مسلسل أندور: المقاومة… تشكل الوعي والمقاربة

السينما والتلفزيون

باتت العلاقة بين السينما والدراما التلفزيونية مسكونة بذلك الاستثمار المتبادل، وبوجه خاص الأعمال الناجحة، أو التي وجدت صدى كبيراً لدى المشاهدين. ولذلك نجد أن الكثير من الأعمال التي حققت نجاحاً في الدراما، غالباً ما تنتقل إلى السينما، والعكس صحيح. غير أن المقارنة بين هذه الأعمال في سياق الوسيط الذي تُعرض فيه، سواء أكان السينما أم التلفزيون، تعتمد على عدد من العوامل. ذلك أن المعالجة الدرامية التلفزيونية، بما تتضمنه من امتداد زمني، وقدرة على توليد الحكايات والقصص تؤدي إلى تعميق الرسائل والمقاصد التي ينهض عليها العمل الذي يعود في أصله الخام إلى نص، أو كتاب يُستثمر متنه حسب الرؤية التي تقتضيها الرؤية الإخراجية في السينما، أو التلفزيون، حيث يمكن أن تختلف المعالجة، مع الاستفادة من إمكانيات كل وسيط، في حين تبقى الرؤية هي العامل الأساس في إنجاح العمل، وإضافة الأبعاد الدلالية.
لا يمكن إلا التسليم بمركزية العمل السينمائي – الذي يُعد من كلاسيكيات الأعمال- ونعني «حرب النجوم»، بما يمتلكه من قدرات وفضاءات تنطوي على سردية مركزية، وبوصفه جزءاً من إرث سينمائي ينتمي إلى فئة الخيال العلمي، القائم على التشويق، وتوظيف الأبعاد البصرية التي تضيف جاذبية يبحث عنها المشاهدون. بيد أن هذا العمل – بإرثه المنجز- انتقلت مادته الخام إلى مسلسل صدر بعنوان «أندور: حرب النجوم»، غير أننا نلاحظ أن هذا المسلسل قد واجه نجاحاً جماهيرياً، بالإضافة إلى استقبال إيجابي من قبل النقاد، بداعي ما ينطوي عليه المسلسل من أبعاد ورؤى دلالية عميقة. فعلاوة على الفضاءات المشهدية التي استُثمرت من ناحية الخلفية الأساسية للعمل كما جاءت في الفيلم، ومن ذلك العالم متعدد الكواكب، والمركبات الفضائية، والملابس، والإكسسوارات بوصفها تشكّل إحالة للثيمة الأساسية، غير أن المسلسل، من وجهة نظري، تمكن من تقديم دلالات عميقة، وربما أكثر نضجاً من الفيلم، حيث اعتمد على حساسية جديدة في تكوين السردية الخاصة به.

