لا أقول لأنسي وداعاً، أقول شكراً

حجم الخط
0

كيف يمكن لأحد أن يكتب عن ملك الكتابة؟ صاحب الخواتم وملاك الرسولات حامل الوحي إلى شعرهن الطويل؟ كيف تطيعك لغة لبست الحداد على عشيقها الأخير؟
هل تقول اللغة وداعاً لأنسي؟ أم تراني أسمعها تقول له: شكراً يا جميل؟
لحم أنسي الحاج وعظامه هي ما نودعه اليوم، أما جسده الحقيقي فلن تفارقه اليناعة ولا الخصوبات المستديمة مادام الشعر عمودا لخيمة العالم.بين كل شعراء القرن الفائت، يجلس شاعران في حجرة المسامرة في بيت القلب: محمود درويش وأنسي الحاج. شعرت دائما أنهما وجهان لأغنية واحدة تقول نفسها على موسيقييْنِ. هما أفضل تمثيل لإشارة إلهية وضعها التوحيدي في مقابساته:
‘.. ومع هذا، ففي النثر ظِل من النظم، ولولا ذلك ما خف ولا حلا، ولا طاب ولا تحلّى. وفي النظم ظِل من النثر، ولولا ذلك ما تميزت أشكاله ولا عذبت موارده ومصادره، ولا اختلفت بحوره وطرائقه، ولا ائتلفت وصائله وعلائقه’.
كتابة أنسي الحاج نموذج حقيقي للقصيدة بكل عناصرها، كان يكتب خارج الوزن داخل الإيقاع، صانعا للغة ما تستحقه من أعراس. كان أنسي الحاج فوق تعريفه كشاعر فذ، وأهم منه، محبا حقيقيا للشعر، مدركا لمعنى الأخوة في الجمال وجدارة احترام الخلق.كان أنسي رساما يحترم النحت.
وزعيما يحب الديمقراطية.
وواحدا مؤمنا بالتعدد.
لو كان لأنسي من وصية، فهي كلمته التي ألقاها في افتتاح مؤتمر قصيدة النثر في الجامعة الأمريكية ببيروت عام 2006. ولأنسي من الجدارة والمحبة معا، ما يسمح له بأن يقول: اسمعوني:
‘.. وكما قلنا، لا ندعي إلغاء للوزن والقافية، بل نحن من عشاق الأغاني، كثيرا ما نفضلها على كتاباتنا. فكيف ندعو إلى إلغاء وكل حملتنا هي حملة غرس وإيجاد وإكثار حياة؟ ليكتب كل على هواه، ولينقل الهواء ما يحلو له نقله. لقد أردنا مكانا لما لم يكن له مكان. أردنا جسدا لإيقاع لا يضطرب به روح النثر العربي فحسب، بل يضطرب به روح الشاعر العربي ولا يريد سكبه في الأطر القديمة، بل يتطلع إلى شكل أكثر ملاءمة لمناخه، أقل عسفا حيال فكره وشعوره، أكثر قربا من أصواته الداخلية والخارجية، أقل تفريطا بحذافير تجربته، أكثر استيعابا لحوادث لحظته وأوزان كيانه. لو لم تُرد قصيدة النثر التعايش مع قصيدة الوزن، لما سميت قصيدة نثر بل لزعمت لنفسها تسمية قصيدة، قصيدة فقط، بلا تمييز’. (أنسي الحاج بيروت 2006)

‘ شاعر مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية