«واشنطن بوست» وانتصار الخوارزميات

حجم الخط
0

منذ نصف قرن شكلت صحيفة «واشنطن بوست» خط الدفاع الأول عن الحقيقة في مواجهة السلطة، لكن الصحيفة التي أسقطت رئيساً تتعرض اليوم لهزيمة من نوع آخر، هزيمة تصنعها الخوارزميات والأموال والساسة.
في عام 1976 انتجت هوليوود أحد أجمل أفلامها، الذي حمل عنوان (كل رجال الرئيس) ورشح في العام ذاته لأكثر من 8 جوائز أوسكار، ثم أعادت هوليوود الكرة بعد أكثر من 40 عاماً لتنتج أيضا أيقونة أخرى بعنوان (ذا بوست) الذي رشح هو اﻵخر لعدد من جوائز الأوسكار في السنة نفسها.
إلا أن المشترك بين هذين العملين الناجحين لم يكن المعالجة الدرامية، أو القصة الشيقة والمثيرة، بل كانت رائدة الصحافة الاستقصائية، صحيفة «واشنطن بوست» والتي كانت محور العملين. هذه الصحيفة التي لم تنتج فقط التقارير والأخبار والتحقيقات الاستقصائية، بل أثبتت للعالم أن الصحافة هي الرقابة الحقيقية على الحكومات في الدول التي يكون فيها القانون فوق الجميع.
تدور أحداث الفيلم الأول (جميع رجال الرئيس) في عام 1972 حول الفضيحة السياسية المعروفة باسم (ووتر غيت) التي نشرت عنها الواشنطن بوست تفاصيل عملية التنصت على مقرات الحزب الديمقراطي، والتي أدت في النهاية إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون من منصبه. أما الفيلم الثاني (ذي بوست) فتدور أحداثه في عام 1971 حول تسريبات أوراق البنتاغون السرية التي استطاعت صحيفة «واشنطن بوست» إلى جانب «نيويورك تايمز» أن تقدمها للجمهور الأمريكي، عرفت القضية حينها بـ(أوراق البنتاغون) وكشفت الصحف من خلالها عبر تحقيقها الاستقصائي، تلاعب صناع القرار الأمريكي وتضليلهم للرأي العام، في ما يخص حرب فيتنام التي كلفت الشعب الأمريكي قرابة 60 ألف قتيل، والمليارات من أموال دافعي الضرائب.
ومن منتصف القرن الماضي وحتى قرابة نهاية العقد الأول من هذه الألفية لم تتوقف الصحيفة العريقة «واشنطن بوست» عن إنجاز التحقيقات الاستقصائية، التي هزت العالم والشارع الأمريكي تحديداً، وعلى سبيل الذكر لا الحصر: الأوراق الأفغانية، وأزمة الأفيون الأمريكية في الدواء، وعنف الشرطة الأمريكية تجاه المواطنين. لكن هذا التاريخ الطويل والعريق للمؤسسة المشهود لها، لم يستطع حمايتها من سلطة المال وتسلط الخوارزميات وصعوبات الاقتصاد، حتى جاء عام 2013 عندما قام حوت الأعمال جيف بيزوس بشراء الصحيفة، وضمها الى مجموعته الاقتصادية الخاصة من الشركات، مع العديد من الوعود بعدم المساس بالصحيفة وحريتها، إلا ان رأس المال ﻻ يستطيع إلا أن تكون له بصمته فهو (الحجي) صاحب الرزق.
بدأت تدخلات جيف بيزوس في الصحيفة بشكل تدريجي، بالضغط على المديرين التنفيذيين والمحررين، ومديري الأقسام للتحول ضمن سياساتها التحريرية باتجاه الحريات الشخصية والأسواق المفتوحة، وهذا ما ﻻ يستطيع أحد إنكاره، خصوصاً مع ميول بيزوس تجاه الديمقراطيين، ما أدى في نهاية المطاف إلى استقالة أعداد كبيرة من الصحافيين في المؤسسة، إلا أن الحال مع رأس المال ﻻ يبقى على ما هو عليه، فرغم الوعود الكبيرة التي قطعها بيزوس للصحيفة، إلا أن المؤسسة في السنوات الأخيرة كانت تعاني من أزمات مالية بسبب تحولات السوق.
اتجهت الإدارة مع بداية هذا العام إلى تغيرات جذرية في بنية المؤسسة ووصلت عمليات التسريح لأكثر من 300 موظف، شملت ثلث الكادر التحريري لقسم الأخبار، وإغلاق قسم الرياضة، وتسريح عدد كبير من موظفي مكاتب الشرق الأوسط وآسيا وإغلاق جزئي لقسم مراجعات الكتب والبودكاست. لكن ما تمر به صحيفة «واشنطن بوست» ليس فريداً، فنحن اليوم نشهد اللحظات الأخيرة من عمر الإعلام التقليدي وزحف أشكالٍ جديدةٍ من الإعلام غير واضحة المعالم.
ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، أن ميتا وهي الشركة المالكة لإنستغرام وفيس بوك وواتس آب، قد عملت على تغيير خوارزميات منصاتها لتقليل وصول الأخبار إلى الجمهور، ما أدى بطبيعة الحال إلى تراجع الخبر من مصدره الأصلي، في الوقت الذي ظهرت فيه أقطاب جديدة تنقل الخبر بعيداً عن أي معايير مهنية مثل المؤثرين وصفحات غير موثوقة. كما نشرت مؤسسة كولومبيا لمراجعة الصحافة تقريراً تحدث فيه عن فشل نموذج الإعلان التقليدي، الذي كان جزءاً من بنية الصحافة التقليدية والذي انهار في ظل ظهور أشكال جديدة من الإعلان الرقمي، عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي ﻻ تستطيع المؤسسات الصحافية بثقلها أن تجاريه، أو أن تنافس داخل بيئة يهيمن عليها كل من غوغل وميتا.
ويتحدث الكاتب إدريس أوهلال في كتابه «النهايات»، أنه قبيل ثورة الإعلام الجديد كانت ستة كيانات كبيرة تمتلك ما يعادل 90 في المئة من وسائل الإعلام الأمريكية، أما اليوم فغوغل وميتا وأبل هي من تسيطر على المشهد كاملاً. ويضيف مركز بيو للأبحاث أن تغير عادات الجمهور، خصوصاً لمن هم دون 35 عاماً، من الظواهر المهمة، فهم ﻻ يحصلون على الأخبار من مصادرها الأصلية كالصحف أو المؤسسات الإخبارية، بل من خلال مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، هذا الأمر أدى بطبيعة الحال الى تراجع الاشتراكات الشهرية والسنوية التي تمول تلك المؤسسات.
لماذا قضية «واشنطن بوست» مهمة، يطرح أحدهم السؤال؟ الإجابة تكمن ببساطة في الخوف من فقداننا أحد أهم أعمدة الصحافة العالمية، إن التغير العنيف الذي تمر به الصحافة التقليدية يعني بالضرورة تأثر نماذجنا البدائية عن الصحافة في المشرق، والتي نحاول بشتى قدراتنا تحويلها إلى ما يجب أن تكون عليه «السلطة الرابعة» في وجه تغول الفساد والمال والساسة، وفي خدمة المجتمع. ويقول آخر أن التغيير سنة الحياة، فإما أن نكون أكثر مرونة، أو نسحق.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية