جديدة وسرقة فاضحة، ومقدمة لضم أراضي الضفة الغربية، التي صنفت على أنها مناطق(ج)، وحصار التجمعات السكانية الفلسطينية في معازل مغلقة ومحاصرة بالمستوطنات والمستوطنين».
وأشارت إلى أن «استمرار الإدانات اللفظية للمجتمع الدولي، وعدم إقرانها بعقوبات واضحة ومؤثرة على حكومة اليمين العنصري المتطرف، أدت وستؤدي إلى تدمير أساس وروح التسوية السياسية التي استثمر فيها المجتمع الدولي».
أما الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، مصطفى البرغوثي، فاعتبر التصويت «إعلان حرب شاملة على الشعب الفلسطيني وعلى فكرة السلام وحكم إعدام على الدولة الفلسطينية المنشودة».
وقال: «لم يعد هناك شيء مستغرب من اسرائيل التي تحكمها حكومة فاشية قررت تكريس منظومة الأبارتهايد والاضطهاد العنصري وشرعنت ممارسة اللصوصية على الأراضي والممتلكات والمصادرالطبيعية الفلسطينية، ولم تكن هذه الحكومة قادرة على فعل ذلك لولا التطرف العنصري الذي يميز المجتمع الإسرائيلي الذي يواصل دعم هذه السياسات المتطرفة والعنصرية وانتخاب أصحابها».
وتبين قضية تشريع السلب والنهب بشكل واضح سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض، وهي سياسة تقليدية تعتمدها إسرائيل منذ عقود بل منذ غزت الصهيونية فلسطين قبل قرن ونيف.
وباعتماد هذه السياسة ضاعفت دولة الاحتلال عدد المستوطنين ثلاث مرات منذ توقيع اتفاق التسوية والسلام في أوسلو عام 1993 حيث بات عددهم نحو 550 ألف مستوطن يقيمون في 120 مستوطنة وفي نحو 100 بؤرة استيطانية تشكل كافتها جريمة وفق القانون الدولي. ويفترض أن يخلص الجانب الفلسطيني للاستنتاج السليم من هذا القانون، دوافعه ودلالته، والتقدم نحو إعادة ترتيب البيت الداخلي والاستعداد لمرحلة نظام الفصل العنصري السافر والرسمي. وهذا يقتضي استبدال هوس المفاوضات المزمن كي لا يبقى الاحتلال سهلا ومريحاً وبلا ثمن، فإسرائيل باعتراف وزيري التعليم الراحلين شولميت ألوني ويوسي سريد، لا تفهم سوى لغة القوة ولا يوجد فيها اليوم ما يشي بأفق سياسي جديد في ظل معارضة ضعيفة.
ولا شك أن إسرائيل تستغل اليوم أكثر من أي وقت مضى حالة الشلل الفلسطينية نتيجة الانقسام وبقاء احتلالها مجانيا، علاوة على الانهيارات الدولية والعربية وانشغال العالم بمشاكله وتغليبه اعتبارات المصالح.