ناجي جلول لـ”القدس العربي”: تونس بين سلطة مهووسة بالتآمر ومعارضة محكومة بالمراهقة السياسية

حجم الخط
0

تونس – “القدس العربي”: اعتبر ناجي جلول رئيس حزب الائتلاف الوطني التونسي أن تونس تعيش اليوم بين سلطة مهووسة بالتآمر ومعارضة عاجزة عن توحيد صفوفها، داعيا المعارضة إلى التخلي عن المراھقة السياسية والأحقاد الإيديولوجية وتوحيد صفوفها لقلب الموازين لصالحھا.

وقال، في حوار خاص مع “القدس العربي”: “تونس تعيش اليوم بين فشل سياسي متراكم وسلطة مھووسة بالتآمر ومعارضة عاجزة عن توحيد صفوفھا وتفتقر إلى شخصية قيادية جامعة وقادرة على إقناع الشارع المنھك وتوحيد القوى المتناثرة والمتصارعة، وتشكيل جبھة عريضة لاستقطاب فئات غير مؤطرة، خاصة من الشباب”.

سلطة عاجزة ومعارضة بلا رؤية

واعتبر جلول أن تزايد عدد المبادرات السياسية الساعية لتوحيد المعارضة ونجاحھا المحدود “يكشف عن عمق الأزمة التي تمر بھا المعارضة، إذ تنوعت المبادرات في الشكل ولكنھا تقاطعت في افتقارھا لرؤية موحدة واستراتيجية واضحة، كما أن المعارضة من أجل الحقوق والحريات فقط غير ناجعة ما لم ترتبط بتقديم مشروع سياسي موحد بديل يتناول المجالات الاقتصادية والاجتماعية، مشروع يبني جمهورية تؤسس لدولة المواطنة وتضمن التداول السلمي على السلطة، وتفصل بين السلطات وتحمي الحقوق والحريات وتقطع مع ثقافة الإلغاء والإقصاء، التي ما زالت بعض مكونات المعارضة متمسكة بھا”.

وأضاف: “على المعارضة التخلي عن منطق المراھقة السياسية والأحقاد الإيديولوجية من أجل بناء جبھات مرحلية قادرة على قلب الموازين لصالحھا”.

“مع تواصل إخفاق السلطة، أصبحت نظرية المؤامرة آلية سياسية ثابتة ترمي أسباب الفشل على الآخر الداخلي والخارجي للحفاظ على تماسك الأنصار”

وتابع جلول: “لتوفير أسباب نجاح ھذه المبادرات، على المعارضة أن تقوم بثورة على نفسھا من خلال القيام بمراجعات لتجربتھا خلال عشرية الرخاء الديمقراطي، حيث حولت المشھد السياسي إلى متحف مفتوح لحروب الذاكرة والھوية، لا مختبر لبناء المستقبل. ولم تنتج ھذه السنوات مؤسسات صلبة وبرامج مثمرة، بل كانت غالبا -للأسف- محطة سجال عقيم وصراع مرير للفوز بالسلطة واستحضار الخصومات الإيديولوجية”.

كما اعتبر أن بعض أطراف المعارضة “ما زال مرتھنا لقيادات مستھلكة فقدت الكثير من بريقھا، وهي أسيرة حسابات إيديولوجية تعزلھا عن الشارع، ولا تزال غير قادرة على بلورة خطاب يلامس الواقع المعيشي الصعب، ما يجعلھا غير قادرة على تعبئة الرأي العام الذي يغلب عليه النفور من السياسة نتيجة لأخطاء الماضي وحملات التشويه في وسائل  التواصل الاجتماعي، والأدھي أن بعض رموز المعارضة لم يقرأ التحول العميق الذي أحدثته الثورة في الذھنيات، وما زال مھووسا بالماضي البعيد بكل رواسبه الثقافية والسياسية والدينية، وبسبب عجزه عن فھم الحاضر واستنباط نظرة استشرافية للمستقبل، يقوم باستحضار (الماضي الجميل)”.

ودعا جلول المعارضة التونسية إلى “التحول من مجرد أحزاب نخبوية إلى فاعل سياسي كبير عبر ضخ دماء جديدة والانفتاح على الكفاءات الشابة، التخلي عن الخردة الإيديولوجية واعتماد خطاب جديد وعصري يوازن بين مطلب الحريات والعدالة الاجتماعية”.

الانقلاب الطبي غير واقعي

وكان الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي حذر في وقت سابق من “طبخة” يتم الإعداد لها لتكرار سيناريو “الانقلاب الطبي” مع الرئيس قيس سعيد.

وعلق جلول على ذلك بقوله: “تحذير المرزوقي من انقلاب طبي سياسي أكثر منه استباقي، وينطلق من تمركز السلطة في يد واحدة وھشاشة المؤسسات القادرة على تصحيح المسار من الداخل. كما أن ھذا السيناريو مستبعد وغير واقعي، في ظل غياب مؤسسات بديلة قوية مع الفارق الزمني وتطور أساليب الحكم وتعقيداته، فلكل مرحلة من التاريخ ظروفھا وتمثلاتھا، إضافة إلى تماسك منظومة أنصار الرئيس قيس سعيد”.

“الفشل في إدارة الشأن العام يُعالج بحوار شامل ومصالحة بين الدولة والمجتمع، وتشكيل جبھة داخلية صلبة تحافظ على السلم الاجتماعي والسيادة الوطنية”

وأضاف: “إن ما ذھب إليه المرزوقي -رغم استبعاد وقوعه- مرده المناخ المشحون وتجذر سردية المؤامرة التي انتجت حالة من الشك الجماعي، حيث أصبح المواطن لا يثق في السلطة ولا في المعارضة ولا في المؤسسات، وھو وضع يؤسس – إن استمر طويلا- لانهيار الرابط بين الدولة والمواطن”.

من جانب آخر، انتقد جلول صدور “أحكام قاسية في النسخة الثانية من قضية “التآمر”، بعد محاكمة لا يتوفر فيھا الحد الأدنى من معايير المحاكمة العادلة، وفي ظل قضاء يتجه نحو الخضوع للسلطة التنفيذية”، معتبرا أن “توسع دائرة “المتآمرين” يعكس مزاجا سلطويا لا يحتمل المعارضة، ويدشن عودة البلاد تدريجيا إلى مربع التضييق على الحريات”.

وأضاف: “ھذا المناخ المشحون يبشر بنسخ جديدة من المحاكمات تكريسا للمزيد من الانغلاق، ولا ننسى أن السردية الرسمية لتبرير لحظة الخامس والعشرين من جويلية/ تموز قامت أساسا على اتھامات مغرقة في المؤامراتية. ومنذ ذلك التاريخ دخلت تونس في مرحلة عنوانھا الأساسي هو احتكار السلطة باسم التصحيح، لكن بدون برامج تنموية واضحة أو حلول ملموسة لمشاكل البلاد الاقتصادية والاجتماعية”.

وتابع جلول: “ومع تواصل الإخفاق، أصبحت نظرية المؤامرة آلية سياسية ثابتة ترمي أسباب الفشل على الآخر الداخلي والخارجي، وتصور المعارضة كجزء من مؤامرة دولية، وتوسع يوما بعد يوم دائرة “المتآمرين، من سياسيين وإعلاميين ورجال أعمال، للحفاظ على ديمومة السردية وتماسك الأنصار”.

واعتبر أن “الفشل في إدارة الشأن العام لا يعالج بتخوين الآخر أو تصفية الخصوم والاستمرار في تصدير الأزمة، بل إن الحكمة تتطلب الشجاعة في البدء بحوار شامل ومصالحة بين الدولة والمجتمع، احترام قواعد اللعبة الديمقراطية وتشكيل جبھة داخلية صلبة تحافظ على السلم الاجتماعي والسيادة الوطنية”.

“إعلام الطناجر” مشغول بالقضايا الهامشية

وحول تصدر قضايا هامشية، دينية وأخلاقية، للمشهد الإعلامي التونسي، قال جلول “القضايا الھامشية خاصة ذات الطابع الأخلاقي تستخدم اليوم في “إعلام الطناجر” (مصطلح يطلقه التونسيون على القنوات التي تبث إعلانات متواصلة عن الأدوات المنزلية) كقنابل دخانية لصرف الانتباه عن الأزمات الحقيقية مثل البطالة والغلاء ومصادرة الحريات، وتحويل الجدل العام من الأسئلة الكبرى نحو قضايا ھامشية غدت الطبق الرئيسي للإعلام التونسي. وھو أسلوب يعكس حالة فراغ سياسي وثقافي يقع ملؤھا بصراعات وھمية تُشغل الرأي العام”.

“حدوث انقلاب طبي مستبعد وغير واقعي، في ظل غياب مؤسسات بديلة قوية، إضافة إلى تماسك منظومة أنصار الرئيس قيس سعيد”

وفيما يتعلق بالجدل الإعلامي المثار حول موضوع “التشيع”، قال جلول: “مسألة التشيع مختلفة. أنا شخصيا مع حرية المعتقد والضمير ولا أدخل في جدال حول العقائد. ولا يزعجني الوجود الشيعي في تونس، سواء كان إسماعيليا أو إثني عشريا”.

واستدرك بقوله: “لكن لا يمكنني أن اقبل “التشيع السياسي” أي الإيديولوجية الإيرانية التي توظف ھذا المذھب في العمل السياسي، وولاء الجماعة المعلن للقيادة الإيرانية ومرشدھا العام، أي قيادة خارج الوطن لا تفرق بين السلطة السياسية والسلطة الدينية”.

أزمات اتحاد الشغل تبعده عن دوره الوطني

ويرى المراقبون أن اتحاد الشغل الذي لعب دورا سياسيا كبيرا خلال العقود الماضية، بات اليوم مشغولا غائب عن المشهد السياسي وغارق في خلافاته الداخلية.

وقال جلول: “في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العميقة التي تمر بھا البلاد، نفتقد دور الاتحاد العام التونسي للشغل كقوة فاعلة ومؤثرة كما كان شأنه في محطات مفصلية سابقة، فمنظمة فرحات حشاد (مؤسس الاتحاد) التي تعيش بدورھا أزمة داخلية حادة، باتت أقرب إلى التموقع في مربع الترقب والتصريحات الخجولة بدلا عن المبادرة والتأثير في المآلات الوطنية الكبرى. فلا هي مستعدة لمواجهة السلطة ولا راغبة في التحالف مع المعارضة”.

وأضاف: “في ظل غياب مبادرة سياسية كبيرة والتدھور الحاد للأوضاع، تصبح عودة الاتحاد ضرورة لإنقاذ المسار ولعب دوره التعديلي المعتاد، لا كفاعل سياسي مباشر بل كحكم وطني، لأنه رغم أزمته الداخلية يبقى فاعلا له وزن جماھيري وتنظيمي وقواعد نشيطة ومصداقية تاريخية، وكل ھذا يؤھله لألا يُبقي نشاطه منحصرا في المطلبية القطاعية، ويستعيد دوره كقوة توازن، ويطرح مبادرة وطنية تخرج الشأن العام من منطق المواجھة بين السلطة والمعارضة إلى أفق وطني جامع يربط بين الضرورة الاجتماعية والحل السياسي”.

“على المعارضة التخلي عن منطق المراھقة السياسية والأحقاد الإيديولوجية من أجل بناء جبھات مرحلية قادرة على قلب الموازين لصالحھا”

وحول دور بقية مكونات الرباعي الراعي للحوار، قال جلول: “رغم تراجع دورھا، تبقى منظمات مثل ھيئة المحامين ورابطة حقوق الإنسان، قادرة على دعم مشروع إنقاذ وطني محايد وبناء الجسور بين الأطراف المتنازعة في ظل شرعية سياسية متآكلة، وعلى القوى الاجتماعية- وفي مقدمتها اتحاد الشغل- الدفع نحو حوار وطني سياسي واجتماعي يحمي البلاد من مخاطر انفلات الحراك الاجتماعي”.

وحول ترشيح الرباعي الراعي للحوار للمقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي لجائزة نوبل للسلام، قال جلول: “ألبانيزي صوت دولي شجاع أزعج إسرائيل وأصدقائھا في الغرب. لقد أدانت بقوة انتھاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لھا الشعب الفلسطيني، ودعت إلى مساءلة إسرائيل بتهمة انتهاكات حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة”.

وأضاف: “ھذا الترشيح ھو قبل كل شيء موقف أخلاقي وإنساني واضح، يؤكد من خلاله الرباعي الراعي للحوار التزامه التاريخي بالقضايا العادلة، ويعيد وضع تونس في موقع الداعم الكبير للقيم الإنسانية الكونية، في ظل انحسار دور الدبلوماسية التونسية. وھو أيضا رسالة للداخل التونسي، يؤكد فيها أهم مكون للرباعي (اتحاد الشغل) بأنه مازال يستطيع اتخاذ مواقف مستقلة خارج منطق الولاء للسلطة، ويذكر بدور الرباعي كقوة وازنة قادرة على لعب الدور الذي أدته خلال أزمة 2013”.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية