«هولوكوست» غزة وخيارات نتنياهو «الانتحارية»

حجم الخط
19

الى اين تتجه الاوضاع في غزة؟ وما هي الخيارات الواقعية لانهاء العدوان وسط هذه الفوضى الدبلوماسية والتناقضات السياسية وشلالات الدماء التي لا تتوقف في القطاع؟
اربعة وعشرون يوما من العدوان الاسرائيلي خلفت من الدمارالشامل ما جعل غزة تبدو اليوم وكأنها تعرضت لزلزال او هجوم بقنبلة نووية. الأوضاع اشد مأساوية مما تبدو في الاعلام، وأصعب من ان تصفها احصائيات. الانتقام من المدنيين اصبح وسيلة اسرائيل للتعبيرعن غضبها كلما تيقنت من استحالة تحقيق اهدافها المعلنة من الحرب.
المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، إلى إدراج إسرائيل ضمن «قائمة العار»، لقصفها إحدى المدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في غزة. لكن الادانة الخجولة من الامم المتحدة للمجزرة الاسرائيلية الجديدة تثير سؤالا ان كانت المنظمة الدولية تعتبر الاطفال الفلسطينيين (اقل آدمية) من اطفال اسرائيل.
جرائم الحرب في هذا العدوان غير مسبوقة، حتى ان بعض اقرب اصدقاء الدولة العبرية بدأوا يسحبون عنها الغطاء السياسي او الاخلاقي او كليهما. البيت الابيض يسرب للمرة الاولى اتصالا من اوباما مع نتنياهو طالبه فيه بوقف النار فورا، وكأنه يريد ان يغسل يديه من العواقب السياسية والأخلاقية للفظائع التي لم تتكشف ابعادها بالكامل بعد. دول امريكا الجنوبية تسحب سفراءها من الدولة العبرية احتجاجا على العدوان، فترد عليها تل ابيب مطالبة اياها بأن تتعلم من بعض الدول العربية التي لم تسحب سفراءها من اسرائيل بل ابدت رغبة في تعزيز العلاقات (هل من تعليق مصري او اردني؟).
اما الحكومة الارهابية المصغرة التي تدير العدوان من قبو محصن في تل ابيب فلم تعد تبحث كيف يمكن كسب الحرب بل التقليل من حجم الهزيمة. للمرة الثانية خلال يومين اجتمعت امس وسط تخبط واضح. مازالت عاجزة عن اتخاذ قرار استراتيجي اما بالتراجع باقل قدر ممكن من الاهانة والمذلة ناهيك عن الهزيمة، او توسيع الاجتياح البري وتطويره الى اعادة احتلال للقطاع، والمخاطرة بكارثة عسكرية قد يصعب تقليص اثارها لاعوام عديدة. نتنياهو يدرك جيدا ان خياراته كلها انتحارية. مستقبله السياسي سيكون اول ضحية للعدوان اذ عاد يجرجر اذيال الهزيمة من غزة، فيما واصلت المقاومة اطلاق الصواريخ. وحتى يتفادى ذلك الثمن الباهظ، اصبح مستعدا ان يتبع سياسة الارض المحروقة في غزة، ويلقي جنوده الى التهلكة، وان يخاطر بغضب دولي غير مسبوق من اسرائيل مع استمرار المجازر.
على الجانب الفلسطيني، تواصل المقاومة توجيه ضربات نوعية للعدو. مازالت المفاجأة الاستراتيجية تشل القيادة الاسرائيلية رغم ان الحرب دخلت اسبوعها الرابع. التسجيل الصوتي لقائد كتائب القسام محمد ضيف اظهر ان المقاومة على الارض هي صاحبة القرار. وانها غير قلقة من نفاد رصيدها من السلاح او الرجال. ورغم ذلك لا يستطيع احد ان يقلل من آثار الجرائم الاسرائيلية على الاوضاع الانسانية والحياتية في القطاع.
اما على المستوى السياسي، فثمة ارتباك وغموض وتناقضات لا تخدم المقاومة. السلطة الفلسطينية اعتذرت عن اعلان ياسر عبد ربه المسؤول الرفيع في منظمة التحرير عن هدنة لاربع وعشرين ساعة، باعتبار انه كان «غير صحيح»، لكنها أكدت ان وفدا فلسطينيا يضم ممثلين عن كافة الفصائل سيتوجه الى القاهرة لبحث تطبيق المبادرة، وان القاهرة تؤيد المطالب الفلسطينية الجديدة. وليس واضحا الاسباب التي تؤجل مشروع الزيارة، لكن من الواضح ان اعتبارات سياسية واقليمية تتعلق بصراع الادوار والصياغات حاضرة بقوة في هذا المشهد.
وبين واقع اصبح اقرب الى «الهولوكوست»، ورفض اسرائيل الاعتراف بواقع الهزيمة، ومكايدات السياسيين وصراعاتهم، ومراوحات الدبلوماسيين بحثا عن «معادلة سحرية» تمكن الطرفين من اعلان النصر، تبيت غزة بانتظار نهار يليق بهامتها العالية المخضبة بشرف الصمود.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية