أعرف منذ أن بدأت أعي العالم أني أنتمي كمواطن تونسي إلى بلـد يوصف أنه ” متوسّطي “. دائما يتحدّثـون عن هذا في وسائـــل الإعلام.
ويقترن هذا الحديث عادة بشيء من الافتخار والاعتزاز. كيف لا ونحن ننتمـي إلى منطقة حباها الله بعدة مزايــا. فهي تقع جغرافيّا في قلب العالم بل إنها سرّته. طقسها المعتدل رائع. وزراعتها شديدة التنوّع.
مهد الحضارات
أمّا تاريخيّا فقد كانت مسرحــا لأحداث حاسمة ليس بالنسبة للمنطقة فحسب وإنما لكل العالم أيضا. والأهمّ من كل هذا أرض الأنبياء ومهد الحضارات. الحضارة اليونانيّة. الحضارة الرومانيّة. حضارة قرطاج . حضارة الأندلس..
كل هذا يبدو واضحا. لكن حين يتعلّق الأمر بالكتابة يصير الأمر معقّدا بعض الشيء . ماذا تعني “الكتابـة عن المتوسّط ؟ ” وإلى أيّ حدّ هي ممكنة في عالم شديد التغيّر ؟ أتصوّر أنّ هذا لا يمكن أن يحـــدث إلاّ عندما يكون الكاتب واعيا تماما بـ ” متوسّطيته ” لا بدّ أيضا أن يكون متبنّيا لها و مستوعبا لها كمشروع و كرؤية.
لكن ما معنى أن يكون الكاتـب ” متوسّطيّا” ؟ هل هناك خصائص محدّدة يجب أن تتوفّر فيه؟ ما هي؟ ثم هل هي تختلـف عمّا نجده لدى كاتب ياباني أو صيني مثلا؟ هل أنا ككاتب تونسي أكثر قربـا في مناخاتي الأدبيّة وتصوّراتي ومفاهيمي إلى كاتـــــب يوناني أو إسباني مني إلى كاتـــب عراقي أو موريتاني مثلا؟
هنا أودّ أن أشير إلى شيء شخصي لكن أعتبره أساسيّا في تحديد هويّتي ككاتب وهو أنّ علاقتي بـ” البحر” وهو الذي تستمـــــدّ منه هذه المنطقة اسمها ويمنحها خصوصيتها ليسـت قويّة. لقد ولدت في قرية في عمق الريف التونسي . مناخاتها في كل الفصول هي أقرب إلى مناخات الصحراء . عواصفها الرمليّة أكثر من أمطارها. ولا مكــــان فيها للأزرق اللــــون المتوسّطي بامتياز إلا قليلا.
رأيت البحر للمرّة الأولى وأنا في الثامنة عشرة من عمري . و لا أظنّ أني التونسي الوحيد الذي رأى البحـــر وهو في هذه السنّ المتقدّمة . وسبحت في مياهه بعد عامين من ذلك .لا أزال أذكر أوّل لقاء لي به . حدث هذا في مدينة نابل التي تقـع في شمال تونس.
أذكر أني وقفت بعيدا عنه عندما رأيته . لم أجرؤ على الاقتراب منـــــــه . فقد شعرت بقليل من الخوف . إلاّ أن هذا الخوف رافقه اندهاش كبير ممزوج بالفرح . وقد كتبت فيما بعد قصـة قصيرة عن لقائي الأوّل بالبحر عنوانها ” غائص فيك يا بحر” ونشرت في مجموعتي القصصيّة الأولى.
قبل سن الرابعة عشرة لم أشاهد سمكة حقيقيّة واحدة. لم أكن أعرف السمك إلاّ من خلال الصور في الكتب والمجلاّت. أوّل سمكة أكلتها كانت سمكة سردين . و قد حدث هذا في مطعم المدرسة الثانويّة التي التحقت بها بعد نجاحــــي في الشهادة الابتدائيّة . وهي تقع في بلدة داخليّة استقرّ فيها عدد من المعمّرين أثناء الاستعمار الفرنسي لتونس.
كنا نأكل الأرانب والخراف و الماعز وحتى الجمال. أختي لم تعرف حتى و هي في الخامســـة و العشرين من عمـــرها ما معنى السمك . و عندما وقعت علبة سردين بين يديها و قد كانت هديّة من زوجها بعد عرسهما كادت تتقيأ من رائحتها و لم تأكــــــل منها أيّ شيء . أما ما يسمّيه سكّان المـــــدن على الساحل ” ثمار البحر” فقد كنا نخـــــاف منها ولا نجرؤ على لمسها حتى لأنها تذكّرنا بالعقارب و الخنافس و العناكب و الصراصير.
” أن نكتب عن المتوسط ” لا يعني في رأيي إذن أن نكتب عن شيء عامّ وغامـض إلى حدّ ما و إنما عن بلدان محدّدة توجد حول هذا البحر و عن شعـــوب هذه البلدان . و بالنسبة لكاتب تونسي يكتب بالعربيّـــــة مثلي فإنّ هذه الكتابة تعني بكل بساطة أن أكتب عن تونس.
