العنوان قصيدة للشاعر سيف الرحبي.. القصيدة لاحت في ذهني عندما كنت جالساً مع صديق على السِيف أو شاطئ البحر في قريتنا الساحلية الردة في ولاية السويق. جئنا على ذكر أشخاص من أبناء القرية رحلوا، وأشياء كثيرة لم تعد تُعمر المكان، أشياء اختفت أو تناقصت أو في طريقها للانقراض. زالت النعم كما يقال. نتذكر سنوات مضت كان الشاطئ يعج بالناس وبالضجيج والحركة، وكأن الشواطئ مكان نذر للفرجة. لا تذكر الشواطئ إلا وتذكر الطيور التي كانت تملأ الأفق، وتخبط الفضاءات بأجنحتها. الغربان والنوارس وأتذكر منها (السويدي والحويرية، الإيريبي الكبير، الفرخ الغواص) وديك بريِم، وطائرأم الشلم. الغربان وحدها كانت سيدة المكان بأصواتها، لا يخفت نعيقها، ولا يهدأ ضجيجها، وكأنها أحد مكونات القرى، ولازمة لضبط إيقاع المشهد الساحلي وتأثيثه.
يحظى الغراب بمكانة خاصة في التاريخ، فهو رسول الإله إلى قابيل، ليعلمه كيف يواري سوءته ويدفن جثة أخيه في الأرض، وهو الذي أوكل إليه سيدنا نوح مهمة استطلاعية بعد الطوفان، يبحث عن أرض يابسة، لكن الغراب وجد جيفة وانشغل بها وترك المهمة ولم يعد للسفينة، فغضب عليه سيدنا نوح ودعى عليه أن يصبح لونه أسود وألا يألف البيوت، فاصطبغ لونه بالسواد وابتعد عن البيوت لا يألفها. وهو الغراب ذاته الذي هيج لوعة قيس بن الملوح في قصيدته المشهورة (غراب البين) عندما سمعه يصرخ فأراد أن يخبره بما يصرخ، وهو الغراب نفسه الذي وصف سيف الرحبي سلالته بأنها ذات السلالات النبيلة التي كانت تضيء الآفاق بالطيران والنعيق؟ التي لا تنسى المهادنة والإيذاء. هي الغربان ذاتها، التي حظيت بمكانة لائقة في الدراسات والأساطير والثقافات والموروثات الشعبية. وأذكر هنا كلود ليفي ستروس عالم الأنثروبولوجي، الذي استخدم الغراب في دراسته الأساطير لتحليل التناقضات التي يعالجها العقل البشري في إطار نظريته البنيوية، حيث اعتبر فيها أن الغراب كالذئب وسيطاً يربط الحياة والموت، لارتباطه بالبحث عن طعام في كليهما.
أتت الغربان إلى عُمان مهاجرة، حسب المصادر رفقة السفن العمانية التي تمخر عباب البحار في طريق عودتها من الهند، وظلت تحلق فوق هذه السفن الى أن وصلت إلى السواحل العمانية وبدأت الاستقرار والتكاثر، وانتشرت لاحقا في أغلب المناطق، خصوصاً المدن الساحلية و(الفرض) المواني كساحل الباطنة ومسقط وصور وغيرها من المدن الساحلية والمناطق القريبة من الساحل. وكانت تنتشر بكثرة في ولايات ساحل الباطنة، لدرجة ضرب بها المثل في الكثرة فيقال (أكثر من غراب الباطنة).
في تلك الأيام كنا صغارا لا نعرف أن الغربان توصف بطائر الشؤم والبين، ما نعيه أنها مخادعة ذكية، وحذرة جداً نزقة على الدوام. وهي عالم مليء بالأسرار، وذاكرة قائمة لأجيال متعاقبة، إنها تحفظ الزمن والمكان والوجوه، وتحفظ الأصوات كما نحفظها، تدرك الإيماءات، لها لغتها الخاصة التي فهمها الأنبياء والأتقياء وتحفظ تفاصيل كثيرة وشاهدة على فترات متعاقبة، إنها الزمن بذاته. وهي رفيقة الطفولة والدروب، المتخمة بالحكايات والقصص، أتذكرها عندما كنا نذهب بشكل يومي للمزرعة لسقي النخيل وباقي المزروعات، كانت الغربان رفيقتنا في المشوار وفي الحقيقة تلازمنا منذ الصباح تحلق فوق رؤوسنا، إن خرجنا من البيت، وكان نعيقها يشي لنا بالألفة والطمأنينة كما يقول أحد الأصدقاء تخلق (هـَيل أو هَجل) بمعنى الباعثة للفرح والسرور، التي تشعل المكان وتبدد الوحدة والوحشة، ولا تفارقنا إلا عندما ندخل البيت. تدهشنا قدرتها على تذكر وجوهنا وأصواتنا، نتخيل أنها متناغمة معنا في الطريق، لكن الشيء الذي كان يذهلنا هو ذلك المشهد العجائبي وهي تتجمع على شكل حلقة دائرية كبيرة تصدر أصواتا وضجيجا، وكأنها في حلقة نقاشية، أو اجتماع محتدم تتداول في أمر ما، لكنه الحداد والنحيب بطريقتها على فقد وليف ورفيق، ويحتدم النحيب إذا ما وجد غراب يتوسط الحلقة سقط صريعاً، انها ترسم الحداد على طريقتها وتعبر عن حزنها، وفي نهاية الوقفة التأبينية يتبرع أحدهم ويأخذ الغراب الميت ويذهب به بعيداً ويتبع البقية ربما لتدفنه وتواري عليه التراب.
حفظت الذاكرة الشعبية العمانية الكثير من الحكايات عن الغربان، فجسد ذلك شعراً وسرداً وفي الأمثال والحكم وفي التراث الشفوي حكايات تتناقلها الأجيال. يقال في المثل (يشيب الغراب ولا يشيب التراب) كناية عن المستحيل والأمر صعب التحقق. ويقال في الفتاة الجميلة التي يصطحبها رجل أسمر ويوصف ذلك (الياسمينة فوقها غراب)، ويقال للصائم الذي لا يجد ما يفطر به (صائم وفاطر على جناح غراب) وأمثله كثيرة لا حصر لها. ومن الحكايات الشعبية يقال، إن رجل من سكان داخلية عُمان (حِضري) جاء لزيارة قريب له في إحدى ولايات ساحل الباطنة فلم يستدل على البيت وظل يبحث عنه ساعات طوال وتاه في المنطقة إلى أن شوهد بالصدفة ولما سأله شخص عما يبحث قال له بيت فلان وسأله هل هناك علامة تستطيع أن تستدل على البيت فرد عليه الحضري بأنه كل ما يتذكره غراب كان يقف على سطح البيت. ومن الطرائف التي لا تنسى أيضاً هي عندما تسطو على مكعبات الصابون التي تترك قرب حوض الماء، وانتشال ساعة (وست أند) المعلقة في غصن شجرة اللمبا (المانجو) وكم من غراب غافل الصيادين المنشغلين بجر القارب الى الشاطئ وبحركة مباغته منه يخطف السمك من بطن القارب.
هذا عن أمر غربان الماضي، الغربان التي ألفت السواحل والمواني العامرة ذات يوم بضجيج أصواتها، وهي تداعب أنفاس الصيادين وهمسات الموج، الغربان التي ألفناها وألفتنا، كأنها لم تكن، وتبدد ذلك المشهد الباذخ ولم يتبق منه إلا صدى أصوات تتردد في الذاكرة وأطياف أجساد تهيم في الفضاءات الواسعة.
يتساءل سيف الرحبي أين تلك الجحافل السوداء الأكثر صفاء من بياض الثلج، تزنر السواحل من صحارى وأبعد حتى عقبة (ريام) و (فرضة) مسقط؟ إلى أن وجد غراباً وحيد في صباح كئيب على شاطئ مهجور، حتى من الشناجب، كما يقول، لكنه يستدرك ويقول لكنها انقرضت السلالات النبيلة التي لا تنسى المهادنة والإيذاء. الغربان رفيقة طفولتنا لأجيال متعاقبة لم يتبق عدا طيف رفيفها في قفر الفضاء واليباب.
انقرضت أو في طريقها للانقراض، حتى غربان الشؤم والبين هي الأخرى لم يتبق منها إلا القليل. يذكر أن هيئة البيئة في عام 2023 في سلطنة عمان أصدرت تعميم تطالب فيه بالقضاء على الغربان معللة ذلك بالأضرار التي تسببها على البيئة، وأتذكر كنت أحد الأصوات التي عبرت عن استغرابها من هذا الرأي. كتب زكريا المحرمي تغريدة على موقع أكس يقول فيها (الغراب الهندي! هذا الغراب موجود في البيئة العمانية، خاصة ساحل الباطنة ومسقط منذ عقود طويلة وربما قرون، وتأثيره السلبي محدود جدا مثل جميع الغربان في العالم، نرجو من الهيئة مراجعة قراراها بإعدام هذا الغراب المحلّي لكي لا يتسببوا في فوضى بيئية وتركيز الجهود على طائر المينيا وحسب).
كاتب من عُمان