نتعلم اللغة ونحن صبية بمحاكاة أصوات الكبار، حتى نصل بواسطة الدقة فيها إلى أن ننطق الكلمات نفسها بعد كثير من المحاولات، والخطأ إلى أن نصبح قادرين دون أدنى خطأ إلى أن ننطق ما نسمع. هذه المحاكاة تقرب ممّا يسمّى بالإنكليزية انعكاسية Mirroring، وهي عبارة تطلق على نزوع المرء مهما كان عمره إلى أن يقلّد الآخرين بشكل لا واعٍ في كلامه، أو في إشاراته، أو في طريقة تفكيره أو في اتخاذه القرارات؛ وعادة ما يمرّ ذلك من غير أن يعي به الأشخاص الذي يأتونه أو يلاحظه غيرهم، وعادة ما يسمّى ذلك بتأثير الحرباء Chameleon effect. يظهر تأثير الحرباء في تقليدنا لعبارات بعينها في فترة زمانية معلومة، وحتى في تغيير نغمتنا ونحن ننجز لهجتنا تقليدا، وقد يحدث جسديا في سلوكنا أو في سلوك من يحاورنا وحين يصل الانسجام بينك وبين صاحبك إلى درجات متقدّمة فمن الممكن أن تقلد هيئة جلسته حين يضع ساقا على ساق، أو تعبير وجهك حين يغير من تقاسيم وجهه يكون ذلك تفاعلا مع لحظة استحباب، ولكنّه يكون أيضا في لحظة اشمئزاز. وقد يصبح السلوك الآني المتأثر تأثرا شبه قارّ يستمرّ لفترة.
ويذهب دارسو علم النفس أدراجا في دراسة هذه الظاهر التي يقلد فيها المرء غيره جسديا إلى حدّ ما يعتبرونه تقليدا عكسيا يسمّونه محاكاة المرآة Mirrorwise mimicry كأن يرفع أحدهم يده اليمنى وهو يحادثك فترفع عند التفاعل معه يدك اليمنى، وهذا عكس المحاكاة التشريحية Anatomical mimicry بأن يقلد المرء غيره باستعمال العضو نفسه: يدا يمنى بيد يمنى وحكّ أذن يسرى بِحكّ أذن يسرى، وتمرير سبابة يمنى على الشفة السفلى بمثيلها؛ وهذا أمر قد لا يراه إلّا مراقب غريب أو متدبّر مستبطن لما يحدث. قد تكون متكلّما بلهجة ريفيّة في وسط حضريّ وحين تنخرط مع بعض الناس في حكاية، وتستعمل عبارة من لهجتك الغريبة عنه، قد يقلدك محاورك محاولا الانسجام مع سؤالك باستعمال تلك العبارة على الرغم من أنّه لا يستعملها قطّ في كلامه العادي.
نحن نعتقد أنّ المرء وهو ينتقل بجسد من مكان إلى مكان يراعي بالضرورة أجساد الآخرين المتنقلين معه والمشاركين له في الإطار المكاني والزماني نفسيهما؛ هذا الجسد الآخر سنسمّيه الجسد الموازي. لا نعني بالجسد الموازي جسدا آخر مثل جسد المرء الذي يعيش في العالم الموازي فلا صلة له بنظرية الأكوان المتعدّدة Multiverse، كأن تعيش وأنت في كون مواز بجسدك نفسه في ذلك العالم الموازي حياة مختلفة، لكنّك لا تبارح جسدك الحالي تظلّ فيه رغم تنقلك في جسد مواز في ذلك العالم الموازي. ولسنا نعني بالجسد الموازي أيضا الطاقة التي يمكن أن تحيط بجسمك أو بجسم شخص آخر حين تراه عيون الآخرين هالة. الهالة تفترض أنّ هناك طاقة روحية غير مرئيّة تحيط بجسم بشري معيّن وتعكس مشاعر ذلك الشخص وحالته الروحية؛ وهذا الشعور أو الانطباع منبعه ومرسله الجسد المعنيّ. نحن نعني بالجسد الموازي الأجساد التي توجد معك وفي حيزك، وتمارس ضغطها عليك وهي موضوع تأملك واستقرائك ومثار إعجابك وفتنتك أو غضبك وحنقك، وحتى اشمئزازك. وهي في بعض الأحيان الجسد الذي يلابسك عنفا في الخصومة أو عناقا في لحظات اللقاء الحميمة.
