تدور أغلب الكتابات عن الشعر الحديث في العربية حول كيف ومتى بدأ الشعر العربي يتّخذ صفة الحداثة، وعلى يد مَن مِن الشعراء، وفي أي بلد عربي، أو غير عربي. والملاحظ أن بعض تلك الكتابات فيها ما يشبه أسلوب الجاهلية في استعمال أفعَل التفضيل في الصفات. فهذا أسبق الشعراء، وذاك أفضل الحداثيّين والآخر أوضح من ابتعد عن الأسلوب التراثي، وأمثال ذلك من الأوصاف اللامُجدية لافتقارها في تقديم عينات كافية من هذا الشاعر أو ذاك.
ربما كان الحديث عن دور الشاعرة العراقية نازك الملائكة (1923 ـ 2007) في بداية تحديث الشعر العراقي أبرز تلك الأحاديث. وكانت العيِّنة التي اختارتها نازك من شعرها لبيان نوعية ذلك التحديث هي قصيدتها بعنوان “الكوليرا” التي أرَّخت لها بيوم مُعيَّن وشهر مُعيَّن من عام 1947، مما أثار السيّاب ليثبت بالتاريخ واسم المجلة أنه سبق أن نظم قصيدة على منوال “الكوليرا” المنظومة بتاريخ 27 ـ 10 ـ 1947، وذلك في قصيدته بعنوان “هل كان حبّاً” بتاريخ 29 ـ 11 ـ 1946. وقد أثار ذلك هياجاً غير ضروري بين المعلقين، فراح بعضهم يرى أن المصري لويس عوض هو الأسبق، وقال آخرون إن اليماني علي أحمد باكثير هو الأسبق، وغير ذلك من كلام قليل الفائدة.
الواقع أن إرهاصات التحديث في شكل القصيدة العربية ومحتواها قد بدأت في الشعر العربي في العراق وغيره منذ بدايات القرن العشرين. ففي العراق نجد جميل صدقي الزهاوي (1863 ـ 1936) يتناول موضوعات غير مطروقة في الشعر التراثي ويقول إنه تحديث في الشعر العربي، وردّد قوله آخرون. فقد بدأ ينظم في موضوع “الجاذبية” في الفيزياء، وفي نظرية “داروين” في “أصل الأنواع” فقال: “لا يعجبِ الناسُ من مقالي/ إن قلتُ أصلُ الإنسان حيوان/ فإن إنساناً بن قِردٍ/ أفضل من قِرد ابن إنسان”! كما يُنسب إلى الرصافي (1875 ـ 1945) قوله في وصف القطار “وقاطِرةٍ ترمي الفضا بدُخانها/ وتنهبُ سهلَ الأرض في سَيرها نهبا”. لكن أحداً من أولئك “المجدِّدين” لم يجرؤ على التلاعب بنظام الشطرين والقافية، حتى في محاكاة نظام الموشح الأندلسي، إلا القليل من شعراء العامية والشعر الشعبي، وهؤلاء كانت أمامهم أمثلة يحاكونها في الوزن والقافية، كما يحاكي شعراء الفصيح أمثلة الشعر التراثي.
وفي عقد الثلاثينات من القرن العشرين، بدأ العراقيّون وغالبية العرب بالإنفتاح على الحياة الأدبية في أوروبا والاهتمام بما يصدر من كتب ودراسات في الآداب والفلسفة، وبخاصة باللغتين الإنكليزية والفرنسية، عن طريق ما يصل من الترجمات من لبنان ومصر. وهنا بدأ الحديث عن الرومانسية التي استهوت شباب المتأدِّبين وناشئة الشعراء. واستمر هذا الانفتاح على ما لدى الغرب من آداب في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعدها. وانتشرت أعمال شعرية رومانسية مثل أعمال إلياس أبي شبكة وايليا أبو ماضي ومحمود حسن إسماعيل، مما دفع في بعض الحالات إلى اصطناع ميوعة عاطفية مما وجدوه في الآداب الفرنسية من نهايات القرن التاسع عشر.
من بين شباب الشعراء في عراق الأربعينات برز بُلَند الحيدري (1926 ـ 1996) بموهبة شعرية فذّة، فراح يكتب الشعر المتميّز عن شعر أقرانه وهو لم يبلغ العشرين من العمر، فنشر مجموعته الأولى “خفقة الطين” عام 1946. وفي هذا التاريخ المبكّر من تطور الشعر العراقي، نجد القصيدة الأولى “سمير آميس” ص 61 تغيّر في نظام الشطرين، بتقطيع الشطر، صدراً وعجزاً، بناء على توكيد الصورة، أو الفكرة، في نظر الشاعر، بغضّ النظر عن ضرورة استكمال عدد التفعيلات في الشطر، حسب المتطلب التراثي. لكن الشاعر يبقي على القافية في مكانها الصحيح. ففي بحر الخفيف هذا نجد: “يا خفيفاً خفّت به الحركاتُ/ فاعلاتُن مُستفعِلنْ فاعلاتُ” قد تقطّعت إلى “سكرَ الليلُ/ باللظى المخمور/ واقشعرَّت معالمُ الدَيجور”. لكن قراءة البيت بصوت مسموع تبيِّن مواقع تفعيلات بحر الخفيف الطبيعية التي أراد الشاعر أن يُبرِز منها صوراً وأفكاراً بعينها لأهميتها في نظره. هذا بالضبط ما دعت إليه نازك وفصّلت فيه القول في مقدمة مجموعتها الثانية “شظايا ورماد” 1949 بإشارتها إلى “أول قصيدة من الشعر الحرّ” عرفتها العربية. ونازك تعرف طبعاً أن “الكوليرا” تقوم على تفعيلة فَعلُن وأن الشعر الحر بمعناه الدقيق ليس فيه فعلُن فعلُن، ولا قافية: الماشين، المسكين… عشرونا، الباكينا. فالذي فعلته نازك هو “تحرير” البيت من “عدد” التفعيلات، وهذا لا يجعل الشعر حرّاً كما دَعته، واستمر الخطأ الشائع على حساب الصحيح المهجور. بينما بُلَند فعل ما فَعَلَتهُ نازك قبلها بالزمان ولم يدعُ ما فعله شعراً حراً، ولم يدخل في مزاودة الريادة. لكن الكرام الكاتبين لم يشيروا إلى هذه الحقيقة التي تدعمها الأمثلة والقصائد المنشورة في عدد من مجموعات الشاعر بُلَند الحيدري، امتداداً إلى “حوار عبر الأبعاد الثلاثة” 1972 وما بعدها، إلى آخر ما كتب من قصائد. وتقطيع البيت عن تسلسل التفعيلات التراثية في يد بُلَند يخدم الصفة الدرامية في قصائده، حماية من السقوط في الغنائية المفرطة. وكل هذا وهو لم يحفل بالتسميات ولم ينافس في الريادة.
كانت الرومانسية التي أخذت بتلابيب الشباب المتأدِّب من شعراء ومغنّين وفنانين من كل نوع في فترة ما بين الحربين قد كشفت عن عجزها عن معالجة شؤون الحياة بين الشباب الذين أدركوا ضياع أمانيهم وانفتحوا على واقع جديد بعد الحرب العالمية الثانية، واقع تيارات فكرية وفنية جديدة. ونجد بلند في مجموعته الثانية “أغاني المدينة الميتة” 1951 يبتعد عن المراهقة العاطفية وينفتح على مجتمعه وآلام الآخرين. وجد نفسه على احتكاك دائم مع أناس يعيشون مثله في محيط إقطاعي شبه استعماري. فتولدت لديه مشاعر من التمرّد غذّتها قراءاته من “كامو”. وراح يطلب تبنّي هموم الآخرين: “أريد أن أسأل من يحلم عن أحلامه/ أريد أن أوقظ دنيا مظلمة”. ومثل تأثره بالرومانسية في مرحلته الأولى، نجده يتأثر بالتمرد في مرحلته اللاحقة مع أنه يدرك ضياع الأمل في حياة الآخرين حوله: في قصيدة “ساعي البريد” يسأل الشاعر: “ماذا تريد؟/ إنا عن الدنيا بمنأى بعيد/ أخطأت…/ لاشكّ فما من جديد…”. ويبلغ التمرد حَدّ تبنّي الثورة، كما نجد في مجموعته اللاحقة “جئتم مع الفجر” إذ وجد في ثورة تموز 1958 أملاً في الخلاص من بؤس الحياة المعاصرة، ولم يلبث أن خاب ظنُّهُ من جديد. وهو لم يكن ملتزماً سياسياً بحال، لكنه أمل شاعر يراقب ويتأمل أن يرى التغير. وقد استهوى الشاعر ما وجد عند إليوت في وصف جَدب الحضارة في أوروبا الشرقية بعد الحرب الأولى، فوجد أن ذلك يشبه ما وجده في أوضاع البلاد العربية.
يجب أن ندرك أن بُلَند الحيدري كان شاعراً ذا موهبة فذّة لم تدعمها دراسة، فهو لم يكمل المدرسة، ولم يعرف أية لغة أجنبية ليقرأ بها. لكنه كان قارئاً نهماً، يلتقط الكتب المترجمة ويستوعب ما فيها بسرعة، ثم يتحدث عن إليوت، وأوسكار وايلد مثلاً ويقتطف أو يضمِّن منهما أو من غيرهما بما يوحي أنه قرأهما. لكن موهبته الشعرية هي التي صاغت قصائد تعالج موضوعات في شؤون النفس والحياة والفلسفة بأسلوب يوحي بثقافة واسعة لدى شاعر يمتاح البحور مع شعراء آخرين لهم من المواهب والثقافة ما يجعلهم أنداداً له عند النظر في أعمالهم إلى جانب أعماله. وثمة شهادات بعلوّ قيمة شعر بلند من شعراء معاصرين بارزين مثل السياب والبياتي وعدد من كبار شعراء لبنان. واستعراض مجموعات بلند الحيدري من شعره المنشور تبيّن ميزة شعره في تصوير الحياة وشؤون النفس البشرية، شعراً يواكب التطور في الفن الشعري في شكله المنظوم، المتحرِّر من النمط التقليدي، وصولاً إلى الشعر التمثيلي في “حوار عبر الأبعاد الثلاثة” وهو أسلوب يتمنّى كل محبّ للشعر العربي الحديث أن يرى منه المزيد.