قال: كيف تصف نفسك بالشيخ، وتصف بعض الشيوخ القدماء بالأساتذة؟
فأقول: الأستاذ في ميدان العلم، أكثر رقيا، عندي، من الشيخ. وتفضل معي:
الشيخ: الكبير في السن. قيل كل من تجاوز الخمسين من العمر. وله جموع كثيرة أشياخ وشيوخ ومشيخة مع تغيير حركات الميم والشين ومشايخ، وغيرها. واطلقت اللفظة على المرأة فقيل شيخة. هذا معظم ما تراه من معاني لفظة (الشيخ) في معجمات اللغة.
وأما قولهم (شيخ القبيلة) فهو تغيير للفظ (رئيس القبيلة) و(ملك القبيلة) أيضا ثم أزيلت هذه الألفاظ واستقر لفظ الشيخ والشيوخ.
ومن بعد ذلك أطلق على المشتغلين في علوم اللغة والمسائل الدينية، احتراما.
أما الأستاذ فقد قالوا إنه من المعرب والدخيل. ونجد في الفارسية (أستاد) بالدال لا بالذال، بمعنى المعلم والمدرس والعالم.
واستعمله العرب في الأزمنة الحديثة وصفا لمن توفرت فيه شروط معينة من مدرسي الجامعات، منها توفر عدد من سنيّ الخدمة الجامعية وعدد من المؤلفات والبحوث المرتضاة من لجان الترقية الوظيفية. كما استعملوه، مجازا، في غيره، احتراما واعترافا بالفضل والعلم.
وفي الأزمنة الحديثة، أيضا، أخذنا مصطلح (دكتور) لمن حاز على شهادة الدكتوراه. ثم تطور هذا إلى (الأستاذ الدكتور) ومن بعد ذلك ألحقت أوصاف أخرى بحامل تلك الشهادة.
في مطلع الشباب كنت متأثرا بنشاط التعريب الذي كان سائدا في الجزائر. فدعوت إلى الاستفادة من مصطلح (شيخ) لحامل الدكتوراه، و(الأستاذ الشيخ) بدلا من (الأستاذ الدكتور). وأشرت إلى وصف ابن سينا بـ(الشيخ الرئيس) وإمكانية إطلاقه على من وصل إلى مستوى عال من العلم الجدير بصفته. وقد اعترض علي من قال: إن لفظة الشيخ صارت تطلق على حكام ورؤساء دول وشيوخ قبائل ورجال دين. وهو اعتراض صحيح، فقد تغيرت دلالة هذه الألفاظ، وصار من العسير العودة عنها في الظروف الحالية. فلم أجد مناصا من التوقف عما كنت أدعو إليه، مع بقاء اقتناعي بصوابه، نظريا.
وتفرع عن هذا ما كتبه أحدهم يوما من أن لفظة (أستاذ) ذاتها أعجمية وأخذناها بانفتاح لغوي، فلماذا ننغلق عن مصطلحات علمية عالمية: الليسانس والبكالوريوس والماجستير أو الماستر والدكتوراه والدبلوم وغيرها؟ وفات القائل أن لفظة (أستاذ) ليست من مستوى هذه المصطلحات، فالآخذون بهذه المصطلحات من الغربيين قالوا (بروفيسور) ونحن نقول: (أستاذ). كما فاته أن يعلم أن مصطلح (أستاذ) له في أبواب الاشتقاق في اللغة العربية ملاذ.
ومن العلماء القدماء من قال: كل ما صيغ على وفق كلام العرب فهو من كلام العرب. وليس كذلك تلك المصطلحات. وقد تعترض فتقول: هذا رأي أولئك العلماء ولسنا ملزمين به. غير أن هذا الاعتراض يشمل المعترض أيضا: فالقدماء هم الذين قالوا إن لفظة (أستاذ) أعجمية. فلسنا ملزمين به، إذن. وقد تقول: إن الألفاظ العربية لا تبدأ بهمزة مضمومة وكل ما جاء بهمزة مضمومة من الأسماء فهو أعجمي معرب مثل أُفعوان، وأُرجوان، بضم الهمزة، وغيرهما. (هذا نص ما قاله أحد الكاتبين) فأذكرّك هنا بلفظة (ألعبان) بضم الهمزة للكثير اللعب، ولا أظنك تجرؤ على القول إن (لعب) أعجمي معرب. وأما إذا قلت بذلك، فقد سبق لغيرك أن قال إن لفظة (قرآن) أعجمية معربة، مما لا نحتاج إلى المحاورة معه، في هذا النص. وثمة أمور أخرى، لا يتسع المجال لها.
ومن كل هذا (وغيره) أرى أن استعمال كلمة (أستاذ) أعمّ دلالة من استعمال كلمة (شيخ) حين تطلق على الباحثين والعلماء. أما المتقدمون من العلماء القدماء، فلم يوصفوا بالشيوخ، إذ أغنت أسماؤهم عن توصيفهم، فقولك: الخليل بن أحمد، مثلا، يغنيك عن وصفه بالشيخ. ولن تخطئ إن قلت: الشيخ الجليل الخليل بن أحمد، احتراما كما تحترم كبار السنّ من أفاضل الناس. فإن قلت (الأستاذ) فقد أوضحت أن منزلته عندك أكثر رقيا، أما إن قلت: الأستاذ الشيخ، أو الشيخ الأستاذ فقد ارتقيت به إلى مصاف قلّ مَن يناله بجدارة.
* باحث عراقي ـ لندن