إنّ نسبة كبيرة من تواصلنا اليومي مع البشر هو تواصل نجريه عبر أجسادنا؛ فحتى اللغة التي نتبادلها في التواصل ونعتقد أنّها هي المسؤول الرئيس عن تواصلنا، تجرى في حيز جسديّ؛ فنحن نحتاج حناجرنا وحِبالنا الصوتية ونَفَسَنَا الصاعد لكي نُصوّت وننطق ونصرخ ومن منّا لا يتكلم من غير أن يستعمل عينيه وإشارات وجهه وحركات يديه. حين أعيد شريط فيديو سجّل لي في محاضرة أو في مناسبة أراني أتكلم وأرى مع كلامي علامات كثيرة بيدي وبوجهي، أرى طاقة أخرى غير طاقة الكلام يمارسها جسدي، لم أكن وقتها واعيا بأنّه يمارسها. وأرى يدي مثلا تسافر بعيدا وتعود وتحوم في حركات وسكنات لا أفهم لمَ أنجزتها. أنا لا أعتبر حركات اليد جزءا منفصلا عن اللغة، ولا أعتبر كثرة الإشارات تفريطا في البيان، مثلما اعتقد كثير من الشيوخ القدامى.
أعرف أنا اللسانيّ، أنّ قول شيوخنا القدامى من أنّ استعمال اليد لا يدلّ على الفصاحة كلام انطباعي ومعياريّ وغير علميّ، لأنّ اللغة تحتاج علامات الجسد وإشاراته وإيماءاته لتكتمل رسالتها العلامية؛ ولا يمكن حبس الجسد عند التواصل، لأنّ الرسالة التي أريد إيصالها إلى من أحادثه تحتاج أعوانا من الجسد، تستعين بها للتبليغ فيصدر الذهن أوامره إليها، لكي تكون أعوانا وأحيانا تكون في الرسالة عمدة البلاغ، لا يبحث أيّ متحدّث وهو يتحدّث في المناسبات العادية عن أن يكون فصيحا، أو مُبينا فهذا هاجس مزعوم، فالجاحظ قرّر من قديم الزمان بأنّ كلّ إنسان فصيح بلسانه، وإلاّ لما حدث تواصل. إنّ حسن الإبانة بإبطال الإشارات والإيماءات والبحث عن التهذيب، وتقييد الحركة هي أشياء إضافية مطلوبة في سياقات محدودة من التواصل مع الكبار، أو الشخصيات المهمّة، أو التي تتبع في سلوكها أنظمة صارمة احتراما للسنن الخصوصية. وقد يكون البحث عن البيان الزائد أمرا بلاغيا ووظيفة إضافية تدخل في التأثير المتعمّد الواعي، الذي يريده المتكلّمون حتى يؤثروا ويحشدوا الجمهور، وهذا ليس مطلب المتكلمين العاديّين في أيّ لحظة عاديّة من لحظات التواصل.
لقد أكّد البرت مهرابيان Albert Mehrabian أنّ الكلمات تعبر عن 7% فقط من الرسالة، أما النبرة فتعبر عنها بنسبة 38% وللغة الجسد الهيمنة في التعبير بنسبة 55%. فكيف يمكن أن نسجن أجسادنا ونقيّدها، والتعبير الجسدي له هذا النصيب من التواصل. التواصل الحضوري وهو تواصل مشهدي متكامل هو أصل التواصل لأنّ المرء المتكلم أو المستمع يكون حاضرا في مشهد تستعمل فيه اللاقطات الحسية ما يساعد على تفكيك شيفرات التواصل. المرء يتوق وهو يتواصل مع غيره أن يكون أمامه جسد بكامل شيفراته حتّى يفكّكها. تقول نظرية المرايا العصبية Mirror Neuron Theory التي اكتُشفت في ثمانينيات القرن الماضي، إنّ هناك خلايا عصبيّة في الدماغ تُفعَّل، عندما ترى شخصا يقوم بحركة أو تعبير معين، فيشعر المرء وكأنّه يؤدّي الحركة نفسها. هذه النظرية تفسر كيف نقرأ مشاعر الآخرين ونفهم نواياهم عبر مراقبة أجسادهم. نحن نحتاج في التواصل إلى الملامح مثل: تعبيرات الوجه وحركات اليدين، ووضعيّة الجسد، تقاسيم الوجه وحركات الجفن وغيرها، حتى تقول لنا هل من يتواصل معنا مرتاح أم قلق؛ هل هو غاضب ومتوتر وهذه توجّه كلامنا إلى مسارات نرتضيها كي نهدّئ أو نوتّر نحن وما نريد أو يراد لنا في قدرية من الكلام تصنع مصائرها الكبرى أجسادنا وأجساد موازية.
في هذا العالم أنت جسد موازٍ بالنسبة إلى غيرك، وغيرك أجساد موازية ترسل إليك إشارات وترسل إليها إشارات، تجعلك تقول ما لا يقوله اللسان وأحيانا تكون الأجساد بليغة أكثر من بلاغة القول فيكفي أن ترى حركة جسد يتثنّى، أو نبرة صوت رجولية فيها نخوة، حتى تؤمن بأنّ في الجسد بلاغة تدعوك قبل أن ينطق لسانك النابت في جسدك، أو لسانه المزروع في جسده الموازي.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية