لم تتغير مقاربة إسرائيل تجاه الفلسطينيين لا قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ولا بعده. وهي كذلك لم تتراجع عن أهدافها المعلنة، والخفية أيضا، في المعركة التي استأنفت جولتها الجديدة بعد توقف مؤقت لنحو سبعة أيام. هي جولة جديدة من المواجهة الحالية، تسعى قوة الاحتلال العاتية من خلالها إلى إخضاع المقاومة الفلسطينية وترويع أهل قطاع غزة إلى أقصى مدى ممكن.
انتهت الجولة الأولى التي امتدت على مدار نحو خمسين يوما بخسائر فلسطينية بشرية ومادية غير مسبوقة تفوق حدود الاحتمال، وظلت المقاومة على حالها وموقفها، في حين قبلت إسرائيل الدخول في هدنة مؤقتة، ولم تكن قد تمكنت من تحقيق هدفها المعلن في القضاء على المقاومة وتصفية حركة حماس. وعلى ما يبدو، تبقى أهداف إسرائيل هذه غير قابلة للتحقيق، ولهذا فإن استنئاف النزال هذه المرة يحمل معه ملامح أكثر قساوة وعنفا، في محاولة لفرض شروط جديدة تتعدى شروط عملية تبادل الأسرى الأخيرة.
تدرك إسرائيل أن القضاء على المقاومة غير ممكن، لكنها تتسلح بهدف القضاء عليها مجددا تحت يافطة الدفاع عن النفس لتبرير إقامة منطقة عازلة في القطاع المدمر والمحاصر تحميها، كما تقول، في المستقبل من أي خطر محتمل لتجدد المقاومة. تفعل إسرائيل ذلك بأدوات متعددة قتالية فتاكة تقتل الإنسان وتدمر المكان وبترخيص دولي تقوده إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن. وبالفعل لم يهدر الجيش الإسرائيلي وقتا، وبادر فور استئناف القتال إلى شن هجوم كاسح مميت في مدن وقرى بلدات جنوب قطاع غزة.
وحسب إفادات السكان وما تمكنت كاميرات القنوات الفضائية من توثيقه، فإن الهجوم الجوي والبري والبحري الذي شنه الجيش الإسرائيلي على المنطقة، دفع عشرات آلاف المواطنين الفلسطينيين إلى الفرار إلى أماكن الإيواء والطرقات التي لم تنج أيضا من قذانف وصواريخ جيش إسرائيل، علما ان منطقة الجنوب هي المكان الذي طلبت فيه إسرائيل من سكان شمال غزة الانتقال إليه مع بداية العدوان في شهر أكتوبر الماضي، على اعتبار انها منطقة آمنة.
التوجه إلى رفح
اللافت ان إسرائيل تطلب الآن من سكان مناطق الجنوب التوجه إلى رفح في أقصى الجنوب، وهي المنطقة التي تكدست بالنازحين والفارين من جحيم النيران الإسرائيلية، وهي زادت على ذلك بان نشرت خريطة تقسم قطاع غزة إلى مربعات وكتل يحمل كل مربع فيها رقما محددا، وراحت بواسطة مناشير تلقيها من طائراتها تخصص هذه المربعات الإفتراضية لمجموعات من السكان وتطلب منهم الانتقال إليها. هي محالاوت ارباك تدفع الفارين تحت القصف العشوائي إلى حالة من التيه والاضطراب بانتظار ما ستقرره لهم آلة الحرب الإسرائيلية تاليا.
وفي غضون ذلك، لا تعمل إسرائيل فقط لوضع خطط إقامة مناطق عازلة فحسب، بل انها بدأت تتحدث علنا حول تقليص عدد سكان القطاع إلى أقل قدر ممكن في سعيها للضغط على المقاومة من خلال مواصلة قتل السكان وتحويل القطاع إلى منطقة غير قابلة للعيش الآدمي، علما بانها قتلت في الجولة الأولى من هذا العدوان أكثر من عشرين الف إنسان، ناهيك عن آلاف المفقودين وتدمير أكثر من 60 في المئة من المساكن فيها، أضافة إلى تدمير البنية التحتية والمرافق العامة.
وباتت خطة إسرائيل في دفع الفلسطينيين قسرا إلى مغادرة القطاع نحو شبه زيارة سيناء تقترب شيئا فشيئا من التنفيذ، لولا صمود المواطنين والرفض المصري المعلن لها. ولا يمكن فهم دفع السكان حاليا بالتوجه نحو رفح سوى كدليل قوي على ذلك. وهذا ما صرحت به المتحدثة باسم المجلس النرويجي للاجئين شاينا لو، عندما قالت للصحافة «إن ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة حاليا يؤكد نيتها تهجير السكان باتجاه شبه جزيرة سيناء المصرية، وأن العالم لا يلقي بالا لهذا الأمر حتى الآن» وأضافت لو أن «غزة تعيش كارثة إنسانية، وإن 80 في المئة من السكان يسكنون في الجنوب بعدما طلبت منهم إسرائيل إخلاء شمالي القطاع» مضيفة «اليوم يطالبونهم بالانتقال نحو رفح، وبعدها لن يكون أمامهم إلا الدخول إلى سيناء هربا من الضغط العسكري».
وتعمل إسرائيل بجد وبيد من حديد ونار في محاولة مسعورة لتطبيق ذلك منذ لحظة استئناف جولة القتال الجديدة، وقد مهدت لذلك بان عرقلت دخول جميع المساعدات الإنسانية خلال أيام الهدنة السبعة الأخيرة وعملت من خلال قوة النار على جعل الجنوب منطقة غير آمنة ما عدا رفح التي يمكن ان تصبح أيضا في وقت ما داخل خط الخطر ليندفع السكان تلقائيا إلى أقصى الجنوب نحو شبه جزيرة سيناء، وتتحول المسألة عندها إلى قضية تتعلق بمصر والمنقطة وليس بإسرائيل.
وتريد إسرائيل إرهاب السكان معنويا بوسائل أخرى خارج الميدان، لاسميا تلك الخطة التي تردد صداها في وسائل إعلام إسرائيلية وتهدف إلى تقليص عدد الفلسطينيين في قطاع غزة إلى أقل مستوى ممكن. وقد كشفت صحيفة «يسرائيل هيوم» الجمعة، أن وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون درمر يعكف على إعداد خطة طلبها منه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تهدف إلى تقليص عدد المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة إلى أقل قدر ممكن في أعقاب الحرب التي يشنها جيش الاحتلال على القطاع.
وأكدت «يسرائيل هيوم» أن الخطة التي يعكف عليها الوزير الليكودي درمر لم يطلع عليها معظم أعضاء المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن، ولم تناقش في المؤسسات والمحافل الرسمية، نظراً لـ«حساسيتها» وفقاً للصحيفة التي توقعت أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن سترفضهاً، فضلاً عن أن الرأي السائد هو أن الخطة «غير واقعية وتعبر عن فنتازيا.
وفي المقابل، رجحت الصحيفة أن تحظى الخطة بدعم وزراء «حزب الليكود» الذي يتزعمه نتنياهو، وحركة «القوة اليهودية» بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وحركة «الصهيونية الدينية» بقيادة وزير المالية بتسلال سموتريتش. واستدركت الصحيفة أنه على الرغم من موقف المجتمع الدولي والمؤسسة العسكرية في تل أبيب من الخطة إلا أن نتنياهو يرى في تطبيقها هدفاً استراتيجياً لحكومته.
المقاومة ما زالت صلبة وتقاتل
وبغض النظر عن جدية هذه الخطة واحتمالات تطبيقها على أرض الواقع، فإن ما تنفذه إسرائيل في قطاع غزة منذ بدء العدوان الأخير على قطاع غزة، وعمليات التهجير ومصادرة الأراضي التي تنفذها ونفذتها حكومات إسرائيل المتعاقبة لصالح المستوطنين والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، تجعل من خطة نتنياهو الجديدة هذه أمرا بسيطا، وأن الأمر لا يخرج عن نطاق المقاربة الإسرائيلية الأساسية في التعامل مع الفلسطينيين على أنهم ليسوا اكثر من مجموعة سكانية طارئة يحق لإسرائيل التعامل معها كيف تشاء ومتى تشاء.
صحيح أن الكونغرس الأمريكي يعمل على طرح خطة تهجير فلسطينيي غزة واستيعابهم في دول عربية مقابل اغراءات مالية، والصحيح أيضا ان إدارة باديدة لا تملك كل الوقت لمنحه لإسرائيل لتنفيذ ما تريد في قطاع غزة، بل ان الوقت يلعب ضدهما، أن على إسرائيل ان تستعجل في «تقليل عدد الفلسطينيين» في قطاع غزة. وهذا ما حاولت إسرائيل ان تفعله في جولة الإخضاع الحالية في نزالها مع الفلسطينيين.
المقاومة ما زالت صلبة وتقاتل، والعالم لا يمكنه مواصلة الصمت والسكون إلى ما لا نهاية، وإدارة بايدن تواجه معارضة داخلية متزايدة بسبب دعمها للهجوم العسكري الإسرائيلي على حماس في غزة، ما يعكس جدلاً أوسع في المجتمع الأمريكي وانقسامًا بين الأجيال بين الديمقراطيين حول هذه القضية.
وقد أكدت شبكة «ان بي سي نيوز» الأمريكية نقلاً عن مسؤولين أن النطاق الاستثنائي للمعارضة داخل الحكومة، بما في ذلك التصريحات في رسائل مفتوحة من موظفي الحكومة، يتجاوز أي شيء شوهد في الإدارات السابقة التي يعود تاريخها إلى الثمانينات، بما في ذلك خلال حرب العراق والقيود التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على السفر من الدول ذات الأغلبية المسلمة.
وقال آرون ديفيد ميلر، وهو زميل بارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، والذي عمل في وزارة الخارجية من عام 1978 إلى عام 2003: «إنه أمر رائع وغير مسبوق. لم أر شيئًا مثل ذلك من قبل». المقاومة في غزة تسمع ذلك وتعرفه أيضا، ولا تبدي أي استعداد للخضوع.