ماذا صنعت بي يا أنسي…

حجم الخط
0

هل هناك داعٍ لبقية الاسم!؟
(ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة): دار النهار للنشر، 1970، /144/ صفحة، 8.ل.ل أو ما يعادلها: كتاب أنسي الرابع، ذو المقاس 17-21.5سم، أي أقرب ما يكون للمربع المتطاول، والغلاف الفيروزي، الذي لم يرسم عليه حفاظاً على صفائه، سوى العنوان، بخط فارسي أبيض، على سطرين.
أحضرته لي من بيروت، أستطيع أن أكشف الآن، الفتاة، التي سكنت مع أبيها وأختها الصغيرة، القبو المجاور لقبو صديقي الراحل محمد سيدة، فتوله بها، كما كان محتماً، وكتب عنها، أروع وأشد قصائده قسوة وألماً ويأساً. كانت أمها لبنانية وأبوها عاملاً سورياً في لبنان، أحبتني على نحو ما! وعندما طلبت مني أن أوصيها على شيءٍ من بيروت، طلبت منها، شرط أن أدفع ثمنه: (ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة). فأحضرته وقدمته لي دون أن ترضى بأي شيء بالمقابل، رغم حاجتها، كان ذلك في عام 1972. وكان أول نسخة من المجموعة تدخل اللاذقية، وربما سوريا، حسب معرفتي، التي كان بها أنسي الحاج، مع بقية جماعة شعر، ما عدا أدونيس طبعاً، أشبه بمجهول.
هناك أشياء كثيرة تقال عن: (لن) و(الرأس المقطوع) و(ماضي الأيام الآتية)، ولكن بالنسبة لي لا شيء يقارن بـ: (ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة). ولا حتى ما تلاه مباشرة، مطولة (الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع)، التي صبَّ بها أنسي خلاصة كلَّ تجربته، حتى وكأنه يريد بعدها أن يكفَّ عن الشِّعر، ثم بعد انقطاع (الوليمة)، التي كانت أقرب لبقايا من وليمته الأصلية.
علمّني (ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة) تقريباً كلّ شيء، وفي كلّ ما كتبت كنت أودُّ أن أكتب شيئاً خاصاً بي جميلاً ومؤثراً مثله، وحين يقول البعض بأن الشعر الحديث لا يحفظ، أجدني أقرأ لهم عن ظهر القلب، وها أنذا أفعل الآن:

1- فرِحَ على الأرض

(بدون العودة للكتاب)
بحثَ عنها كثيراً ولَمّا وجدها
احتار ماذا يفعل بها
فتركها تذهب
ثم عاد وبحث عنها كثيراً
ولَمّا وجدها
قال: يا إلهي
اجعلْ نظري كبيراً فيحويها
وحجري ماءً فيسقيها
طوِّقها بي كسجن
وطوِّقها بي كشكران
أو اكسرني يا إلهي عليها
كالصاعقة
في البحر.
/
كان ضائعاً فلَمّا وجدها
فرحَ على الأرض قليلاً
ثمَّ طار إلى السماء.

2- فردة حذائها

كي أرتمي فيها كعملاق يرتمي في كأسه، كي
أقبل عليها كغرباءٍ إذا استوطنوا يأكلون الوطن وفاءً.

كي أَنهار فيها مثل رجفان الجبال.
الغائبة القلب في اليدين، الغائبة اليدين في صدأ
العادة الجمري.
/
التي تفقد فردة حذائها من أجل أن يهتدي الأمير
إلى مصيره.

3- أنتَ

(بدون العودة للكتاب)
**
إذهبْ إلى الطبيعةِ، ثلاثةً
أنتَ، هوَ، هيَ
يتحابان
وأنتَ وحدَك
تتحاب
وتعشقك الطبيعة.

4- عندما يفتحونه عندما يغلقونه

سأطبع كتاباً
لتعرفي أنَّكِ
سأطبع كتاباً
ليقولوا عندما يفتحونه:
‘ كنّا نحسبه شخصاً آخر’
سأطبع كتاباً

ليقولوا عندما يغلقونه:
‘ لم نكن نعرف أنَّهُ
كنّا نظنُّ أنَّهُ’
سأطبع كتاباً
لأن عينيكِ لأن يديكِ
سأطبع كتاباً
لأنّي لا أصدق
لأنّي لا أصدق
لأنّي لا أصدق.
5- أوراق الخريف مريمُ العذراء

الكآبة التي كانت تسكنني ماتت
حلَّ محلَّها، برياحه وأمطاره،
السيد الوقت.
صرتُ أستغرب الشِّعر
أقول عن الأطفال أطفال
عن ركبة امرأة ركبة امرأة
وعن غصن حورة مقطوع غصن حورة مقطوع.
ولم أكن، عهد الكآبة
أتداول أسماء المسميات المتداولة
لا تكبُّراً وحدَه
بل لأنني كنت شاعراً
فكنت أُسمِّي مثلاً
أوراق الخريف مريمَ العذراء.
وآه كم كنتُ غنيّاً
كلُّ ما يلمسني يسحرني
كلُّ ما ألمس أسحر
ولم أكن أجهل
لكن لم أكن أعرف
وظننت صبحَ يومٍ من الأيام
أنني خالد حتى فاحت الكآبة التي كانت
والتي لم أعرف كيف
ماتت كالمسك.

سئلتُ كثيراً، وأقسم إني سئلت البارحة: ‘أيّ كتابٍ تحبّ ؟ سمِّي كتاباً واحداً لا غير.’ فلم أجد جواباً سوى: (ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة)، إنه كتاب، قلت، تقريباً، علمني كلَّ شيء، ولكن ما لم أقله هو أنه .. علمني الحب. فهل، ولو أنّي، لأي سببٍ في العالم، رغبت أن أسمّي كتاباً آخر، أستطيع أن أُسمّي… سواه .

‘ شاعر سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية