شكراً لموريتانيا وشعبها وقيادتها
شكراً لموريتانيا وشعبها وقيادتهاتشهد موريتانيا تجربة ديمقراطية غير مسبوقة في أي مكان آخر في الوطن العربي، وربما القارة الافريقية بأسرها. فقد أوفي المجلس العسكري الحاكم فيها بوعده، ونظم انتخابات نظيفة، انتقلت السلطة من خلالها الي سيدي ولد شيخ عبد الله، بعد تنافس نزيه بين عدة مرشحين، لم يكن من بينهم اي عسكري واحد.المراقبون الذين تابعوا الانتخابات اجمعوا علي انها كانت نزيهة لم تشهد اي حادث في مراكز الاقتراع التي زاد عددها عن 2400 مركز، تنتشر في جميع انحاء البلاد من اقصي شمالها الي اقصي جنوبها.العقيد اعل ولد محمد فال رئيس المجلس العسكري الموريتاني يستحق التهنئة لعدة اسباب، اولها تواضعه ودماثة خلقه، واهمها زهده في الحكم، واصراره علي عدم الترشح لانتخابات الرئاسة، ولو كان فعل، مثلما طالبه الكثير من مستشاريه، وبعض الزعماء الجيران في الشمال الافريقي، لكان فاز بالحكم بأغلبية شعبية مريحة.تجربتنا في المشرق العربي مختلفة تماماً، علاوة علي كونها مخيبة للآمال، فمعظم القادة وصلوا الي الحكم من خلال انقلابات عسكرية اطلق عليها زوراً وبهتاناً اسم ثورات وشرعّوا دساتير وقوانين وأقاموا مؤسسات تشريعية وسياسية تثبت حكمهم، وتورثه لاولادهم من بعدهم.النموذج الديمقراطي الحقيقي في الحكم لم يأتنا من المراكز، مثل مصر وسورية والعراق والمملكة العربية السعودية، وانما من الاطراف، وهذا شرف لهذه الاطراف في جميع الاحوال، واهانة للمراكز التي ادعت وتدعي احتكار المعرفة والحداثة والتقدم.فالديمقراطية العراقية التي جاءت علي ظهر الدبابات الامريكية، وعلي حساب مليون عراقي قتلوا منذ بدء الغزو الامريكي، كانت ديمقراطية طائفية بكل معني الكلمة، ولهذا دفعت بالبلاد الي حرب اهلية، اما الديمقراطية السورية فما زالت تعيش مرحلة الحقبة السوفييتية، ومن المفارقة انه بينما تثبت القيادة العسكرية في موريتانيا حرصها علي الديمقراطية والاصلاح السياسي واطلاق الحريات، يقدم النظام المصري علي اجراء تعديلات دستورية تثبت العكس تماماً، وتقدم نموذجاً في مصادرة الحريات، وتشديد الاجراءات القمعية.الشعوب العربية من اقصي المغرب، الي اقصي المشرق، شعوب وطنية خلاقة قادرة علي الابداع، وكل ما ينقصها هو القيادات الوطنية الصادقة، التي تقدم مصالح الوطن علي مصالح العائلة او القبيلة او الطائفة، وها هي القيادة الموريتانية تؤكد علي هذه الحقيقة مجدداً عندما انحازت الي الشعب ومصالحه، وفضلت دخول التاريخ المعاصر من بوابة الاصلاحات السياسية المشرفة، وتعزيز الشفافية، واطلاق الحريات، وتسليم السلطة لمن تختاره صناديق الاقتراع في انتخابات حرة ونزيهة.هنيئاً لشعب موريتانيا علي هذا الانجاز، والشكر للمجلس العسكري وقائده ولد محمد فال علي تقديم هذه السابقة الديمقراطية المشرفة.9