قد يبدو مريحا لدى البعض في النخبة السياسية والإعلامية المصرية إعلان قائد الجيش المصري المستقيل عبد الفتاح السيسي عزمه الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بالنظر الى حالة التفكك والسيولة السياسية التي وصلت إليها مصر، والتي تحتاج إلى من يعيد ضبط إيقاعها من جديد، وفق أساليب غير تقليدية، لكن ذلك الإعلان لا يبدو كذلك في نظر البعض الآخر الذي يرى أن هذه الحالة من السيولة والتمزق لم تتولد إلا عبر خطط وضعت للإطاحة بآمال طبقة من المصريين، رأت بعد الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011 أن مصر تستحق حاكما مدنيا، حتى لو لم يكن ذا خبرة واسعة اذ يكفيه أن يشرع في تحقيق أهداف الثورة الشعبية. وأيا ما كان الأمر فان ذلك الإعلان الذي لم يكن مفاجئا، بعد أن تم تمهيد الأرض والمزاج الشعبي العام، عن طريق الاقتناع أو الإكراه بجدوى وجود رئيس ذي خلفية عسكرية في ذات المكان الذي شغله رئيس مدني منتخب بإرادة شعبية تم تجاهلها محليا وإقليميا ودوليا بعد الثلاثين من يونيو/حزيران الفائت. لكن المثير في الأمر في ذلك الإعلان أن العسكري السابق بدا مضطربا إلى حد بعيد، وهو يتحدث مخاطبا المصريين عن الوضع الاقتصادي، فلم يكن واضحا امتلاكه رؤية حقيقية أو مقنعة تجاه الوضع الاقتصادي المأساوي الذي وصلت إليه مصر، إذ اعتمد السيسي على جمل إنشائية وآمال لا تختلف عن الآخرين، وطبقة صوتية لاستمالة المزاج العام، وهو أمر ستكون له بالقطع تداعيات كبرى في قابل الأيام، حين يكتشف المصريون أن جملا قالها السيسي في خطاب وداعه للمؤسسة العسكرية وإعلان خوضه للسباق الرئاسي كاستحالة اعتماد مصر على المساعدات للأبد، وضرورة تغيير حياة المصريين للأفضل عبر عودة العمل والإنتاج وحتمية الاستفادة من الإمكانيات المحلية لإعادة العافية للاقتصاد المتدهور، ستبقى جملا بلا مضمون، إذ لا يمكن إعادة الاقتصاد الى المسار الصحيح إلا عبر حزمة مساعدات وحلول سياسية وأوضاع أمنية مستقرة، وهي أمور فشلت فيها سلطة ما بعد الثلاثين من يونيو الماضي، فقد أهدرت هذه السلطة ما يقرب من عشرين مليار دولار مساعدات خليجية، كما أخفقت في إسكات المعارضة وإيجاد حل سياسي للازمة الداخلية، وهذا ما سيواجهه المصريون ثانية بعد وصول القائد السابق للجيش إلى مقعد الرئاسة، فلن تكف المعارضة الإسلامية وأجزاء من المعارضة المدنية عن الصخب السياسي، كما لن يكف المصريون عن المطالبة بحل مشاكل البطالة وزيادة الأجور وخفض الأسعار وإصلاح البنية التحتية المتهرئة، وفي مقدمها علاج مشكلة الطاقة والمحروقات التي ستبرز حدتها بالتزامن مع جلوس الرئيس الجديد على كرسي الرئاسة، في فصل الصيف، إذ لن تفلح ساعتها الآلة الإعلامية الهائلة التي امتدحت الرجل أن تواصل عملها، مقابل تيار شعبي لم يعد يعترف بالمسكنات او عمليات الترويع الاعلامي والسياسي من شبح المعارضة التي لم توصف شعبيا بالإرهابية بعد ان كانت على الدوام عاملا مهما في تخفيف الأعباء المعيشية عن ملايين الفقراء والمرضى. وفي المحصلة لا يبدو الحديث عن صفقات محتملة أمرا ممكنا حتى لو تم إطلاق جانب من المعارضين السياسيين، إذ ستظل المشكلة كما كانت قبل وبعد الخامس والعشرين من يناير، بحثا دؤوبا عن العيش والحرية والكرامة الإنسانية، في مقابل بحث زمرة عن مصالحها في مواجهة الغالبية العظمى من الشعب المصري، كما لا يبدو الأمر سهلا، ولا يبدو الوصول لكرسي الرئاسة أمرا يحمل في حد ذاته الجائزة للأبطال الذين صنعهم الإعلام، بل على العكس تماما ستبدو الأمور على حقيقتها تماما وساعتها ستدرك النخبة السياسية كم انتكست كما سيدرك الشارع انه كان فريسة لعملية تشويه معرفي وفكري غير مسبوقة في التاريخ المصري ووقتها قد يصدق قول الشاعر: لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان هي الأيام كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان