عودة السؤال

حجم الخط
0

يُعَدّ السؤال من أهم الأدوات التي يمتلكها الإنسان في رحلته في هذا العالم؛ فهو الأداة المهمة، التي تُظهِر الأفكار في مجال رؤيته وانتباهه، وهو المجال الذي تتساقط فيه القشور، ويذوب فيه المكان والزمان وخصوصيات الأشياء، ولا يبقى إلا جوهرها وروحها المجرّدة. فنجد معاناة من واجه السؤال يوما، ونجد من أجاب أو حاول أن يجيب؛ حيث يصبح الماضي والحاضر والمستقبل في بوتقة واحدة مترابطة، متحللة من كل خصوصية، ويصبح فيها الإنسان واحدا وإن اختلفت حالاته وصوره وزمانه، فأسفل كل صورة معدن لا يتغير، روح مجردة، أمكنتها المتعددة مكان واحد، وأزمنتها المتعددة زمان واحد، فلا يصبح معنى لقديم وحديث، أو صحيح وخطأ، ولكن يبقى لظى السؤال والتعطش للإجابة، هما المحرك الأول لاجتماع الأسئلة والإجابات في لوحة واحدة، ليرى من خلالها الإنسان الباحث عن الإجابة سيرة سؤال واحد، وإجابات متعددة، وربما يجد الإجابة، وربما يستمر في سيره إلى ما لا نهاية. وحالة السؤال ومجال الرؤية، كحال سؤالٍ تم طرحه على مدار التاريخ، وتتوالى الإجابات عليه من أفراد متنوعين بخلفيات متنوعة، وكل يضع إجابته، حتى حضرت كل الإجابات في معرض واحد، فيشاهدها الإنسان الباحث ويتأمل حال من طرح السؤال، وهم يتأملون معه بعضهم بعضًا، ويتأملون حال الإجابات عليه وعمقها واختلافها، ومدى شفّها للحقيقة من عدمه. فيصبح الماضي والحاضر والمستقبل في صعيد واحد، ينظمه زمن مختلف عن زمن الإنسان المعتاد، زمن يظهر فيه الإنسان صورا متنوعة لروح فريدة.
فالسؤال هو الذي يهب الإنسان المعنى، ويرتقي بمنزلته في الوجود، وهو وسيلته للكشف عن أسراره، وإبراز مكنون الحقائق، وجني ثمارها في الرقي بحياته؛ فلولا السؤال لبقي الإنسان في مرتبة الحيوان، يدور مع غريزته من بداية حياته حتى نهايتها، ولتعطّل عقله وقلبه، فلا نظر ولا تأمّل ولا تدبّر ولا علم، ولضاعت تجارب الآخرين، وبقي في نقطة الصفر لا يفارقها، ولانعدم تشوّف المستقبل، وفقد القدرة على تناول الحاضر والاعتبار من الماضي، ولا استطاع أن يفرق بين مرض وصحة، ولا ظلم وعدل، ولا خير وشرّ، ولاستوى الوجود مع العدم، ولبقي في عزلة إلى ما لا نهاية، صامتا لا يبحث عن معنى ولا يعرف مصيرا. وإذا أردنا أن نماثل رحلة الإنسان على هذه الأرض، فلا شك أنها الرحلة ذاتها التي يسعى خلف نداءاتها، أو يسعى لتفسير علامات الاستفهام التي تلقيها الحياة في طريقه، خاصة الأسئلة التي تحفرها المعاناة ويطرحها الألم في لحظات اليأس وافتقاد المعنى، أو تلك التي يحفرها التعطّش للفهم والإدراك، ومن يتتبّع سلوك الحياة مع الإنسان، فإنها تعطيه على قدر شمعة، ولا تكشف عن كامل مصيرها؛ فلو حدث ذلك، وكشفت عن خريطتها ومعناها، لفقدت الرحلة معناها كما تفقده الحياة؛ ولذلك أصبح الغيب من تضاريسها الأساسية، والسعي خلف الأسئلة، وافتراض الإجابات، ومحاولة اختبارها، واعتبار ما نظنّه الحقيقة، وتجميع قطع الحقائق، ومحاولة وضعها في شكل متكامل؛ أقول: ستظل كلها محاولة للفهم، ربما يصل إليها في يوم ما، وربما ستظل مفتوحة السؤال، تدور إجابتها في دائرة الاحتمالات واللايقين، ربما إلى أن تحين نهاية الرحلة، وهي لحظة كشف الغطاء الكامل عن العقل والقلب، وانكشاف الحقيقة في صورتها البِكر، بلا ظنون أو أوهام، وإلى أن تحين تلك اللحظة سيبقى الانكشاف ذاته يضج باللايقين. ومن ثم فإن الوصف الخاصَّ بالسؤال ربما يكمن فى أنّه الوسيلة الوحيدة لدقّ أبواب الحقائق واستنطاقها، وشدّ الرحال إليها، والبحث عنها، والإمساك بها وتشريحها والتثبّت منها، ومن ثمّ العبور عليها من حالٍ إلى حالٍ جديدة. وإذا كان هذا الوصفُ أخصَّ صفاته، كان أرقي أنواعه ما كان أقرب إلى الدقّة، وأشمل وأكبر؛ ومن هنا يتقرّر في نفس المتأمِّل، كيف أنّ الأبقى من الأسئلة هي التي تأتي عن معاناة حقيقية تعرّض لها الإنسان فأضنته، ولم تزل تنادي عليه كالسراب يختفي كلّما اقتربنا منه، وما زال يبحث عن إجاباتها ويروم تجارب الآخرين من البحث والمعاناة؛ وقد يكون وحيدا في الانفراد بسؤاله، فلم يجد أحدٌ قطّ طرحه سابقا، حتى يجد نموذجا ما أو مفهوما يروم من خلاله الإجابة.
فيمكن القول إنّ علاقة المفاهيم والنماذج بالظاهرة كعلاقة المغناطيس بنشارة الحديد في إظهار المجال المغناطيسي وكشف وجوده؛ فهي وفقا لهذه السيرة، تقوم بإعادة تشكيل الظاهرة في سياقها فتكتسب معنى جديدا، مثل خيط المسبحة يرصّ الخرزات وينْظمها، فكذلك تأثير النماذج والمفاهيم على الظواهر تعيد إنتاجها؛ فتأخذ شكلا لم يكن موجودا سابقا، وتتّضح معالمها، وتنبثق منها رؤى جديدة تساهم في الفهم والتعلّم ومحاولة التفسير؛ وتقوم على الدوران من المفهوم إلى الواقع والعكس؛ فمن خلاله تبدأ الصور في التشكل وتأخذ معناها، كما تأخذ اللبنات معناها في إكمال الصورة الكلية للبيت.
وتشير تجربة الحياة إلى أن السؤال سيبقي فراغات تبحث عن لبنات تكمن فيها الإجابات المحتملة، ويُروى أنّ سقراط رأى أباه ـ وكان مثّالا ـ ذات مرة وهو ينحت من الصخرة رأس أسد ليُقام على نافورة ماء، فتناول قطعة الرخام وأخذ ينقرها بإزميله الغليظ، ثم بأزاميل وأدواتٍ أكثر دقّة؛ وهكذا أخذت تظهر تفاصيل التمثال المنشود شيئا فشيئا؛ أخذ الفم في الظهور، ومن فوقه الأنف الأفطس والعينان واللَّبَد. فسأل سقراط أباه، كيف عرف الطريقة التي يضع بها إزميله، وإلى أيّ عمق يضربه؟ فأجابه أبوه قائلا: عليك بادئ ذي بدءٍ أن ترى الأسد كامنا في قطعة الرخام، تراه رابضا هناك تحت سطح الحجر، حتى إذا ما تصوَّرت بوضوح أين يقع وما حدوده، كان عليك بعدئذٍ أن تُطلق سراحه. وكلّما أحسنت بادئ ذي بدءٍ رؤية الأسد في موضعه من الحجر، عرفت أين تضرب بالإزميل وإلى أيّ عمق تغوص به.
مع تدفق نماذج الذكاء الاصطناعي وشراهتها في استعمار الإنسان وتسطيحه وتسوية تضاريسه وصهر ذاتيته بموضوعية فجة، قد يعود السؤال باعتباره الأمل الوحيد الذي يحافظ على إنسانية الإنسان ويحدد مصيره.

كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية