مستوطنات القمل!

حجم الخط
0

مستوطنات القمل!

خيري منصورمستوطنات القمل!لا أدري اذا كان هناك علاقة اشتقاقية بين كلمة خرتي باللهجة العامية المصرية، وكلمة خرتيت لكن المصطلح راق لي لأنه يلبي الدلالة المرجوة منه في هذا السياق علي الأقل.الخرتي، هو صياد الأجانب من السواح باحتراف، وأدواته بضع جمل بالانكليزية أو الفرنسية أو الألمانية، وفراسة مدربة علي التقاط الزبائن، وغالبا ما يكون الزبائن من العجائز، لأن ايقاعهن في الكمين أسهل من أية فريسة شابة.وقد لا تكون هذه المهنة حكرا علي مصر أو لبنان أو أي بلد في الوطن العربي والعالم، لأنها من افراز الثقافة السياحية، ومن أمراض جنوب الكرة الأرضية المعسر والذي أصبحت فيه الحاجة أم الاختراعات كلها.وان كان هناك صلة ما بين الخرتي والخرتيت فهي ستأخذنا علي الفور الي مسرحية يوجين يونسكو الشهيرة، والتي حملت اسم الخراتيت وأصر المشرفون علي الترجمة في الاتحاد السوفييتي قبل أن يبلغ خريفه وتتساقط أوراقه وولاياته علي تحويرها بحيث تناسب ثقافة الكولوخوز ولا تتحول الي مصطلح مرادف للقطعنة، وما يسمي قطع الغيار في مجتمعات عصفت بأفرادها الشمولية وحولتهم الي مسامير متماثلة بانتظار المطرقة ذاتها!ان ما يهمنا في هذا السياق من الخرتي، ليس حرفته ولا أدواته المستخدمة في الصيد، فتلك مسألة أخري، يهمنا ما تدل عليه هذه الحرفة في مجالات أخري، وثيقة العلاقة بالاستشراق والاستغراب وسائر الثنائيات التي ترسبت من الحقبة الكولونيالية، فما يسمي الكومبرادور ليس دائما الوسيط الاقتصادي أو السمسار فهو أيضا مثقف، بضاعته من صميم الكتابة، ودوره يتلخص في الترويج والتسويق، بمهارة المعلن وأساليبه وأدبياته المعروفة.الخرتي العادي، يصطاد سائحة مسنة لعقد مقايضة لا سبيل الي اخفائها، فهو علي الأغلب شاب يانع، وطافح بالعنفوان الجسدي، بينما الطرف الآخر أو الفريسة سائحة هرمة، تملأ وجهها وذراعيها وساقيها تضاريس الزمن والتجاعيد التي فشلت كل مساحيق التجميل في اخفائها، وغالبا ما يحصل الخرتي الشاب علي نسبة من الربا في هذه المقايضة غير المتكافئة كأن يحصل علي نقود أو هدايا أو وعد بسفر أو زواج من فئة الزواج المخصص للمهاجرين الطامحين الي التجنس في أوروبا أو أمريكا أو استراليا.يهمني هنا كما أسلفت، خرتي الثقافة سواء كان شاعرا أو قاصا أو مجرد أفاق علي عتبات الأنواع الأدبية، فهو يستجدي ترجمة ما حتي لو كانت سياحية ومتدنية في مستواها الابداعي ولغتها، ولا يهم خرتي الثقافة أن تكون الفريسة رجلا عجوزا أو امرأة، المهم أن يكون لأمثال هؤلاء صلة بالأكاديميات والمعاهد ومراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية الـ ان جي أوز .وغالبا ما يكون خطاب الاستجداء لدي خرتي الثقافة، مشفوعاً باحدي أطروحتين أطروحة القمع والطغيان والحجر علي حرية التعبير أو أطروحة التميز العرقي أو أي شيء له علاقة بصراع الاثنيات!ها نحن اذن ازاء نمط من الاستشراق الجديد الذي ينتسب الي حقبة ما بعد الحداثة وسائر المابعديات في ثقافة العقد الأخير، الذي اشتبكت فيه الثقافات والهويات مع بولدوزر العولمة أو بمعني أدق الكوزموبوليتية المعاد انتاجها كي تتناغم مع مستجدات التبعية وأنماط الانتاج الجديدة لاقتصاد الصدقات!قبل عدة عقود كان الاستشراق يأتي الينا بحثا عن فولكلور أو عمران أو كتابات تذكره بالمخزون القديم لألف ليلة وليلة وكان المستشرقون يكابدون مشقة السفر الي صحاري العرب وجبالهم، رغم صعوبة المواصلات وهذا ما فعله ينبور في مصر واليمن وجيرار دي نرفال وفلوبير وادوارد لين وآخرون. لكن الأمر الآن تغير، بل انقلب رأسا علي عقب، وصار المستشرق بفتح الراء هو الذي يبحث عن المستشرق بكسر الراء ويقدم له نفسه كعينة مجانية من ثقافة تبحث عمن يترجمها ويتداولها في بورصات الفولكلور وأسواق العاديات!