الشعر اليوم

حجم الخط
7

إن قلت إن الشعر جينة من جينات الإنسان فقد لن يصدقني أحد، لأن البشر أنواع هناك من يحب الشعر وهناك من لا يعني له شيئاً، وآخرون ربما يكرهونه. لكنني أعتقد أن الإنسان مهما نفرت نفسه من الشعر لصعوبة لغته أو سطحية معانيه أحيانا فإن التربية والتوجيه يجعلانه يسلك سلوكا فيه شعر.
قبل أن أكتب القصيدة وأنغمس في عوالم الشعر أحببت الألوان والأثواب الملونة والأناقة والجمال، أحببت معلماتي الأنيقات الباذخات في التهذيب وقول الأشياء بشكل مختلف، وقد كانت تلك كلها إشارات منذ بواكير عمري بأن يكون قدري من بين أقدار الشعر. كبرت وكبرت في نفسي تلك البذور الصغيرة التي تشبه حبوب الفاصولياء السحرية التي عانقت السماء في أسطورة قديمة لتطال مملكة العملاق مالك كنوز الذهب. ووجدتني سعيدة في هذه المملكة، مع عملاق الشعر الذي ليس من السهل ترويضه وأخذ كنوزه من بين يديه.
اليوم تفتح سجالات كثيرة حول موضوع أين الشعر اليوم؟ هل انتهى؟ هل يحتضر؟ هل يعود؟ هل ينبعث من قبره؟ ولماذا لا يقبل الناس على الشعر؟ وأسئلة كثيرة تشبه الإجابات عنها التكهنات بحظوظ الناس ومستقبلهم؟ فلا إجابة شافية، ولا نظرية نهائية للموضوع.
هل انتهى؟
لا أرى أنه انتهى، فعمر الشعر قصير مقارنة مع عمر الإنسان على هذه الأرض. وما يبدأ في سلوك البشرية جمعاء يصعب أن ينتهي بسرعة بل يتطور، وإن تأملنا في عمر اللغة فسنجدها أيضا معطىً شابا مقارنة مع عمر الإنسانية طبعا، وتطور اللغة في نظري هو الذي أنجب الفنون القائمة عليها، ومنها الشعر. والشعر أنجب فنونا أخرى، أو تناسل معها وأنجب أشكالا جديدة من الإبداع. والشعر اليوم موجود في حياتنا في الأسماء الجميلة التي نختارها لأبنائنا، في الموسيقى التي نبحث عنها في تلك الأسماء، الجميع يريد أسماء غير تلك الأسماء الطويلة الثقيلة على اللسان، الكل يبحث عن أسماء تحرك قلوبنا ومشاعرنا مثل «رهف، وراجي، وجنا، وميّا، ولانا» وغيرها من الأسماء، على سبيل المثال لم نعد نسمع أسماء كالتي كنا نسمعها سابقا مثل عبد المعطي، عبد الجبار، عبد القوي، مع أنها قائمة على حديث يقول أجمل الأسماء ما عُبِّدَ وحُمِّدَ. لم نعد نسمع باسم جاد الحق لكننا نسمع باسم جاد، اختصر الاسم ليصبح أكثر خفة على اللسان، وأجمل إيقاعا. قد نختلف في الموضوع وقد نتفق لكن ما أريد قوله هو أن الشعر حتى إن بات تراجع عن ساحاتنا الأدبية وقل الإقبال عليه جماهيريا إلا إنه ينتعش في نفوسنا. الأكثر من ذلك أن الشعر لم يتراجع أدبيا أيضا، ولمن يقول إن هذا الزمن زمن الرواية، نقول إن القارئ، خاصة القارئ العربي، أثبت أنه يجنح نحو الرواية الشاعرية، أو التي تزخر بالشعر، وأشهد بأني واحدة من هذا الجمهور الذي يجد متعته في قراءة رواية يحضر فيها الشعر أكثر.
تبدو تلك الروايات أكثر جمالا وكأنها إناث متأنقات رشيقات، مشرقات، هناك سر في تلك اللغة التي تنساب على طريقة الشعر حين تزين طبقات السرد وتلون شخصيات وأماكن الروايات بألوان بديعة. الشعر يدخل نوعا من الإيقاع على محتوى الرواية، يشبه الموسيقى التصويرية في الأفلام، لا يمكننا أن نستمتع بفيلم خال من الموسيقى، وإن أحببناه، والروايات هكذا، بعض الروايات نجحت فقط بسبب لغتها الشعرية مثل روايات أثير عبد الله التي تنافس روايات أحلام مستغانمي ومحمد حسن علوان، وعلى فكرة كلاهما أصدر عدد طبعات فاق العشرين طبعة لبعض العناوين، لكن إعلاميا يتخفيان وكل لأسبابه، وأعتقد أن محمد حسن علوان المقيم في كندا إن لم أخطئ لديه انشغالاته، ولا أعرف أي شيء عن أثير سوى ما قرأته لها.
خيارات الجمهور هنا تقول إنهم بحاجة إلى شعر، والشعر وحده يلبي تلك الرغبة الدفينة التي تحرك ذائقته.
نتهم الجمهور العربي بأنه يحب بطنه وأن كتب الطبخ هي الأولى على مستوى العالم العربي حسب المبيعات، طيب هل أمسك أحد مثقفينا كتب الطبخ هذه وتأملها من الغلاف إلى الغلاف؟ هل تأمل صور الطبخات؟ والمقادير لكل طبخة، وأسماء الأعشاب والبهارات التي توضع في كل طبخة ومن أين تحضر هذه البهارات والأعشاب؟ لن أخفي عنكم سرا ثانيا، وهو أني عاشقة للمطبخ الفخم، وتذوق أكلات كل بلد أزوره من أستراليا إلى أوروبا إلى أمريكا إلى كل بلدان آسيا التي زرتها إلى شمال أفريقيا إلى تونس التي أحضر عرسها الشعري اليوم. لن أخفي عنكم أن الطبخ في حد ذاته قصيدة، وأن الطبخة التي لا تحضر بحب وفن لن تنجح ولن يكون مذاقها رفيعا لدرجة جعلنا نردد كلمة «الله» بعمق وكأننا نصلي. الطبخ فن أيها السادة،
قطعة اللحم لها طريقة كيف تقطع وكيف تطهى وكيف تطعم بأعشاب تليق بها، وكيف ترش ببهارات تجيء من آخر الدنيا ليتذوقها شخص يفهم بالأكل. لا أحب فكرة أن الأثرياء هم الذين يتفلسفون بشأن الأكل ويلجأون للمطاعم الفخمة التي تبالغ في تقليص اللقمة وتكبير السعر، وأننا شعب فقير «يا دوب يشبع» وما نحتاجه هو قطعة خبز وطبق يجعلنا نشبع. كل الأكلات الشعبية المنتشرة في العالم غزت المطاعم الفخمة، وكلها كسرت قاعدة أن للفقراء نوعا من الأكل وأن للأثرياء نوعا آخر،
فالطباخ الشاطر تجده يحضر الأكلة ويقدمها لك وكأنه يقرأ لك قصيدة، وهنا أذكر طبخات أمي، وكيف تزين لنا طاولة الأكل، وكيف تجعلنا نبدأ بالبسملة وننتهي بحمد الله، وكيف تحكي لنا تفاصيل يومها وكيف حضرت طبختها وأن هذه طبخة بروين مثلا أو طبخة أمينة المفضلة أو أي شيء آخر.
كل وجبة كانت حكاية في حدّ ذاتها، وكل «جمعة» حول مائدة الطعام كانت قصيدة من تأليف أمي، تلقيها بمحبة وبصوتها الذي لا يمكن مقارنته حتى مع أجمل سمفونيات عباقرة الموسيقى. بيتنا كان بسيطا، وأكلنا كان دافئا وطيبا ولذيذا، لأن أمي أرادته كذلك. طقوس بدء الأكل بتلك القدسية جعله طقسا مميزا، وهذا نوع من الشعر يا سادتي الكرام، نحن نولد شعراء وحسب رهافة حسنا ونعومة مشاعرنا نعيش هذه الحياة ونحول أيامنا إلى قصائد وحكايات تملأ تاريخنا. ممنوع أن نقول إن الشعر انتهى. ممنوع أن نقتل الشعراء بهذه المقولات القاتلة، لأن الشعر موجود حتى في الخبز والزيت، الشعر موجود في الشارع والحدائق، ولا تقولوا ألا حدائق اليوم في عالمنا، النبتة تشق الصخر وتخرج من ركام الحرب وتعطي زهرة نكاية في المقاتلين وصناع الحروب. تلك الزهرة بين الركام هي شعر الله.. هي رسالته العظيمة للقلوب التي يخيفها الموت لتتمسك بالحياة إلى أن تحين ساعتها.
هذه بالمختصر كلمتي عن الشعر… وأتمنى أني قلت ما هو مختصر مفيد وفتحت نوافذ كثيرة لتقولوا أنتم أكثر.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

 

الشعر اليوم

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية