الناصرة ـ ‘القدس العربي’: بعد سبع سنوات على غيابه وبالذكرى الثالثة والسبعين لميلاده ما زال الشاعر محمود درويش يلهم فنانين كثرا فيطل من بين الرماد كالعنقاء مسرحا غنائيا وتمثيلا صامتا ورسما ولوحات تكاد تنطق بما رأى وبما أراد.
في المركز الثقافي الذي يحمل اسمه احتضنت مدينة الناصرة احتفالية كبيرة ومميزة لإحياء ذكرى ميلاد درويش في إطار فعاليات شهر الثقافة الوطنية، وهي أمسية تم إرجاؤها من 13 آذار/مارس بسبب الانتخابات البلدية في المدينة. سبق الاحتفالية معرض رسومات شاركت فيه 15 رسامة فلسطينية استوحين إبداعاتهن من مسيرة وأشعار لاعب النرد، وفي الخلفية كان صوت درويش يجلجل بأجمل أشعاره ويقول ‘ما زلت حيا في مكاني، وأعرف ما أريد…سأصير يوما ما أريد’.
رسام الكاريكاتير سعيد النهري اختار قصيدة ‘فكر بغيرك’ وجعل منها لوحة جميلة تجمع بين الحروف والملامح. ويوضح النهري ابن مدينة سخنين أن بوسع الرسام أن يغرف من بحر درويش لأن قصيدته وجدانية، إنسانية وتخاطب كل البشر كما يتجلى في ‘فكر بغيرك’. واختارت الرسامة غادة الصفدي بنت الناصرة إنجاز لوحة فريدة مستوحاة من رسائل متبادلة بين الراحل محمود درويش وزميله سميح القاسم،كانت نشرتها صحيفة ‘الاتحاد’ الحيفاوية قبل ثلاثة عقود بعنوان ‘بين شقي البرتقالة’. الشاعران اللذان تناقشا في الرسائل حول البقاء في الوطن وبين البحث عن أفق أرحب والالتحاق بالثورة الفلسطينية يظهران باللوحة بعنوان ‘ونحن شقيقان’ وهما في ريعان الشباب ومن تحتهما مقاطع من الرسائل المتبادلة.
وتقول صفدي إنها اختارت مضمون لوحتها تعبيرا عن تقديرها لشاعرين كانا وسيبيقيان بنظرها توأمين سياميين. أما الرسامة منتهى دبية فشاركت بلوحة تطل فيها صبية فلسطينية سمراء في موسم الحصاد،أنجزتها قبل أيام. وتوضح دبية أنها اختارت إبراز السنابل لأنها مشحونة بمعاني الأرض والبقاء وتذكر بقصيدة ‘أحن إلى خبز أمي’ مثلما تذكر أيضا بديمومة الشعب الفلسطيني التي عبر عنها محمود بالقول ‘سنبلة تملأ الحقول سنابل’ وتوحي بنضال المرأة الفلسطينية.
كما انعكس شعر محمود في العزف والغناء فقدم عازف العود الفنان خضر شاما مقطوعة بعنوان ‘انتظار’ امتزجت فيها ألحان الحزن والأمل. وقدمت عريفتا الاحتفالية الصبيتان بالزي الفلسطيني الفلاحي مها مصالحة- زحالقة ولبنى دانيال فقرات فنية طيلة ساعتين، وقد وصفتاه بحبة القمح التي ملأت البلاد حقولا من الفنون على أشكالها. كما قدمت مها قطعة نثرية استخدمت بها عناوين قصائده ودواوينه صانعة منها لوحة فسيفسائية نثرية جميلة شكلا ومضمونا.
بعدها أطل محمود بنفسه وتلا أولى قصائده وأبسطها وربما أوسعها انتشارا معبرا عن حنينه لخبز أمه. وهي قصيدة قال محمود إنه استوحاها عندما زارته والدته في السجن تحمل الفواكه والقهوة ولم ينس حزنها حينما صادر السجان إبريق القهوة وسكبه على الأرض وسالت دموعها فاعترف لها من زنزانته بما كتبه على علبة سجائر ‘أحن إلى خبز أمي’.
وقدم الفنان عماد جبارين ‘ذاكرة للنسيان’ وهي مقاطع مسرحية ترافقها قراءات شعرية من ‘يوميات حصار بيروت’، تلاها عرض مسرحي موسيقي حركي من إخراج وسيم خير،أما فنان التمثيل الصامت فقدم ‘لاعب النرد’ بدون كلمة واحدة مستعرضا فيها محطات في مسيرة الراحل الذي ولد في قرية البروة المهجرة قضاء عكا قبل اقتلاعها في النكبة،ومنها انتقل لقريتي دير الأسد والجديدة قبل أن يحلق في فضاء الكون الواسع عام 1971.
ومثل عائلة الراحل،شقيقه الكاتب أحمد درويش الذي شكر بلدية الناصرة على مواصلة تكريم محمود حيا وميتا منوها بدوره في صياغة الرواية الفلسطينية بأجمل الكلام وإشهارها بوجه الرواية الصهيونية التي تواصل محاولاتها لابتلاع الأرض والجغرافيا والتاريخ والإنسان.
من جهته أشار الفنان فؤاد عوض مدير مركز ‘محمود درويش’ لأهمية الاحتفال بذكرى ميلاد درويش لكونه ضمير الشعب الفلسطيني ولسان حاله. وتابع’ ليس أجمل من هذه المناسبة التي تم إحياؤها بفعاليات مبتكرة استعادت محمود بالفنون التي أحبها ومعا غنينا له وعنه في حضرة غيابه’.