جاء في البروتوكول الثاني من بروتوكولات حكماء صهيون: (وسنختار من بين العامة رؤساء إداريين ممن لهم طباع العبيد ولن يكونوا قادرين على الحكم ولذلك سيكون من السهل أن يكونوا قطع شطرنج ضمن لعبتنا في أيدي مستشارينا الحكماء الذين يحكمون العالم).
قد يظن القارئ للوهلة الأولى أن هناك خطأ مطبعيا، ويعتقد أنني أقصد التجنيد الإجباري لكن نحن في فلسطين لا نعيش في دولة مستقلة أبدا ولا نملك السيادة ولا نملك الاقتصاد ولا نملك أي شي حتى نكون أصحاب قرار في تجنيد الشباب لجيش يحترم نفسه وقادر على حماية شعبه والدفاع عن أرضه.
إنني أقصد التجنين بمعنى تعمد إصابة الشعوب العربية بالجنون خصوصا الشعب الفلسطيني القابض على وطنيته منذ 1948 وإلى اليوم كالقابض على الجمر تماما، فالوطن عندنا له قدسية تشبه قدسية الدين رغم كفر البعض بالوطن والقيادات لأسباب مختلفة عبر العقود الماضية ولكل مواطن تجاربه الخاصة ومبرراته.
كم كنت أتمنى أن أكتب عن التجنيد وأن أدعو للتجنيد وأنا واثق أنه سيكون تطوعيا وليس إجباريا وبنفس مفتوحة وبكل شجاعة لأن الهدف سيكون هو تحرير الأرض المحتلة من الاحتلال الصهيوني بقيادة شريفة مخلصة لله وللوطن. لكنني وبلا وعي أكتب عن التجنين الإجباري اليومي الذي نعيشه يوميا بسبب الأزمات المفتعلة والمتعمدة الهادفة إلى شل قدرتنا على التفكير وحتى شل قدرتنا على التأقلم مع أقسى الظروف، فمن يخضع للاحتلال يعيش أجواء حرب واقتصاد حرب وأجواء حصار، ويجب أن يبرمج نفسه على التأقلم مع أبسط الإمكانيات ومع أقسى الظروف حتى يصمد في مواجهة المحتل. ولكن هناك فرقا شاسعا ما بين التأقلم على الذل وما بين التأقلم على الظروف الصعبة عنادا وتحديا للاحتلال، وإن القائمين على تلك الأزمات المفتعلة يريدون أن يحرمونا من شرف الصمود والتحدي، ويريدون توصيل الناس إلى مرحلة الكفر بكل شيء واليأس والقنوط والإحباط فلن تجدي كل كلمات النصح لإنسان احترقت أعصابه مئات المرات، ولن تنفع كل نصائح التحلي بالصبر لأم احترق دمها وأعصابها بشكل يومي بسبب الأزمات المتلاحقة التي يعيشها الإنسان العربي والإنسان الفلسطيني. وهنا وفي هذه الحالة تتقاطع أهداف اليهود الذين يتحكمون في العالم مع أهداف القيادات التي صنعوها وأصبحوا أدوات لهم يحكموننا ويتحكموا في مستقبلنا، ووصل الشباب بالذات إلى مرحلة اللاعودة من اليأس والقنوط والإحباط والكفر بالمجتمع كله خصوصا الخريجين، وأصبحوا مستعدين للانضمام لأي تنظيم إرهابي يذبح الناس ويفجر نفسه ليس انتصارا للدين الإسلامي البريء منهم وإنما لأنهم حاقدون على كل شيء بسبب الظروف، وهذه هي المعادلة الخطيرة التي يريد منا أولئك المخططون لحكم العالم أن نصل إليها وبعد كل ذلك يأتي من يتشدق بالحريات ويصف الإسلام بالإرهاب
لو ضربنا المثل في التيار الكهربائي في قطاع غزة فقط فلا يوجد برنامج منتظم ودقيق للقطع والوصل، ولا يمكن لأي شخص أن يتنبأ بحالة الكهرباء المقبلة تماما كحالة الطقس علمها عند الله فقط مع فارق أن الكهرباء علمها فقط عند المسؤولين عن القطع والوصل بلا مبرر وبلا سبب وبشكل متعمد ومفتعل، ونحن جميعا يمكن أن نتعود على برنامج 6 ب 12 أو 6 ب 6 أو 8 ب 8 لأننا نتأقلم ونبرمج أنفسنا على التكيف مع أسوأ الظروف، وهذه البرمجة الوطنية نابعة من ثقافة التحدي والعناد التي توارثناها عبر العقود الماضية على أساس إننا نكذب على أنفسنا ونقول إن الاحتلال هو المسؤول عن أزمة الكهرباء والاحتلال هو المسؤول عن حصارنا ( والاحتلال الصهيوني الله يخرب بيته ) هو الشماعة التي نلقي عليها كل مصائبنا حتى نعطي أنفسنا دافعا للتحدي والصبر والعناد والصمود. ولكن المصيبة أن يكون المسؤول عن أزماتك الحياتية تاجرا أو سمسارا أو قرصانا من أبناء الشعب الفلسطيني ويعتبر الشعب الفلسطيني كله رهينة بيديه ويتاجر بدماء الشعب الفلسطيني، ويتاجر في كل شيء يستهلكه الشعب الفلسطيني، تماما كالعصابات التي تتاجر في كل شيء ثم يبرز على السطح السياسي أشخاص لم يكن لهم قيمة ولا وزن تاريخي ويصبحون من رموز الشرف والنضال والمقاومة وينساق خلفهم الكثير من الأغبياء الذين يصفقون لمن يدفع أكثر ويناصرونهم فقط لأنهم يملكون المال الذي امتصوه من عذابات وجراحات الناس المغلوبين على أمرهم.
ودائما : لا يجب أن تراهن على المرتزقة الذين يريدون المال فقط .
إننا كشعب فلسطيني نبرمج أنفسنا وطنيا للصمود منذ طفولتنا ولكن هؤلاء المسؤولين عن افتعال أزماتنا يريدون أيضا قتل هذه الروح الوطنية ونزع البرمجة الوطنية من عقلياتنا ومنعنا من مجرد التفكير في الصمود والتأقلم للتحدي، فأنت يمكنك أن تبرمج نفسك على أقل الإمكانيات إذا كان هناك انتظام لكنهم يريدون أن نعيش في قلق دائم وتوتر دائم وعدم قدرة على التنبؤ إطلاقا فالجماعة من فرط محبتهم لنا لا يريدون أن نستقر أو نعيش في (روتين ممل ) ولا يريدون أن نتعود على برنامج منقوص للكهرباء، ولا أن نرتب أولوياتنا بناء على ذلك البرنامج الثابت وإنما (وبكل صفاء نية وأنا لا أشكك فيهم ) يريدون إخراجنا من روتين الحياة اليومي الممل.
ولا تقتصر الأزمة على الكهرباء فقط فهي جانب واحد من جوانب حياتنا في ظل سياسة التجنين الإجباري. وهناك جوانب أخرى كثيرة مثل الماء المرتبط بالكهرباء ومثل الغاز وبعض المواد التموينية واحتكار بعض التجار للإسمنت تحت إشراف بعض المسؤولين وأزمات المرور والمخالفات العبثية وجباية الضرائب بلا إنسانية وأزمة بطالة الخريجين وبطالة العمال وأزمات الزواج والعنوسة والشقق وأزمات التعذيب في المباحث والسجون وأزمات زوجات وأبناء الموقوفين والأزمات الأخلاقية والمخدرات والأزمات الصحية وأزمة السفر وأزمة قلة المطر …وأزمات لا أذكرها حتى لا أطيل أكثر.
إن سياسية التجنين الإجباري التي نعيش في ظلالها تؤدي لانتزاع آدمية الإنسان شيئا فشيئا تحت ضغط الحاجة وتحت ضغط الطلبات المتلاحقة وفي ظل الإلحاح عندما تكون الأسرة كبيرة العدد والطفل لا يرحم أباه ولا يفهم أن كلمة (أريد) تجنن والده وتفقده صوابه، ولا يستوعب الابن أو الزوجة أن التأفف والتذمر والشكوى أمام الوالد يذبحه من داخله ويمزق روحه ويجعله يشعر بالاختناق وتتراكم الهموم الحياتية والضغوط اليومية التي تؤدي إلى جلطات وسكتات دماغية مفاجئة. وفجأة ينتحر الأب أو يحرق نفسه بالبنزين أو يموت الأب بدون مقدمات بجلطة أو سكته ونستغرب كلنا عندما يموت أحد معارفنا صغيرا نقول: مسكين مات صغيرا يا حرام الله يرحمه. ونتساءل عن سبب موته المفاجئ وكأننا نستهبل ونضحك على أنفسنا وكل واحد منا يدرك أن المسكين مات نتيجة تراكم القهر والكبت واختار الموت كبرياء قبل أن يتحول إلى مجنون حقيقي يجري في الشوارع
وعلى سبيل المساواة لو تكلمنا عن الأم التي تعمل داخل وخارج البيت ولا تتوقف عن العطاء وتعاني من الضغط نفسه تماما كما يعاني الأب وتتعرض للضغوط نفسها، ولكنها كالجندي المجهول لا ندرك قيمتها إلا بعد فقدانها. وللأسف هي أول متهم بالتقصير في حالة حدوث خلل ويهاجمها الجميع ويتناسون أنها إنسانة تعيش معهم الواقع نفسه والظروف نفسها. وفي أحيان كثيرة تتطور الأمور إلى الطلاق لأنه ليس هناك متسع للتحمل ولا نعرف على من نلقي باللوم ومن الذي يتحمل مسؤولية دمار أسرة كاملة إلا أن السبب الحقيقي هو الضغط النفسي والتجنين الإجباري الذي جعل الأمور تخرج عن السيطرة وأدى إلى تفكك الأسرة بكاملها فتراكم وتتالي هموم ومصائب الحياة يفقد الأم صوابها ويجعلها في حالة غير طبيعية على الإطلاق.
ختاما : همومنا مبكية وأحيانا مضحكة والضحك أنواع : منها الضحك من القهر أو الضحك قبل الانهيار حفاظا على الكرامة والكبرياء.
قبل يومين كانت ابنتي الصغيرة وعمرها سنوات تشاهد التلفزيون وفجأة انقطع التيار الكهربائي ففقدت أعصابها وبلا وعي قالت:
الله أكبر عليكوا … الله يقطعكوا … الله يلعنكوا ..
وهي طفلة بريئة لا تعرف هي تدعو على مين؟ لكن الله تعالى يعرف وحتما سيستجيب لكل دعوات المظلومين المتعثرين في الظلمات.
والذين يحمل ذنوب الأطفال كل المسؤولين عن الرعية في كل مكان وزمان، فالمسؤولية ليست وجاهة ولا كرامة وإنما هي يوم القيامة حسرة وندامة.
فلسطين المحتلة
أحمد لطفي شاهين