المقاومة: تشكل الوعي

اعتمد المسلسل على شخصية مركزية اسمها «أندور» يؤدي دوره الممثل المكسيكي دييغو لونا، وفي قراءة المرجعية التي شكّلت هذه الشخصية، نلاحظ أن هذا الشاب قد اختُطف طفلاً من قبل قوات الاتحاد الإمبراطوري من كوكبه الذي كان آمناً. وعند متابعة العملية التي تتخذ نمط الاسترجاع، نرى أن التوجيه الدلالي يذهب إلى محاولة تمثيل سكان هذا الكوكب الصغير بوصفهم عبارة عن جماعات من السكان الأصليين، الذين كانوا يعيشون بصورة آمنة على كوكبهم، ولديهم ثقافتهم الخاصة، كما الموارد اللازمة للحياة. وبناءً على ذلك، فإن هذا الغزو كان يستهدف الاستيلاء على مقدّرات هذا الكوكب، واستغلال موارده بالقوة، والسيطرة عليه، وجعله تابعاً للتحالف الإمبراطوري. هذا الفتى الذي قُتل أهله، تقوم بتبنيه سيدة اسمها «مارفا أندور» تنتمي إلى الجماعات المتمردة التي تقود ثورة سرية على الحكم الإمبراطوري، الذي يحكم كواكب المجرة، وبذلك يمكن قراءة حضور شخصية «مارفا» بوصفها جزءاً من الإحالة إلى الذاكرة الجمعية، كما صوتها المقاوم لجنايات الاحتلال، على الرغم من طابع المرأة الأمومي؛ ما يعني تمثيلاً لعلاقة الإنسان بالأرض.
في البدء، يجب قراءة بُعدين مهمين في المسلسل؛ الأول يتعلق بأن دور «أندور» أو توظيف حضوره من ناحية دلالية يهدف إلى تمثيل بعض صور الإبادة، وتصفية الشعوب المستضعفة، في حين إن إنقاذه من «مارفا» لا يمثل سوى فعل هدف إلى تطوير المنظور، أو الرؤية التي سوف تتشكل لاحقاً في فهم عوامل تشكّل المقاومة والوعي بها. وعلى الرغم من ذلك، فإن وعي أندور بماضيه لم يغب، غير أنه انشغل بمحاولة الحياة، والنجاة، وتحصيل رزقه، غير أن كراهية القوى الإمبراطورية التي مكثت في اللاوعي، انتقلت إلى الوعي، ولاسيما أن السيدة التي قامت بتنشئته كرّست هذه القيم، غير أنها توجهت إلى نمط يتمثل بالسرقة من مخازن الإمبراطورية، ولاسيما قطع الغيار، وغير ذلك، ومن ثم بيع تلك المسروقات لجهات مختلفة. وبداعي تلك المهارة، كما الشجاعة التي يتميز بها «أندور» يتواصل معه بهدف تجنيده أحد رجال المقاومة المتخفي بشخصية بائع تحف، وآثار «لوثن رايل» الذي يمتلك علاقات واتصالات مع شخصيات مرموقة، وبعضها يعمل بالسر في المقاومة، ومنها شخصية السيدة النائبة في مجلس النواب، وغيرها ضمن شبكة سرية لتمويل أعمال المقاومة.
تتمثل مهمة أندور التي يُكلّفه بها «رايل» بسرقة كبيرة للأموال التي تعود إلى الإمبراطورية ضمن عملية شبه مستحيلة ومعقدة، حيث تنجح المهمة، وتُحدث صدى في الإمبراطورية التي تقوم بتجنيد فرق كاملة لكشف ملابسات السرقة، والقبض على المجموعة. وعلى الرغم من أن الفعل، أي السرقة في البداية، كان مسكوناً في البداية بتحصيل الأموال والتكسب من لدن «أندور»، غير أن ما ينتج بعد ذلك من ممارسات وبطش من قبل القوى الإمبراطورية ضد بعض الكواكب، ومنها الكوكب الذي تحول إلى موطن أندور بعد طرده من موطنه الأصلي، سوف يؤدي إلى تحول في وعي «أندور» حين يرى أن قومه الجدد الذين عاش معهم، كما حبيبته، قد تعرضوا للبطش والتعذيب، بالإضافة إلى القتل والحصار من لدن القوى الإمبراطورية التي هاجمت الكوكب للقبض على أندور.
ويمكن قراءة ذلك التحول في مشهد لقائه مع رجل الآثار على مركبة الأخير، حين يعي أندور دوره الذي ينبغي أن يتجاوز السارق، إلى أن يكون ثائراً، بداعي استعادة ماضيه على كوكبه الأصلي، وما يعانيه كوكبه الحالي من تنكيل. وهكذا ينضم الرجل إلى الجماعات المتمردة أو الثائرة كي يقوم بالكثير من الأعمال التي تستهدف الإمبراطورية. وبذلك يتحول «أندور» إلى الذراع الضارب للتاجر «رايل» الذي قام بتجنيده، وللقوى المتمردة بصورة عامة. وعليه، فإن هذه الشخصية تتجاوز المفهوم الكلاسيكي للبطل المنجز، إذ تشكل وعيه المقاوم بالتدريج، أو بداعي تلك الصدمات التي عانى منها، ولاسيما الاقتلاع المتكرر من بيئته، وشعبه.


وفي سياق آخر، يمكن أن نقرأ تحولاً لدى الكثير من الشخصيات التي تنتمي إلى الإمبراطورية، وتعيش تحت رعايتها، لكنها ترفض ممارساتها الكولونيالية التي تنهض على غزو الكواكب الأخرى وإبادة السكان الأصليين، أو الجماعات التي تسكنها بهدف الحصول على مواردها. ولذلك نجد أن القوات المتمردة تتكون من الكثير من هؤلاء السكان الثائرين، إلى جانب ميليشيات وجماعات أخرى تعمل داخل الإمبراطورية أو على تخومها. في حين أن داخل الإمبراطورية ثمة الكثير من المقاومين المتخفين، ويعملون بمراكز حساسة في مجلس النواب، بمن فيهم النائبة السيدة «مون موثما»، فضلاً عن أحد الضباط، وتتمثل مهمتهم بتوفير الأموال والمعلومات للمقاومة، ولكن عند اكتشاف أمرهم، يلجأ بعضهم إلى أحد الكواكب البعيدة، كي يشكلوا مركزاً للمقاومة والاستعداد للمعركة الحاسمة.

الإمبريالية

هكذا، نستطيع أن نقرأ في هذا المسلسل جملة من المفاهيم التي تتصل بفكرة رفض المركزية التي تمثلها الإمبراطورية، والتي تنهض في وجودها على استغلال موارد الكواكب الأخرى. وضمن سياقات المسلسل التي تهدف إلى دفع الأحداث نحو التطور الدرامي في هذا الجزء تحديداً، ما نراه ماثلاُ في نموذجين؛ حيث تقوم القوى الإمبراطورية بمصادرة وفرض الضرائب على الكواكب بصورة عامة. ولكن القصة تنتقل إلى مستوى أبعد، ولاسيما حين تلجأ الإمبراطورية إلى محاولة استغلال أحد الكواكب الذي يتسم بالثراء، فتقوم باحتلاله بدواعٍ، ومسوغات كاذبة. لكنها في الحقيقة، تستهدف استغلال ما في باطن ذلك الكوكب من معادن ثمينة جداً، بغية الاستفادة منها في صناعة الأسلحة، فيقوم سكان الكوكب بالثورة والتمرد بمساعدة «أندور»، وتاجر الآثار، وغيرهم من الشخصيات التي تعمل في السر في مواجهة القوى الإمبراطورية، مما ينتج عن ذلك من مواجهة وحرب يُقتل فيها الكثير من الأبرياء المدنيين في الكوكب.
هذه الحادثة تدفع إلى فهم أعمق لمعنى التضحيات التي يجب أن تؤديها المقاومة من خلال المشي على الحافة. وهنا نلمح درساً عميقاً في أن المقاومة غالباً ما تكون الطرف الأضعف، ولا تملك القوة لتحقيق النصر، غير أن المعنى يكمن في الفكرة، بمعنى ضرورة التضحية التي قد تصل إلى حد ارتكاب كل ما من شأنه أن يؤدي الغرض. وهنا تبرز شخصيتان مهمتان في هذا السياق، ونعني رجل الأعمال التاجر، الذي يؤدي دوره الممثل ستيلان سكارسغارد، الذي نراه لا يتوانى عن ارتكاب كل ما يمكن لتحقيق المبادئ التي يؤمن بها؛ فيقتل جواسيسه بعد أن ينتهي دورهم، ويدخل إلى مناطق الخطر، ويقوم بتضحيات حتى ينتهي به الأمر مقبوضاً عليه، ومن ثم ينتحر قبل استجوابه. وبذلك فهو شخصية تنطلق من بُعد قيمي، ولكنه لا يتوانى عن ارتكاب العنف بوصفه ضرورة؛ فالثورات لا تُبنى على البراءة، أو منطق ثنائية الخير والشر، فالتحرر نتاج عملية العنف المضاد. وضمن السياق عينه تحضر النائبة «مون موثما» التي تقوم بتزويج ابنتها من رجل فاسد بغية الحصول على تمويلات للمقاومين، وهنا يتداخل المعنى العام بالخاص، ففي مشهد مؤثر تُلقي خطابها الأخير في مجلس النواب قبل هربها حيث تهاجم قيم الإمبراطورية وإفلاسها القيمي والحضاري، وبهذا فهي تجسد مفهوم مقاومة الثورة الناعمة أو الهادئة، بالتوازي مع المقاومة المادية.
ومن ناحية أخرى، فإن المسلسل يشير إلى فساد الإمبراطورية من الداخل، التي تنطوي على صراعات داخلية عميقة وفساد، فضلاً عن مدى تحكم القيم الاستخباراتية في مراقبة موظفيها الذين تتعامل معهم بمبدأ الوسيلة التي تحقق الغاية، وعند تحقيق المطلوب تتخلص منهم. ومن تلك النماذج الضابط السيدة «ديدرا ميرو» التي كُلّفت بالقبض على «أندور» من خلال مهاجمة كوكبه، فتلجأ إلى تعذيب السكان، حيث ترى العنف الوحشي ضرورة، ولكنها توظف ذلك في ظاهر البيروقراطية ضمن سياق كفاءتها العقلانية، غير أنها في الحقيقة مهووسة بالسلطة. إذ تنخرط لاحقاً بعلاقة مع ضابط آخر «سيريل كارن» الذي تفسر أعماله بوصفها نتاج قلق وجودي، يتمثل بالبحث عن الكمال، أو المثالية، ولكن ضمن منظومة السلطة، فضلاً عن علاقته المضطربة مع أمه، غير أن المقصد هنا بيان أنه كيف يتشكّل الاستبداد من داخل الذات المريضة، وبذلك فكلا الشخصيتين «ميرو وكارن» يمثلان شكلاً من أشكال الشخصيات السيكوباثية المسكونة بالرغبات.
وهكذا، نخلص إلى أن الإمبراطوريات في تكوينها لا تختلف في نهجها وآلياتها ومنظورها، فهي تنهض دائماً على ذلك البُعد الإمبريالي الذي يقوم على فعل التبعية الاقتصادية، إذ تلحق المناطق الهامشية، والمستضعفة إلى تكوينها المركزي من أجل استغلال الموارد، ومن أجل تحقيق ذلك تلجأ إلى إبادة الشعوب، واحتلال أوطانها، وبذلك فإننا نواجه عملا يتسم بأبعاد بصرية وجمالية، مع الكثير من الحبكات التي تنهض على الإثارة والتشويق، بالتوازي مع قدرة على تفكيك مقولة المقاوم، ومناقشتها فكرياً، وفلسفيا.

كاتب أردني فلسطيني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية