بعد خروجي من الوطن وسفري بعيداً عنه منذ ما يقارب العشر سنوات، كانت الأحداث الليبية في ذروتها، وتتصدر كل المانشيتات، وكان الشغل الشاغل للعالم آنذاك كيف سقط القذافي ومن سيعتلي سدة الحكم بعده، إلى غير ذلك من تفاصيل سياسية وإنسانية.
العلاقات الاجتماعية
العلاقات الاجتماعية قد تحتم علينا التعريف بأنفسنا مهما كانت علاقات صغيرة وعابرة، فحتى في محطة القطارات وأنت جالس تنتظر قطارك، قد يتصادف ذلك مع وجود أحدهم على الكرسي المجاور لك، وينشأ حديثٌ مقتضب بينكما، حتى يأتي الدور على السؤال الشهير، الحتمي، من أيّ البلاد أنت؟
مدينة مثل تورنتو، على سبيل المثال، تكاد لا تجد أياً من سكانها الأصليين سواء كانوا من الهنود الحمر أو القوقازيين من الكنديين، بل إن الشوارع تغص بكل أطياف الشعوب الأخرى ومن شتى بقاع الأرض، فلا عجب أن يكون ذلك السؤال هو الأكثر انتشاراً، وإلحاحاً لطرحه، حتى وإن كنت تبتاع قدحاً من القهوة من إحدى المقاهي الصغيرة؛ من أين أتيت؟
ما هي بلدك الأصلي؟ أين نشأت؟ الخ…
كما ذكرت سالفاً، كانت ليبيا وجهة جذابة للأخبار في تلك الفترة، وكان الناس يقفزون من أماكنهم ليصرخوا في وجوهنا: قذافي! بمجرد انتهاء جملتنا الإنكليزية غير المتقنة في إنكليزيتها: أنا من ليبيا.
وكالات الإعلام
لم أكن مستغرباً آنذاك، فقد كان خبر ليبيا يتصدر وكالات الإعلام كما أسلفنا. ولكن ومع مرور السنين، اكتشفت أن الإجابة مستمرة في الحضور مع هؤلاء الناس، من كوريا كانوا أو اليابان، من جزر القمر أو الهندوراس، من الأستراليين أو الجنوب أفريقيين، نعم لازالوا يقولون (قذافي)، حتى بعد موته ونهاية حقبته بعشر سنوات، لازالت ليبيا مرتبطة عند شعوب العالم أنها بلد القذافي، البلد التي يمثّلها ويُعتبر أيقونتها ورمزها المميز لها بين الشعوب هو القذافي لا أحد سواه!
وأنا أرى بلدي الممتد تاريخها لآلاف السنين تُختزل في شخصية سياسية واحدة، بغض النظر عن اتفاقنا معها أو اختلافنا، ولكن لماذا؟
يقول البعض إنه كان شيئاً ممنهجاً من قِبل النظام الجماهيري في ليبيا، بتصدير هذا الاسم للعالم وتهميش كل ما دونه من معالم أو مميزات لليبيا، ولكن هذا النظام استمر لأربعة عقود من الزمن، أين القوة الناعمة للثقافة الليبية؟ ما قبل العقيد وبعده؟ أين القوة الناعمة التي تجعل الشخص من أي شعب يقول (مكسيكو) إذا شاهد القبّعة المكسيكية هنا أو هناك؟ والتي تجعل الناس من روسيا يسافرون لكوبا حتى يلتقطوا صور السِّلفي مع السيجار الكوبي!
الشخصيات الشهيرة
لاحظ هنا بأنني أتعمّد ذكر المعالم التي لا تتعلق بالشخصيات الشهيرة، سواء كانت فنية أو رياضية أو أدبية، معالم لا تخفى على أحد وتدل وبشكل قاطع على بلد ما.
معرفة الناس بتاريخ بلدك السياسي وتعاقب الأنظمة السياسية فيها شيء جميل، وإيجابي، وهو ما تعمل عليه بعض الدول، في محاولة منها لزرع تاريخها السياسي في عقول البشرية، وهو أمر حسن لا يجب التحفّظ عليه، ولكن المشكلة أن يكون التاريخ السياسي هو القوة الناعمة الدالة على البلد، هذا شيء لا يستقيم!
لست هنا بصدد الحديث عن السياسة وعن مدى إعجابي بالقذافي من عدمه، أنا هنا أتحدث عن القوة الناعمة التي يجب أن تُصدر للعالم.
المواطن المصري الذي تُختزل بلده في جمال عبد الناصر مثلاً، مهما كان محباً للرئيس السابق ويقدسه، لن يكون سعيداً بتهميش حضارته الفرعونية بكل بساطة، وسيعاني من عدم ذكرها للتعريف ببلده.
والشيء بالشيء يُذكر، فإن شعوباً أخرى كشعبي العراق وإيران، قد تم حصر دلالة بلديهما عند معظم الشعوب الأخرى أنها صدّام أو الخميني! وهو إجحاف في حق بلدان متجذرة في التاريخ بحضارات عظيمة لا يجوز اختصارها في شخصيات سياسية جدلية كتلك، الأمر بالفعل حزين، وعلى الشعوب ألا تترك المجال هكذا بدون تقويم، العمل الكثير مطلوب من هؤلاء، لإعادة بلدانهم للخريطة ببث معالمهم وتاريخهم للناس حتى يتم معرفتهم بشكل قيّم يلائم بلدانهم وثقافاتهم الغنيّة، التي تفتقر معظم شعوب العالم لها.
هناك بلدان تشتهر بأنواع من الحيوانات تستوطنها، كالكنغر الأسترالي والفيل الهندي والنسر الأمريكي.
ما أقصده أن أي شيء قد يكون مميزاً لبلدك ويعلق في أذهان الشعوب الأخرى. منذ أسابيع قليلة فاز زيت الزيتون الليبي في المركز الثاني في مسابقة عالمية مهمّة في جودة زيت الزيتون، لماذا لا نعمل على ذلك؟ ونضع زيت الزيتون الليبي في كل المواقع الإلكترونية الرسمية وفي تذاكر الطيران المتجهة لليبيا؟ وغيره الكثير من الصحاري العظيمة والشواطئ الخلابة والمدن الأثرية القديمة، بلدنا غنيّة جداً ولها عمق تاريخي واجتماعي وإنساني صارخ في تميّزه بين المجتمعات الأخرى في شتى المجالات.
أتمنى في يوم من الأيام أن يكون الرد على قولي أني من ليبيا هو: لديكم زيت زيتون جيّد.
كاتب ليبي