يصطدم من يريد الكتابة عن فلسطين بأطنان من البلاغة المجانية التي تدّعي مدح فلسطين والفلسطينيين مغرقة إياهم بركام خطاباتها المشغولة بـ ‘الدفاع’ عن ‘القضية العربية المركزية’، جاعلة، بتكرارها البارد وعديم الإحساس بمن تتحدث عنهم، هذه القضية مجرد إعلان لفظي متكرر لا معنى له، في الوقت نفسه الذي عملت كل وزارات الداخلية العربية والعالمية على جعلهم المطلوبين النموذجيين في مطارات العالم والمشبوهين التقليديين في أفلام هوليوود والمؤهلين للاضطهاد والقمع والبطش في أي مكان وزمان من دون جهة قادرة على الدفاع عنهم غير أظافرهم.
تبليع الفلسطينيين فكرة وجود إسرائيل الأبدية، تمّ، بالتقسيط غير المريح، من خلال قصفهم إعلامياً ليلاً ونهاراً بمصطلحات صارت ‘ماركات مسجلة’ بحيث تتكفّل المذابح ‘الأخوية’ المتلاحقة والقمع المتواصل بجعلهم ينسون فلسطين ككيان واحد ممكن وطبيعي سياسياً وأخلاقياً.
بذلك غدا من تمكنوا من الصمود والبقاء داخل ‘دولة اسرائيل’: ‘عرب اسرائيل’، وعرب الـ 48، وعرب الخطّ الأخضر، في جهد محموم مستمر لطمس هويتهم الفلسطينية ونسبتهم الى جسم أكبر، عليهم أن يلتحقوا به عاجلاً أم آجلاً في الجزيرة العربية او في الاردن ولبنان وسوريا او، اذا لزم الأمر، في استراليا وكندا!
وغدا الباقون رعايا حكومة القطاع ‘المقالة’ (من أقالها؟) ومواطني ‘السلطة الفلسطينية’ (سلطة على ماذا؟)… ولمزيد من التمزيق الفكري والسياسي: سكان ‘القدس والضفة’ كأن القدس موجودة على كوكب غير كوكب الضفة.
في هذا الوجع الفلسطيني الشاسع، ورغم المحاولات المستمرة من الأطراف السياسية الفلسطينية والعربية، لتفريغ معاني كل ما في الرأسمال الرمزي المقدس لفلسطين يبقى يوم الأرض، الذي تصادفت الذكرى 38 منه أمس الأحد طاقة إيجابية هائلة وإطاراً لإعادة تصويب البوصلة الفلسطينية.
ففي هذا اليوم (30 آذار/مارس) من كل عام يعود المخزون الثقافي الفلسطيني كوحدة جامعة للاشتغال بحيث تتفكك، فجأة، كل بنية الخداع والاحتيال والسطو على العقل الذي قامت به اسرائيل وشركاؤها، ويقف الاحتلال عارياً من قدرته المتوحشة على التضليل.
في هذا اليوم نستذكر كيف تجاوز الفلسطينيون حاملي الهوية الاســرائيلية (كشكل فظيع لاستلابهم من معناهم وإلحاقهم بجنسية من احتل أرضهم) خوفهم وقاموا بانتفاضتهم الجليلة في الجليل والمثــلــث وفي قـــرى وبلدات عرابة ودير حنا وسخنين، وكذلك في صـــحراء النقب، فتحركوا، للمرة الأولى، بشكل جماعيّ ومنظم.
في هذا اليوم يلتقي فلسطينيو العالم (وكل من يؤمن بالعدالة والحقّ بغض النظر عن الجنسية التي يحملها) ليؤكدوا من جديد أن القوّة لا تستطيع أن تتغلّب على الحقيقة، وليحوّلوا من أسرهم المزمن وظلمهم الطويل الأمد حياة قادرة على التغلّب على الموت، كما تفعل كل وردة تتفتح في آذار لتعلن انتفاضة صغيرة وحدها.
في يوم الأرض نتذكر أسرانا الذين جعل منهم الجلاد الاسرائيلي ورقة مفاوضات للابتزاز، ونتذكر شهداءنا كما نتذكر أطفالنا وحياتنا التي سنجعلها، رغم كل شيء، جميلة على هذه الأرض ‘التي تستحق الحياة’.
نتذكر هنا بالضرورة شاعرنا محمود درويش في قصيدة ‘الأرض’ حين أخبرنا أن ‘في شهر آذار قالت لنا الأرض أسرارها’ واستشرف المستقبل قائلا:
سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل
سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل
سنطردهم من هواء الجليل