وحين ترد كلمة المستشرق بصبغة اسم المفعول للمستشرق كاسم فاعل فان المقصود هنا هو التذكير وبالحاح علي أن بيان نعي الاستشراق في بعده الكولونيالي كما أعلنه الراحل جان بيرك ليس صحيحا، الاستشراق كان في طور الاحتضار، وربما تظاهر بالتماوت كما يفعل البعير، لكنه أدخل خلال هذا العقد الي غرفة الانعاش، ووجد من يمده بالجلوكوز والنفط وأحيانا بالدم كي يتعافي!خرتي الشعر بوجه خاص، يشعر بأنه مقذوف علي الهامش، لأن القارئ العربي والناشر معا عزفا عن معظم الشعر لأسباب عديدة لهذا يحلم خرتي الشعر بأن يوزع في روما وباريس ولندن وواشنطن ونيوزيلندا أضعاف النسخ التي يوزعها في نطاقه الجغرافي واللغوي، وهذا بحد ذاته مدعاة للاشفاق، اذا تخلينا عن الاشمئزاز الذي غالبا ما يقترن بالاشفاق حين يبلغ التجاهل أقصاه! أقول التجاهل ـ لا الجهل ـ لأنه ما من كائن تعلم القراءة والكتابة في زمننا لا يعرف الحد الأدني من حقيقة هذه البورصة المتعلقة بالكتاب وأسواقه!وعلينا أن نصدق بأن باسترناك وبرودسكي و ت. إس. اليوت وسان جون بيرس وغيرهم بالمئات، قد كتبوا ما كتبوا بلغاتهم كي تتم ترجمتهم الي لغات أخري تعيد اليهم الاعتبار وقد تكون المرة الوحيدة أو ربما المرتان الوحيدتان اللتان تجاوزت فيهما الترجمة الأصل هما ما علق به غوته عن ترجمة نيرفال لأشعاره الي الفرنسية، وترجمة فيتزجرالد لرباعيات الخيام.ان خرتي الثقافة بعامة وخرتي الشعر بوجه أخص يقيس أهميته بعدد المرات التي شارك فيها في مؤتمرات ولقاءات توصف بالعالمية، ولو استخدم هذا المقياس علي نجيب محفوظ وعباس العقاد علي سبيل المثال لما تجاوز الأول حي الجمالية ومقهي ريش في القاهرة ولما غادر الثاني الأطلال في أسوان!لدينا الآن في عالمنا العربي الذي يبحث عن اسم آخر يحرره من هذا النسب نمط انتاج ثقافي من طراز غير مسبوق، وهو يتغذي علي أدبيات السياحة، وما ترسب من أدبيات الاستشراق غير الأكاديمي، وغير الذي بشر بيرك بقدومه في هذه الحقبة التي حملت اسم حقبة ما بعد الاستعمار لتصبح قحبة الاستعمار وليس حقبته فقط!أيصح لأي منا أن يصمت بعد أن يري ما يري ويسمع ما يسمع ويقرأ ما يقرأ؟ أليس الصمت تواطؤا بل مشاركة مضاعفة في دفع الالتباس الي أقصاه؟ان القول بأن الصحيح هو ما سيبقي، يحتاج الي حد أدني من العقلانية والمناعة ضد العدمية، لكن أيامنا التي استبيح فيها كل شيء وبلغ فيها الفساد الملح، لا تبشر بأي صحيح يبقي في الغربال، لأن ثقوبه مهترئة، ويشتبك فيها القمح والزؤان بلا أية حدود!وما نخشاه هو أن تتمدد ظاهرة الخرتي في الثقافة العربية بحيث تستولي وتسطو علي ما تبقي، فقد اكتشف الخرتيون أن هناك طريقا معبدا وقصيرا يمكن سلوكه للوصول الي المبتغي، وسرعان ما وقعت الحوافر علي الحوافر في هذا الطريق حتي أصبح أكثر الطرق ازدحاما.وهناك ثلاثة أسباب علي الأقل أدت الي ازدهار ظاهرة الخرتي في ثقافتنا، أولها، حروب ما بعد الحداثة، أو الحروب الاستباقية التي أفرزت ثقافة السطو والاجهاز علي الأرحام واجهاض البراعم كي لا تتحول الي عناقيد.والسبب الثاني، هو استثمار هذه الفوضي التي عصفت بكل المعايير، وتبادل فيها الأبطال والخونة الأدوار علي مسرح منهار والسبب الثالث هو تكريس مركبات النقص والماسوشية التاريخية، بحيث يصبح الآخر الغالب هو النموذج الذي يقاس عليه، فمن يرطنون بالانكليزية والفرنسية في مقاهي الأزقة العربية ليسوا من قراء شكسبير وتشوسر واليوت وسارتر وبلزاك: ولم يسمعوا بثلاثة أرباع المجلات والصحف التي تصدر بهذه اللغات، لكن ترصيع الطين والجص بكلمات فوسفورية يوهم الضحية بأنها تحقق شرط القبول في نادي الحداثة، وأندية الثقافة السياحية!ان الخرتي ليس بأي حال وريث الصعلوك أو الماجن في تراثنا الثقافي وهو أدني بكثير من اللا منتمي والكلوشار، وقد يكون تعلم من رامبو كيف يحول ضفائره الملبدة بالرطوبة المتوسطية الي مستوطنات للقمل لكنه لم يتعلم منه الشعر!0

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية