على النمط الأمريكي ولثاني مرة بعد الانتخابات التمهيدية التي كرست قبل أربعة أعوام فرانسوا أولاند مترشحا رسميا لليسار الفرنسي، خاض يمين فرنسا لأول مرة في تاريخه انتخابات تمهيدية بوأت رئيس وزراء نقولا ساركوزي السابق فرانسوا فيون مركز مرشح حزب اليمين الفرنسي الرئيسي «الجمهوريون» للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة.
خلق فيون المفاجأة ضاربا بكل التوقعات عرض الحائط. وحينما نتحدث عن اختراق التوقعات لا بد من الحديث أيضا عن مقياس هذه التوقعات الأساسي في فرنسا، وهو مقياس الإحصاءات. الإحصاءات التي صارت منذ فترة ليست بالوجيزة في فرنسا محل توجس يزداد انتخابا بعد انتخاب. ويمكننا ان نؤرخ لهذه المغامرة من نوع جديد بشيء من اليسر يلقى شبه إجماع عند الشعب الفرنسي، عندما وصل زعيم حزب اليمين المتطرف السابق، جان ماري لوبان إلى جولة الإعادة لرئاسيات فرنسا سنة 2012 فهرع الشعب الفرنسي للتصويت من أجل جاك شيراك ليحقق الأخير انتصارا ناهز الـ 90 في المئة.
فتح فيون إذن مرحلة جديدة من التاريخ السياسي الفرنسي تميزت أساسا بتفنيد مصادر التوقع والاستشراف التقليدية فزج بالمسالك المطروقة لدى «محترفي» التحليل في خانة الريبة والاحتياط. فما أن أطل على الشاشة بعد فوزه حتى مازح صحافيا داعيا إياه لـ«الارتياب من الإحصاءات حقا».
أي مرحلة من تاريخها السياسي دخلتها فرنسا إذن؟
أولا، وهي فكرة متداولة منذ فترة في بلدنا، دخلت فرنسا فترة الشرخ المؤكد بين «النخب والشعب «. ولم تعد المقولة مجرد نمطية فقد صارت أرضية لإسقاطات تترجمها سلسة من الأحداث المتعاقبة لا تمثل منها مفاجأة التمهيديات الأخيرة سوى النزر اليسير.
يذكر مؤرخو الثورة الفرنسية والفترات التي أعقبتها مباشرة مصطلحا يساعد على استنكاه خبايا توجه يبدو جديدا…ولكنه ليس جديدا في شيء. فمصطلح «البلد الواقعي» الذي طال استخدامه في تحاليل هؤلاء دل، بداية، على تلك الشريحة من البلد التي لم يكن لها حق التصويت لعدم قدرتها على دفع تكاليف التصويت، فبينما كانت فرنسا تتحول تدريجيا إلى نظام جمهوري آخذ في الترعرع، كان القطاع الأكثر فقرا والأكثر عددا محروما من الدلو بدلوه في مسلسل لم يسم نفسه بالديمقراطي ولكنه ادعى في المقابل أنه «صديق الشعب».
وكأن «صورة النظام صديق الشعب» صارت ترافق المواطن الفرنسي وتراوده وتشده شدا. لكن شأنها شأن مثل كثيرة تتعلق بك وتتعلق بها، بدت الصورة المثالية أقرب إلى السراب منه إلى المثل في أسوأ التقديرات أو إلى أهون الشرين في أحسنها. وحده الجنرال دي غول تقريبا، إن استثنينا موقف غالبية المعمرين الفرنسيين في الجزائر وذويهم، ترك بصمة في التاريخ رقته إلى مصاف «الرجل بلا حزب» صاحب «العظمة والاستقلال الفكري». ومنذ ذلك الحين، سعى اللاوعي الشعبي الفرنسي يبحث عن «ضالته المثالية» المنشودة.
هل سيجدها في فيون؟ لم يقع فيون أولا في فخ خوض المعركة على مستوى موضوع الهوية الذي أسس عليه معظم المترشحين حجاجهم. علما أن مسألة الهوية كانت خليقة بإفراز مزايدات لا متناهية ومفخخة أصلا، انطلق فيون من مسألة أوسع لما للشمل واعرض احتضانا بلا تمثلت في «الحرية». فبدل الخوض في غمار فكري ذي الطريق المسدود لا محالة يقوم على معرفة ما إذا كانت هوية فرنسا «تعيسة» كما أراد الفيلسوف الفرنسي الموصوف بيميني الاتجاه آلان فينكلكراوت أو «هوية سعيدة» في زعم غريم فيون الأسبق في انتخابات اليمين التمهيدية، آلان جوبيه، ظهر انطلاق فيون من مفهوم الحرية بمثابة القشة المناسبة لقصم ظهر البعير. ففضلا عن انتماء المفهوم إلى أدبيات المبدأ الليبرالي، مما ضمن للرجل رأسا حلف أرباب الشركات، خاصة الصغرى منها الذين يرون نهاية عقبة كأداء أمام تنافسيتهم في التسهيلات التي عرضها لتسريح العمال في برنامجه، انفتحت لفيون سكة عريضة لينشد بالحرية في جميع المجالات، وخاصة حرية فرنسا أن تذكر أن الجمهورية الفرنسية ذات تاريخ وقيم، الكل أمامها متساو في الحقوق والواجبات. الخطوة كانت ذكية، بل ذكية جدا. فقد رسم فيون الإطار الذي ينبغي أن تتحرك فيه الحرية، وهو إطار مقيد واضح المعالم: يحتضن الثقافات والطقوس الوافدة ويقر لها تأطيرا قانونيا يحميها من التجاوزات عند الضرورة، مذكرا الجميع أن المواطنة غالبة على الذاتية دون تفريط لخصوصيات الذات ما دامت لا تعارض هذه الأخيرة قيم الجمهورية الفرنسية وتماسكها. من هنا هدف رسم ملامح سياسة تعتبر إشكالية الهوية أمرا مفروغا منه، أي، بعبارة أخرى، «لا إشكالية» على شرط أن يكون البلد قد استرجع سيادته داخليا ودوليا، تلك السيادة التي دافع عنها الجنرال دي غول، أو ونستن تشرشل في بريطانيا على حد قوله.
يمكن تعليل نتيجة الانتخابات التمهيدية الأخيرة بفرنسا من وجهتين: وجهة إقدام خبير محنك في السياسة على استباق نفسية الشعب الفرنسي بطريقة مكنته من تكوين رأسمالية من المصداقية تجمع بين بسط مبدأ الحرية المؤسس للفكر الليبرالي إلى أوسع مداه واستقطاب قيم أخلاقية تتشاركها أكثر من أسرة أكانت فرنسية قديمة العهد أو حديثة. اما الوجهة الثانية فمقدرة هذا الخبير المحنك في السياسة، رجل «النظام» على تبرئة نفسه من «النظام» وإرسال هذه الرسالة للشعب بنجاح، على الأقل، حتى الآن.
هذا هو فرانسوا فيون، قد يكون غاية في التصميم والصرامة والوضوح، وأيضا غاية في التحفظ والانكفاء والانعزال، بين «الرجل السري» كما ينعته الكثيرون، والرجل الذي ينتظر ساعته. فأي مصير سيكتب في فرنسا لرجل اليمين القوي الجديد؟
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون ٭