تبدو المواجهة بين جماعة الإخوان من جهة والنظام من جهة أخرى، وكأنها مشكلة مصر، لأن طرفيها يريدان لها أن تبدو كذلك، طالما لا يمكلك أحدهما أجوبة شافية للأسئلة الجوهرية.
وباطمئنان تام، يمكن القول بأن هذه المعركة ستحسم في النهاية لصالح الدولة، لكن هذا الحسم لا يعني أن مصر ستستريح قريبًا.
من يشنون معركة الإرهاب يتصورون أن بوسعهم إفشال الدولة المصرية وتدمير كيانها، وهذا ـ لسوء حظهم ـ هو الشيء الوحيد الذي يحظى برفض الغالبية العظمى من المصريين. والأسوأ أن يتركز هذا الاستهداف على الجيش، وهذه هي الخطيئة غير القابلة للغفران من جموع المصريين. فالجيش هو نواة الدولة ورمزها، ببساطة لأنه لا ينتمي إلى طائفة أو دين أو عرق. هو الرحم الذي يعبره كل الذكور المصريين إلى الحياة، باستثناء العجزة الذين لا ذنب لهم في عماهم أو عرجهم.
التجنيد الإجباري يشبه حفل التنسيب في القبيلة القديمة، علامة النضج وخروج الإنسان من رعاية أسرته إلى الحياة. وأي مصري سوي لا يقبل المساس بجيشه، لا يقبل بتدمير البلد لأنه مختلف على طريقة إدارته، ماذا يستفيد إذا انتصر ولم يجد كيانًا يطبق عليه أفكاره؟!
ولا يوجد منصف يمكنه أن يتغاضى عن عنف الأمن، لكن الشرطة التي صار ضباطها وجنودها هدفًا للإرهاب (بعد الجيش) هي ذاتها شرطة مبارك، لم تهبط هذه الشرطة من السماء بعد الثلاثين من حزيران/يونيو. كانت هي نفسها الموجودة قبل 25 كانون الثاني/ يناير 2011، لكن شباب التيار المدني الذي فجر الموجة الثورية الأولى كان يتمسك بالسلمية كلما أمعن النظام في القتل. قصة الحراك المصري بدأت قبل التاريخ المعروف بثماني سنوات وانتهت بدعوة إلى مظاهرة سلمية لإحراج الشرطة في يوم عيدها لاقت تعاطف جموع أوسع فسُميت ثورة، لم يرتكب فيها الثوار عنفًا ولم يخربوا منشأة، لأنهم يريدون دولة أفضل لا أسوأ، لا يحبون التشابه مع جلادهم ولا يستكملون هدر اللصوص بهدر جديد.
وإلى اليوم لم يتحقق أي من أهداف الثورة. وهذا هو جوهر المشكلة.
في هذه الزاوية كتبت عشية انتخابات الرئاسة المصرية عام 2012 ‘المصريون يصوتون غدًا لاختيار رئيس مخلوع’. ولم يكن الرئيس المحتمل في ذلك التوقيت مواجهًا بما يواجهه الرئيس المنتظر الآن.
إقتصاد ما بعد 30 حزيران/ يونيو 2013 أسوأ مما قبل 25 كانون الثاني/يناير 2011، جهاز الدولة العميقة هو نفسه، ورجال المال أنفسهم. وأما المنافسة على الحكم فكانت محصورة بين صنوين لا يدركان التغير الذي حدث في مصر. وليست لديهما أدنى فرصة أو رغبة في تحقيق شعارات الثورة البسيطة: عيش، حرية، عدالة اجتماعية.
وليس بين رموز دولة مبارك ولا بين التيار من يقر بالتشابه العميق بينهما، لأن غيبيات الإيمان والكفر تغطي على محسوسات الممارسة السياسية لدى الجانبين (كلاهما يريد رعية مطيعة لا مواطنين) كما أنهما لا يختلفان في الممارسة الاقتصادية التي تؤمن بآليات السوق.
وكان من الطبيعي أن يثمر التعاون والمواجهة بين الطرفين حنينًا إلى تجربة واسم زعيم خالد هو جمال عبدالناصر. والمشكلة أن تجربة جمال عبد الناصر غير ممكنة التكرار، ليس لاختلاف الظرف الدولي، فالظرف الدولي يتجه إلى استقطابات يمكن أن تحمي ـ إلى حد ما ـ التجارب المستقلة، لكن الظرف المحلي هو الأسوأ.
وإذا لخصنا تجربة عبد الناصر في كلمات فهي الدولة القوية العزيزة بمكانتها، الراعية لمواطنيها أولاً ولمحيطها الإقليمي ثانيًا. وإذا ترجمت هذه الأهداف في وسائل، فهي نبالة الشخص، قوة يد الدولة أمنيًا واقتصاديًا.
ومن الطبيعي أن يتعاظم الاحتياج إلى الأمن بعد ثلاث سنوات ونصف لم ير فيها المواطن من الثورة إلا وجهها الفوضوي، ومن الطبيعي أن يعود الحنين إلى رأسمالية الدولة لأن الثورة لم تحقق القصاص الاقتصادي للفقراء من رموز النهب الذين حصلوا على الأراضي بالهبة وعلى الشركات والمصانع بأسعار بخس في صفقات يشوبها الفساد.
بصرف النظر عن محاولة إسباغها على هذا الشخص أو ذاك، فالناصرية بعض من تخيل المصريين الآن، إن لم توجد من قبل لاخترعوها. وقد شاءت مصادفات التاريخ الساخرة ألا تكون الناصرية مطروحة في مواجهة فكرة أخرى أو حنين آخر، بل يتقاسمها ويتنازعها المرشحان الرئيسيان!
حمدين صباحي ينتمي للفكرة بحكم انخراطه فيها طوال حياته، من دون أن ننسى أن الناصريين لم يتمكنوا من البقاء في حزب واحد، بل انقسموا على أنفسهم، والمشير السيسي بالنسبة للكثيرين هو عبد الناصر الجديد لأنه قاد لحظة تغيير مسار. ورغم أن أيًا من هما لم يدع أن بوسعه تكرار دور عبد الناصر، فالأنصار مستمرون في تلبيس مرشحهم ملابس الزعيم.
المؤمنون بالسيسي إيمان العوام والكافرون به يفكرون بطريقة واحدة، ويتصرفون على أن نتيجة الانتخابات محسومة سلفًا. لكن الواقع شيء آخر، ويجب افتراض أن حمدين صباحي يمكن أن يفوز، وفي هذه الحالة فإن ‘الدولة العميقة’ التي كرهت مرسي ستكره حمدين بألف ضعف. وأما إذا حدث الراجح ونجح السيسي، فسيكون مثالًا نموذجيًا للبطل التراجيدي: الرأسمالية تريده لها كاملاً، على الرغم من تسامحها حتى الآن مع أحلام البسطاء. والفقراء من جهة أخرى يريدونه لهم، ويحلمون بإجراءات اقتصادية، ليست خياره، ولا خيار فئات ضخمة في المجتمع، ترفض التضحية بمميزات التنوع السلعي في السوق.
وبعيدًا عن نتائج الصندوق والمصائر الشخصية للرجال، فإن القضية الأساسية: قضية تصحيح المسار الاقتصادي والاجتماعي للبلاد هي المشكلة الكبرى المعلقة، لأن الطرفين المتحاربين يرفضان تأمل معنى الحنين إلى عبد الناصر.