‭ ‬هل‭ ‬أنا‭ ‬كاتب‭ ‬‮«‬متوسّطي‮»‬؟

‭ ‬أعرف‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬أعي‭ ‬العالم‭ ‬أني‭ ‬أنتمي‭ ‬كمواطن‭ ‬تونسي‭ ‬إلى‭ ‬بلـد‭ ‬يوصف‭ ‬أنه‭ ” ‬متوسّطي‭ “. ‬دائما‭ ‬يتحدّثـون‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬وسائـــل‭ ‬الإعلام‭.‬
‭ ‬ويقترن‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬عادة‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الافتخار‭ ‬والاعتزاز‭. ‬كيف‭ ‬لا‭ ‬ونحن‭ ‬ننتمـي‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬حباها‭ ‬الله‭ ‬بعدة‭ ‬مزايــا‭. ‬فهي‭ ‬تقع‭ ‬جغرافيّا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العالم‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬سرّته‭. ‬طقسها‭ ‬المعتدل‭ ‬رائع‭. ‬وزراعتها‭ ‬شديدة‭ ‬التنوّع‭. ‬

مهد‭ ‬الحضارات

أمّا‭ ‬تاريخيّا‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬مسرحــا‭ ‬لأحداث‭ ‬حاسمة‭ ‬ليس‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمنطقة‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬لكل‭ ‬العالم‭ ‬أيضا‭. ‬والأهمّ‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬أرض‭ ‬الأنبياء‭ ‬ومهد‭ ‬الحضارات‭. ‬الحضارة‭ ‬اليونانيّة‭. ‬الحضارة‭ ‬الرومانيّة‭. ‬حضارة‭ ‬قرطاج‭ . ‬حضارة‭ ‬الأندلس‭.. ‬
كل‭ ‬هذا‭ ‬يبدو‭ ‬واضحا‭. ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬يتعلّق‭ ‬الأمر‭ ‬بالكتابة‭ ‬يصير‭ ‬الأمر‭ ‬معقّدا‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ . ‬ماذا‭ ‬تعني‭ “‬الكتابـة‭ ‬عن‭ ‬المتوسّط‭ ‬؟‭ ” ‬وإلى‭ ‬أيّ‭ ‬حدّ‭ ‬هي‭ ‬ممكنة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬شديد‭ ‬التغيّر‭ ‬؟‭ ‬أتصوّر‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحـــدث‭ ‬إلاّ‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬الكاتب‭ ‬واعيا‭ ‬تماما‭ ‬بـ‭ ” ‬متوسّطيته‭ ” ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬متبنّيا‭ ‬لها‭ ‬و‭ ‬مستوعبا‭ ‬لها‭ ‬كمشروع‭ ‬و‭ ‬كرؤية‭.‬
لكن‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الكاتـب‭ ” ‬متوسّطيّا‭” ‬؟‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬خصائص‭ ‬محدّدة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتوفّر‭ ‬فيه؟‭ ‬ما‭ ‬هي؟‭ ‬ثم‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬تختلـف‭ ‬عمّا‭ ‬نجده‭ ‬لدى‭ ‬كاتب‭ ‬ياباني‭ ‬أو‭ ‬صيني‭ ‬مثلا؟‭ ‬هل‭ ‬أنا‭ ‬ككاتب‭ ‬تونسي‭ ‬أكثر‭ ‬قربـا‭ ‬في‭ ‬مناخاتي‭ ‬الأدبيّة‭ ‬وتصوّراتي‭ ‬ومفاهيمي‭ ‬إلى‭ ‬كاتـــــب‭ ‬يوناني‭ ‬أو‭ ‬إسباني‭ ‬مني‭ ‬إلى‭ ‬كاتـــب‭ ‬عراقي‭ ‬أو‭ ‬موريتاني‭ ‬مثلا؟
هنا‭ ‬أودّ‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬شخصي‭ ‬لكن‭ ‬أعتبره‭ ‬أساسيّا‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬هويّتي‭ ‬ككاتب‭ ‬وهو‭ ‬أنّ‭ ‬علاقتي‭ ‬بـ‭” ‬البحر‭” ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬تستمـــــدّ‭ ‬منه‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬اسمها‭ ‬ويمنحها‭ ‬خصوصيتها‭ ‬ليسـت‭ ‬قويّة‭. ‬لقد‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الريف‭ ‬التونسي‭ . ‬مناخاتها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الفصول‭ ‬هي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬مناخات‭ ‬الصحراء‭ . ‬عواصفها‭ ‬الرمليّة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أمطارها‭. ‬ولا‭ ‬مكــــان‭ ‬فيها‭ ‬للأزرق‭ ‬اللــــون‭ ‬المتوسّطي‭ ‬بامتياز‭ ‬إلا‭ ‬قليلا‭. ‬
رأيت‭ ‬البحر‭ ‬للمرّة‭ ‬الأولى‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬الثامنة‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمري‭ . ‬و‭ ‬لا‭ ‬أظنّ‭ ‬أني‭ ‬التونسي‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬البحـــر‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السنّ‭ ‬المتقدّمة‭ . ‬وسبحت‭ ‬في‭ ‬مياهه‭ ‬بعد‭ ‬عامين‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ .‬لا‭ ‬أزال‭ ‬أذكر‭ ‬أوّل‭ ‬لقاء‭ ‬لي‭ ‬به‭ . ‬حدث‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬نابل‭ ‬التي‭ ‬تقـع‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬تونس‭.‬
أذكر‭ ‬أني‭ ‬وقفت‭ ‬بعيدا‭ ‬عنه‭ ‬عندما‭ ‬رأيته‭ . ‬لم‭ ‬أجرؤ‭ ‬على‭ ‬الاقتراب‭ ‬منـــــــه‭ . ‬فقد‭ ‬شعرت‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ . ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخوف‭ ‬رافقه‭ ‬اندهاش‭ ‬كبير‭ ‬ممزوج‭ ‬بالفرح‭ . ‬وقد‭ ‬كتبت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬قصـة‭ ‬قصيرة‭ ‬عن‭ ‬لقائي‭ ‬الأوّل‭ ‬بالبحر‭ ‬عنوانها‭ ” ‬غائص‭ ‬فيك‭ ‬يا‭ ‬بحر‭” ‬ونشرت‭ ‬في‭ ‬مجموعتي‭ ‬القصصيّة‭ ‬الأولى‭.‬
قبل‭ ‬سن‭ ‬الرابعة‭ ‬عشرة‭ ‬لم‭ ‬أشاهد‭ ‬سمكة‭ ‬حقيقيّة‭ ‬واحدة‭. ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬السمك‭ ‬إلاّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الصور‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬والمجلاّت‭. ‬أوّل‭ ‬سمكة‭ ‬أكلتها‭ ‬كانت‭ ‬سمكة‭ ‬سردين‭ . ‬و‭ ‬قد‭ ‬حدث‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬المدرسة‭ ‬الثانويّة‭ ‬التي‭ ‬التحقت‭ ‬بها‭ ‬بعد‭ ‬نجاحــــي‭ ‬في‭ ‬الشهادة‭ ‬الابتدائيّة‭ . ‬وهي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬داخليّة‭ ‬استقرّ‭ ‬فيها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المعمّرين‭ ‬أثناء‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭ ‬لتونس‭. ‬
كنا‭ ‬نأكل‭ ‬الأرانب‭ ‬والخراف‭ ‬و‭ ‬الماعز‭ ‬وحتى‭ ‬الجمال‭. ‬أختي‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬حتى‭ ‬و‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الخامســـة‭ ‬و‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬عمـــرها‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬السمك‭ . ‬و‭ ‬عندما‭ ‬وقعت‭ ‬علبة‭ ‬سردين‭ ‬بين‭ ‬يديها‭ ‬و‭ ‬قد‭ ‬كانت‭ ‬هديّة‭ ‬من‭ ‬زوجها‭ ‬بعد‭ ‬عرسهما‭ ‬كادت‭ ‬تتقيأ‭ ‬من‭ ‬رائحتها‭ ‬و‭ ‬لم‭ ‬تأكــــــل‭ ‬منها‭ ‬أيّ‭ ‬شيء‭ . ‬أما‭ ‬ما‭ ‬يسمّيه‭ ‬سكّان‭ ‬المـــــدن‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ” ‬ثمار‭ ‬البحر‭” ‬فقد‭ ‬كنا‭ ‬نخـــــاف‭ ‬منها‭ ‬ولا‭ ‬نجرؤ‭ ‬على‭ ‬لمسها‭ ‬حتى‭ ‬لأنها‭ ‬تذكّرنا‭ ‬بالعقارب‭ ‬و‭ ‬الخنافس‭ ‬و‭ ‬العناكب‭ ‬و‭ ‬الصراصير‭. ‬
‭” ‬أن‭ ‬نكتب‭ ‬عن‭ ‬المتوسط‭ ” ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬رأيي‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬نكتب‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬عامّ‭ ‬وغامـض‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬ما‭ ‬و‭ ‬إنما‭ ‬عن‭ ‬بلدان‭ ‬محدّدة‭ ‬توجد‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬البحر‭ ‬و‭ ‬عن‭ ‬شعـــوب‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ . ‬و‭ ‬بالنسبة‭ ‬لكاتب‭ ‬تونسي‭ ‬يكتب‭ ‬بالعربيّـــــة‭ ‬مثلي‭ ‬فإنّ‭ ‬هذه‭ ‬الكتابة‭ ‬تعني‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬تونس‭. ‬
هذا‭ ‬ما‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أفعله‭ ‬طوال‭ ‬تجربتي‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬التي‭ ‬تمتدّ‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ . ‬كل‭ ‬أعمالي‭ ‬الروائيّة‭ ‬متمحـورة‭ ‬حول‭ ‬تونس‭.‬ معظم‭ ‬الثيمـات‭ ‬التي‭ ‬أقاربها‭ ‬في‭ ‬رواياتي‭ ‬مستنبطة‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬تونس‭ ‬و‭ ‬قراها‭ ‬و‭ ‬أريافها‭ ‬البعيدة‭ ‬التي‭ ‬أمضيـــت‭ ‬كل‭ ‬طفولتي‭ ‬ومراهقتي‭ ‬فيها‭. ‬
لكن‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬هاجرت‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تونس‭ ‬وحيدة‭ ‬في‭ ‬أعمالي‭. ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬يقاسمها‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬بلد‭ ‬متوسّطي‭ ‬هو‭ ‬الآخــر‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الضفّةالشماليّة‭ . ‬وهو‭ ‬فرنسا‭ ‬التي‭ ‬أقيم‭ ‬فيها‭ ‬منذ‭ ‬أعوام‭ ‬طويلة‭ . ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬يزداد‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬كتاباتي‭ ‬مكنّني‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أقـــــــــارب‭ ‬ثيمات‭ ‬جديدة‭.‬
و‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الثيمات‭ ‬اختلاف‭ ‬نمطي‭ ‬الحياة‭ ‬بين‭ ‬سكّان‭ ‬ضفتي‭ ‬المتوسّط‭ ‬الشماليّة‭ ‬والجنوبيّة‭ ‬والحـــوار‭ ‬الحضاري‭ ‬بين‭ ‬الثقافة‭ ‬العربيّة‭ ‬الإسلاميّة‭ ‬و‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربيّة‭. ‬وقد‭ ‬دفعني‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أطرح‭ ‬أسئلــة‭ ‬عن‭ ‬مسائل‭ ‬مهمّة‭ ‬جدّا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬سكّان‭ ‬الجنوب‭ ‬مثل‭ ‬علاقتنا‭ ‬بماضينا‭ ‬وبتراثنا‭ ‬وعلاقتنا‭ ‬بالآخر‭ ‬وقضايا‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬للبعض‭ ‬غير‭ ‬ذات‭ ‬جدوى‭ .‬علاقتنا‭ ‬بأجسادنـــا‭ ‬مثلا‭ . ‬علاقتنا‭ ‬بالطبيعــة‭. ‬مفهومنا‭ ‬للحبّ‭.. ‬الماضي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ” ‬مجيدا‭ ” ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭. ‬وتراثنا‭ ‬يمتلك‭ ‬حضورا‭ ‬قويّا‭ ‬في‭ ‬وعينا‭ ‬ولا‭ ‬وعينا‭ . ‬لم‭ ‬ننجح‭ ‬إلى‭ ‬حـدّ‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬علاقة‭ ‬طبيعيّة‭ ‬سليمة‭ ‬بهـذا‭ ‬الماضي‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬الحضور‭ ‬الذي‭ ‬يستحقّــــــه‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬لثقافة‭ ‬تلغي‭ ‬ماضيها‭ ‬وتستهين‭ ‬بإرثها‭ . ‬لكن‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬يطغى‭ ‬هذا‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬الحاضر‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬حياتنا‭. ‬
لا‭ ‬بدّ‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬نفكّر‭ ‬في‭ ‬علاقتنا‭ ‬مع‭ ‬الآخـر‭ ‬الذي‭ ‬يقيم‭ ‬على‭ ‬مرمى‭ ‬حجر‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الشماليّة‭. ‬سؤال‭ ‬العلاقة‭ ‬بالآخر‭ ‬طرح‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬و‭ ‬نصف‭ ‬أي‭ ‬منذ‭ ‬عصر‭ ‬الطهطاوي‭ ‬و‭ ‬خير‭ ‬الدين‭ ‬باشا‭ ‬التونسي‭ . ‬ولم‭ ‬نتمكّـن‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نجيب‭ ‬عنه‭ ‬إجابة‭ ‬مقنعةوخاصّة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تساعدنا‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ . ‬والآخــر‭ ‬كان‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يعني‭ ‬لنا‭ ‬الغرب‭ ‬وتحديـدا‭ ‬أوروبا‭.‬
‭ ‬فوعينا‭ ‬بذاتنا‭ ‬يتشكّل‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬والمنحى‭ ‬الذي‭ ‬تتّخذه‭. ‬
لقد‭ ‬كانت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬وأوروبا‭ ‬وخاصّة‭ ‬بلدانها‭ ‬المتوسّطية‭ ‬متوتّرة‭ . ‬الحروب‭ ‬الصليبية‭ ‬التي‭ ‬دامــــت‭ ‬حوالي‭ ‬ثلاثة‭ ‬قرون‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬متوسّطي‭ ‬وهو‭ ‬فرنسا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬دعا‭ ‬البابا‭ ‬أوربان‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬كليرمون‭ “‬المؤمنين‭” ‬المسيحيّين‭ ‬إلى‭ ‬التوجّه‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬القدس‭ ‬لتحرير‭ ‬قبر‭ ‬السيّد‭ ‬المسيح‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ” ‬الكفّار‭” . ‬

السيطرة‭ ‬على‭ ‬المتوسّط

والصـراع‭ ‬الدامي‭ ‬الذي‭ ‬نشب‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬المتوسّط‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬طرفيه‭ ‬بلد‭ ‬متوسّطي‭ ‬وهو‭ ‬إسبانيا‭. ‬وفي‭ ‬وقــت‭ ‬قريــب‭ ‬ستّة‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬المتوسّــط‭ ‬العربيّة‭ ‬استعمرها‭ ‬لفترات‭ ‬متفاوتة‭ ‬بلد‭ ‬متوسّطي‭ ‬وهو‭ ‬فرنسا‭. ‬وإسبانيا‭ ‬استعمرت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬المغرب‭. ‬وإيطاليا‭ ‬استعمرت‭ ‬ليبيا‭. ‬
لا‭ ‬ننكر‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬المتوتّرة‭ ‬سمحت‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬قصيرة‭ ‬بتبادل‭ ‬ثقافي‭ ‬كما‭ ‬مكنّت‭ ‬الثقافتين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تختبــــــرا‭ ‬ذاتيهما‭ ‬و‭ ‬أن‭ ‬تكتشفا‭ ‬حدودهما‭ . ‬الحروب‭ ‬هي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الحوار‭ ‬أيضا‭. ‬لكنها‭ ‬تركــت‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الحذر‭ ‬والريبة‭ ‬وسوء‭ ‬التفاهم‭ ‬وعدم‭ ‬الاطمئنان‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نرى‭ ‬آثاره‭ ‬إلى‭ ‬حــدّ‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬المجالات‭. ‬
التفكير‭ ‬في‭ ‬المتوسّط‭ ‬هو‭ ‬إذن‭ ‬فرصـــــــة‭ ‬أخرى‭ ‬للنظر‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬وفي‭ ‬السبل‭ ‬التي‭ ‬تمكّن‭ ‬الثقافتين‭ ‬مـــن‭ ‬أن‭ ‬تتعاونــا‭ ‬وأن‭ ‬تتصدّيا‭ ‬للتحديّات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬بلدان‭ ‬جنوب‭ ‬المتوسّط‭ ‬كما‭ ‬بلدان‭ ‬شماله‭. ‬وهي‭ ‬كثيرة‭ ‬وبعضها‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬جديد‭ ‬خاصّة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لبلدان‭ ‬الضفّة‭ ‬الجنوبيّة‭ ‬التي‭ ‬شهــد‭ ‬عدد‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬الأخيرة‭ ‬ثورات‭ ‬وانتفاضـــات‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬صار‭ ‬يعرف‭ ‬بـ‭ “‬الربيع‭ ‬العربي‭” ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬ستتعامل‭ ‬بها‭ ‬ثقافات‭ ‬المتوسـطّ‭ ‬مع‭ ‬ثقافة‭ ‬العولمة‭ ‬بكل‭ ‬حمولتها‭ ‬الفكريّة‭ ‬وما‭ ‬تتضمنّه‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬ومفاهيم‭ ‬وتصوّرات‭ ‬جديدة‭ ‬لم‭ ‬تنتجــــها‭ ‬ثقافات‭ ‬المتوسّــط‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬الكثير‭ ‬منها‭ . ‬فالعولمة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬أوجهها‭ ‬أمريكيةّ‭ ‬أنكلوساكسونيّة‭ . ‬
‭ ‬
روائي‭ ‬تونسي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية