في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالنتائج التي ستتمخض عنها معركة الموصل وتداعياتها محلياً وإقليمياً ودولياً، يكثر الحديث في الوقت نفسه عن مبادرةً سياسية جديدة يعتزم رئيس المجلس الأعلى السيد عمار الحكيم طرحها خلال الأيام القليلة المقبلة، كمبادرة سياسية تسعى إلى لملمة البيت العراقي المشتت، من خلال جمع كل الأطراف العراقية، سواءً المشاركة في العملية السياسية أو المعارضة لها، حول مشروع سياسي شامل وجامع يخفف من حدة ووطأة التحديات المقبلة التي ستفرزها مرحلة ما بعد «داعش».
ورغم أن هذه المبادرة لم تكن الأولى في طرحها ونهجها، إذ سبقتها مبادرات سياسية عديدة، تمثل أولها بمؤتمر القاهرة للوفاق الوطني العراقي في ديسمبر 2005 الذي أقيم تحت رعاية الجامعة العربية، إلا أن مقررات هذا المؤتمر سرعان ما ذهبت في مهب الريح، نتيجة تأزم الوضع الطائفي في العراق عام 2006، وتبعتها مبادرات سياسية أخرى انبثقت عنها مشاريع سياسية عدة كـ(وثيقة مكة في اكتوبر 2006 ووثيقة الشرف في ابريل 2016)، إلا أن جميعها باءت بالفشل نتيجة تنصل القوى السياسية العراقية عن التزاماتها ووعودها.
وبالحديث عن التسوية التاريخية التي يعتزم السيد عمار الحكيم طرحها خلال الفترة المقبلة، يبرز الكثير من التساؤلات والنقاشات حول هذه المبادرة، وما ستقدمه لإنجاح العملية السياسية في بلد يعاني من تأزم مزمن، سياسياً وأمنياً واقتصادياً. فمن القراءة الأولى لفقرات ومواد هذه المبادرة يتضح أنها تختلف عن سابقاتها، من حيث أنها اعتمدت مبدأي العمومية والشمول، لمعالجة كل المشاكل التي يعاني منها العراق وتحديداً موضوع أزمة الحكم ونظام تمثيل المكونات وإدارة الدولة، وأن الأساس الذي تقوم عليه هو إيجاد عقد اجتماعي جديد يقوم على أساس المواطنة والهوية والانتماء، والتأكيد على مفهوم دولة المؤسسات، واعتماد مبدأ المساواة في التمثيل، وجعل الالتزام بهذه التسوية يقوم على عدة مسارات تبدأ بالمصارحة والمكاشفة وتنتهي بعقد اتفاق سياسي شامل برعاية أممية وأوروبية وإسلامية وعربية، وفضلاً عما تقدم، فقد وضعت هذه التسوية عدة مبادئ رئيسة منها:
الالتزام بهذه التسوية يكون شاملاً وعاماً.
التأكيد على مبدأ لا غالب ولا مغلوب أي ( لعبة غير صفرية) انطلاقاً من قاعدة الكل رابح.
اعتماد مبدأ تصفير المشكلات والأزمات التي طالما أرقت العملية السياسية العراقية منذ عام 2003.
إنهاء مفهوم العنف والظواهر المسلحة كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية.
عدم وضع خطوط حمر على الجهات المشاركة في هذه التسوية.
مقابل هذا كله يبرز العديد من الإشكاليات التي يمكن أن تشكل تساؤلات عامة قد تقف عائقاً أمام نجاح هذه التسوية من أبرزها:
أولا: لا يخفى على أحد إن التحديات التي ستفرزها مرحلة ما بعد «داعش» ستكون كبيرة جداً، بل هي أكبر من قدرة القيادات السياسية العراقية على استيعابها، التي ستنعكس بصورة مباشرة على المشهد السياسي العام، ما قد يؤخر طرح هذه المبادرة في الوقت المناسب، فضلاً عن أنها قد تطرح متغيرات جديدة، قد تعيد صياغة هذه المبادرة من جديد.
ثانياً : على صعيد الوسط السني ستشهد المرحلة المقبلة تنافساً سياسياً طاحناً بين القيادات السنية التقليدية (الحزب الإسلامي وإئتلاف متحدون) وبين القوى السنية الصاعدة (جناح عبدالرحيم الشمري وعبدالرحمن اللويزي والجناح الذي يتزعمه خميس الخنجر)، ما يعني طرح إشكاليات جديدة امام التحالف الوطني في موضوع اختيار الجناح الذي تتفاوض معه باسم السنة.
ثالثاً: رغم أن المبادرة أشارت في خطوطها العامة «ألا عودة لحزب البعث ولا حوار معهم»، إلا أن الكثير من المصادر من داخل التحالف الوطني أشارت إلى أن المبادرة الجديدة لن تتحاور مع حزب البعث كتنظيم حزبي، ولكنها ستتفاوض مع البعثيين (جناح عزة الدوري وجناح محمد يونس الأحمد) كأشخاص، إلى جانب ذلك أشارت المصادر إلى أن هذه المبادرة ستشمل فتح باب الحوار مع وزير المالية الأسبق رافع العيساوي ونائب رئيس الجمهورية الأسبق طارق الهاشمي. وفضلاً عن هذا كله أشارت التسوية إلى أن المصالحة ستكون مع الجميع، سواء المشاركين في العملية السياسية أو المعارضين لها، حتى الفصائل والجماعات المسلحة، وهنا يبرز الحديث عن الفصائل السنية المسلحة كـ(الجيش الاسلامي، كتائب ثورة العشرين، جيش المجاهدين، انصار السنة، جيش رجال الطريقة النقشبندية… الخ ) بالاضافة إلى (هيئة علماء المسلمين) التي تعد الممثل الشرعي لكل هذه الفصائل المسلحة، أو على الأقل البعض منها، وهذا ما يعني أنه من أجل جلب هذه الأطراف إلى طاولة المفاوضات، تقديم الكثير من التنازلات أقلها، تعديل بعض مواد الدستور التي تحظر الحوار مع هذه التنظيمات، ما يعني الدخول في أزمة دستورية جديدة قد تدخل البلاد في خندق المجهول.
رابعاً: لا بد من الإشارة الى أن الهدف من هذه المبادرة هو الحفاظ على الوحدة الوطنية العراقية ضمن العراق الموحد، وبالتالي فإن المشكلة الكبرى التي ستواجه القائمين على هذه التسوية هي في ثني القادة الكرد عن حلم الدولة المستقلة، التي لا أعتقد أنها ستنجح مهما كان حجم التنازلات التي ستقدم للاكراد، فالكرد أقاموا تجربة سياسية يزيد عمرها عن 25 عاماً، ولطالما تشير تصرفات قادتهم إلى إيلاء موضوع تشكيل كيان كردي مستقل في شمال العراق أهمية قصوى ترقى إلى أن تكون قضية مركزية في العقلية الكردية لا يمكن أن تخضع للمساومة والمهادنة.
خامساً: الخطاب السياسي الصلب الذي من المتوقع أن تتبناه الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب، الذي من الممكن أن يعصف بكل الترتيبات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الوسط، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني والملف السوري واليمني، واحتمالية انعكاساتها السلبية على الساحة السياسية العراقية.
سادساً: إن نجاح هذه التسوية الشاملة يعني عملياً ظهور ظاهرة جديدة على الساحة السياسية العراقية والمسماة بـ(الثلث المعطل) التي تقترب إلى حد كبير من النموذج اللبناني، وهذه يعني إنتاج صيغة جديدة من التوافقات السياسية تقوم على أساس الرضا العام لجميع المكونات، دون إرضاء كتله على حساب غيرها.
سابعاً: أعتقد أن الرابح الأكبر من هذه المبادرة هو إيران، إذ أشارت الكثير من المصادر إلى أن أجهزة جمع المعلومات الإيرانية في أمريكا سربت الكثير من المعلومات عما يمكن أن تفعله الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب في العراق، ومن ثم فهي تسعى إلى إنجاح هذه المبادرة لتحصين نفوذها السياسي في العراق، ومنع أي خطوات أمريكية قد تحجم هذا النفوذ، وهنا ينبغي على القائمين على هذه المبادرة التأكيد على عراقيتها، وجعل المصلحة الوطنية العليا الجامع الحقيقي لكل الأطراف المفترض مشاركتهم فيها .
من خلال ما تقدم، تؤطر المقالة مجموعة من التوصيات سبيلاً لبناء دولة عراقية حقيقية قائمة على اساس العدل والقانون، وأن يكون تنفيذها مقدمة لإي مشاريع وتسويات تطرح هنا وهناك ومن أهمها :
ـ قيام حكومة عادلة ديمقراطية لا فئوية ولا طائفية ولا قومية تجمع العراقيين كلهم وتجعل العدل والإحسان أساسها، وتشجع من خلال سلوكها المتسامح والمتحضر الانسان العراقي على التطلع لمستقبل يعيش فيه حراً هو والأجيال التي تأتي بعده.
ـ على القوى السياسية أن تكون بالمستوى المطلوب في بث الوعي السياسي بين الناس، فتكون أدوات حضارية في غرس المواطنة لا سبيل لتمزيقها وتشويهها ونشر ثقافتها وقيمها، بما لها من تأثير كبير في تأسيس الهوية الوطنية العراقية، فضلاً عن ممارسة النخب المثقفة لدورها في نشر ثقافة اللاعنف والتسامح بين الناس.
ـ إعادة الاعتبار للهوية العراقية، من خلال تأكيد روح المواطنة وتغليبها على الولاءات الضيقة، وتغليب الحوار والتسامح.
ـ النهوض بالواقع الاقتصادي العراقي، ووضع نظام مالي صحيح يحقق توزيعا عادلا للثروة والتخلص من آفة البطالة الموجودة في قطاع العمل.
ـ اعتماد سياسة حسن الجوار.
ـ اجراء تعديل على دستور عام 2005 ليواكب الضرورات الجديدة، وإزالة الغموض من بعض نصوصه وتطبيق نصوصه بصورة واضحة لا الالتفاف عليها.
ـ الابتعاد عن المحاصصة الطائفية والسياسية والالتزام بمعايير العدل والموضوعية والكفاءة، وضمان المشاركة العامة في عملية اتخاذ القرارات وصنع السياسة العامة، ونبذ جميع سياسات الاقصاء والتهميش والتمييز، واحترام حقوق الانسان بما يضمن للجميع حرية التعبير عن معتقداتهم وآرائهم وشعائرهم في ظل القانون.
ـ التأكيد على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازن هذه السلطات والرقابة المتبادلة.
ـ العمل على تطوير القضاء وإناطة مهمة الرقابة الدستورية لمحكمة دستورية خاصة وخضوع أعمال الدولة كافة لرقابة القضاء وعدم تسيسه وبالأخص الأعمال التي تمس حقوق المواطن.
ـ على الحكومة التعاون مع مجلس النواب لوضع معايير قانونية لإعمالها وعلى الحكومات اللاحقة أن تبتعد عن المساس بحقوق المواطن العراقي، ما يؤدي إلى تعزيز المواطنة الحقيقة ويدخل ضمنها معايير كبيرة أهمها إجراء انتخابات حقيقية بإشراف دولي ويكون الترشيح والتصويت للوطن.
ـ إعادة صياغة آليات التوافقية سواء أكانت المثبتة في الدستور أم في قوانين الانتخاب، أم ما ورد في العديد من الاتفاقيات، التي تحكم العلاقة بين الكتل السياسية من أجل فك القيود للتوافقية ومحاولة للوصول إلى نماذج مقاربة لما هو مطبق في الدول التي نجحت فيها.
ـ تشجيع منظمات المجتمع المدني على القيام بدورها كشريك ثالث في عملية بناء المواطنة والتحول الديمقراطي والاضطلاع بمسؤوليتها الاجتماعية والاقتصادية وتفعيل دور الرأي العام وحث الناس على المشاركة في الحياة العامة.
والسؤال الذي نطرحه برسم الإجابة، هل هناك إمكانية لتشكيل نخبة سياسية جديدة تتخذ من التوافق السياسي منطلقاً لها ومن الدستور وتصويب ثغراته أساسا وتقيم علاقات متوازنة ومتكافئة مع دول الجوار والعالم، ويكون مضمون هذا المشروع خدمة الإنسان واحترام حقوقه وتعدديته ومشاركته، وبناء دولة المؤسسات والقانون القائمة على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات، وإذا كانت التسوية التاريخية المرتقبة تتضمن ذلك، فينبغي تغليفها بضمانات سياسية وقانونية، لكي لا تكون مثل سابقاتها. بلا شك أن المستقبل سيجيب على هذا السؤال أو الأسئلة ولكنه باعتقادنا أفضل الحلول لبقاء العراق متماسكاً وقوياً وموحداً ومستقراً ومزدهراً.
باحث عراقي
د. فراس الياس