هذا ما أحاول أن أفعله طوال تجربتي في الكتابة التي تمتدّ على أكثر من أربعة عقود . كل أعمالي الروائيّة متمحـورة حول تونس. معظم الثيمـات التي أقاربها في رواياتي مستنبطة من مدن تونس و قراها و أريافها البعيدة التي أمضيـــت كل طفولتي ومراهقتي فيها.
لكن بعد أن هاجرت لم تعد تونس وحيدة في أعمالي. فقد بدأ يقاسمها هذا الحضور بلد متوسّطي هو الآخــر وإن كان من الضفّةالشماليّة . وهو فرنسا التي أقيم فيها منذ أعوام طويلة . هذا البلد الذي يزداد حضوره في كتاباتي مكنّني من أن أقـــــــــارب ثيمات جديدة.
و من أبرز هذه الثيمات اختلاف نمطي الحياة بين سكّان ضفتي المتوسّط الشماليّة والجنوبيّة والحـــوار الحضاري بين الثقافة العربيّة الإسلاميّة و الثقافة الغربيّة. وقد دفعني إلى أن أطرح أسئلــة عن مسائل مهمّة جدّا بالنسبة لنا سكّان الجنوب مثل علاقتنا بماضينا وبتراثنا وعلاقتنا بالآخر وقضايا أخرى قد تبدو للبعض غير ذات جدوى .علاقتنا بأجسادنـــا مثلا . علاقتنا بالطبيعــة. مفهومنا للحبّ.. الماضي لا يزال ” مجيدا ” بالنسبة لنا. وتراثنا يمتلك حضورا قويّا في وعينا ولا وعينا . لم ننجح إلى حـدّ الآن في إيجاد علاقة طبيعيّة سليمة بهـذا الماضي بحيث يكون له الحضور الذي يستحقّــــــه إذ لا قيمة لثقافة تلغي ماضيها وتستهين بإرثها . لكن بدون أن يطغى هذا الماضي على الحاضر كما يحدث الآن في الكثير من مظاهر حياتنا.
لا بدّ أيضا أن نفكّر في علاقتنا مع الآخـر الذي يقيم على مرمى حجر منها في الضفة الشماليّة. سؤال العلاقة بالآخر طرح منذ أكثر من قرن و نصف أي منذ عصر الطهطاوي و خير الدين باشا التونسي . ولم نتمكّـن إلى حدّ الآن من أن نجيب عنه إجابة مقنعةوخاصّة قادرة على أن تساعدنا على تنظيم هذه العلاقة . والآخــر كان ولا يزال يعني لنا الغرب وتحديـدا أوروبا.
فوعينا بذاتنا يتشكّل أيضا من طبيعة هذه العلاقة والمنحى الذي تتّخذه.
لقد كانت العلاقة بين العالم الإسلامي وأوروبا وخاصّة بلدانها المتوسّطية متوتّرة . الحروب الصليبية التي دامــــت حوالي ثلاثة قرون انطلقت من بلد متوسّطي وهو فرنسا بعد أن دعا البابا أوربان الثاني من مدينة كليرمون “المؤمنين” المسيحيّين إلى التوجّه إلى مدينة القدس لتحرير قبر السيّد المسيح من المسلمين ” الكفّار” .
السيطرة على المتوسّط
والصـراع الدامي الذي نشب للسيطرة على المتوسّط في القرن السادس عشر كان أحد طرفيه بلد متوسّطي وهو إسبانيا. وفي وقــت قريــب ستّة من بلدان المتوسّــط العربيّة استعمرها لفترات متفاوتة بلد متوسّطي وهو فرنسا. وإسبانيا استعمرت جزءا من المغرب. وإيطاليا استعمرت ليبيا.
لا ننكر أنّ هذه العلاقة المتوتّرة سمحت في فترات قصيرة بتبادل ثقافي كما مكنّت الثقافتين من أن تختبــــــرا ذاتيهما و أن تكتشفا حدودهما . الحروب هي شكل من أشكال الحوار أيضا. لكنها تركــت كثيرا من الحذر والريبة وسوء التفاهم وعدم الاطمئنان. وهذا ما نرى آثاره إلى حــدّ الآن في الكثير المجالات.
التفكير في المتوسّط هو إذن فرصـــــــة أخرى للنظر من جديد في هذه العلاقة وفي السبل التي تمكّن الثقافتين مـــن أن تتعاونــا وأن تتصدّيا للتحديّات الكبرى التي تواجهها بلدان جنوب المتوسّط كما بلدان شماله. وهي كثيرة وبعضها من نوع جديد خاصّة بالنسبة لبلدان الضفّة الجنوبيّة التي شهــد عدد منها في الأعوام الأخيرة ثورات وانتفاضـــات ضمن ما صار يعرف بـ “الربيع العربي” لا بدّ أيضا من التفكير في الطريقة التي ستتعامل بها ثقافات المتوسـطّ مع ثقافة العولمة بكل حمولتها الفكريّة وما تتضمنّه من قيم ومفاهيم وتصوّرات جديدة لم تنتجــــها ثقافات المتوسّــط بل إنها تتعارض مع الكثير منها . فالعولمة هي في الأساس وفي كل أوجهها أمريكيةّ أنكلوساكسونيّة .
روائي تونسي