شباب مصر يلهمون العالم

حجم الخط
0

سامية عيسىأنا هنا والآن في هذه اللحظة التاريخية التي خرجت من رحم هذا الكون لتخبرني أنني عدت من جديد إلى ذاتي الحرة، بعد غياب طويل. أنا هنا والآن ‘في ميدان التحرير’ أتذوق طعم الحرية، في لحظة نقية لا تشبه غيرها من لحظات أخر. لحظة مصر هي لحظة للإنسانية جمعاء، إنها بشارة للشعوب، وليس غريبا على مصر أن تكون حرة أبية، بل الغريب ألا تكون.إن ثورة مصر لا تشبه أية ثورة عرفها التاريخ من حيث الأهداف والعمق والأسلوب والاتساع. إنها تأتي لتجيب عن سؤال مجيد يتردد صداه عبر السنين، إلى متى سيظل العالم يئن تحت أقدام الطغاة؟ هنا في العالم العربي، وهناك في كل بقاع الأرض، ثمة مبارك يتسلق السلطة، ويسرق قوت البشر، ويعتدي على كراماتهم ويخنق أصواتهم. هنا في مصر وهناك في سورية والأردن والجزائر ولبنان وغيرها من دول العالم العربي، وفي افريقيا وأمريكا وأستراليا وأوروبا. كل على طريقته يشق رقاب البشر ويكتم أنفاس الناس ويتلاعب بمصائرهم. في كل بقاع الأرض ثمة حسني مبارك أو شاه، ثمة ديكتاتور، تعددت التسميات لكن الديكتاتورية تتخذ أشكالا عدة. قد تكون شخصا، أو سلطة، أو فكرة، أو أسلوب عمل، أو وسيلة إنتاج، أو نمطا اقتصاديا أو قيما اجتماعية بائدة تحبس الروح وراء جدران الوهم، ثم تعود لتتساءل لم ترتفع معدلات العنف في المدارس، أو الطلاق في البيوت، أو البطالة في سوق العمل، أو الغلاء في لقمة الخبز أو أسعار المساكن أو أقساط المدارس والجامعات أو أسعار الأدوية، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، بل وكل ذلك مجتمعا. كفى.. قالها الشباب في ميدان التحرير.. كفى لم يعد بإمكاننا العيش تحت خط الفقر في المقابر أو المزابل، أو ركوب سفن الهجرة إلى دول تحترم مواطنيها، فيما هي تستبيح وتسرق ثروات مواطني دولة أخرى وتجرؤ أن تدعي أنها بلدان ديمقراطية. شباب الفيس بوك قالوا كفى وواجهوا ‘الكتاب’ جيدا، أم امتشقوا ‘وجه’ المعرفة وانطلقوا يعلمون العالم درسا جديدا في الحرية حين تعني لهم أنها عش ودع غيرك يعيش أيضا. مطالبهم كانت جد بسيطة، قالوا الحرية، لم يفهم الديكتاتور.. ظن أنهم إنما يتلهون بلعبة وأنهم سيملون ويتعبون ويعودون في المساء إلى منازلهم، البعض منا ظن ذلك أيضا.. ربما البعض منهم ظن ذلك أيضا. تعلموا الدرس كأنه بحث علمي أوكل إليهم فذهبوا للعمل عليه، وفي طريق البحث تعلموا طريق الوصول إلى نهاية الطريق. وفي الطريق إلى الهدف اكتشفوا أنفسهم، حتى أوباما نفسه، من يترأس أكبر قوة غاشمة في التاريخ الحديث، أحس بذلك وراقب كي يتعلم منهم. ألهمهم إحساسهم العميق بالحرية وحدسهم أن بإمكانهم رد الاعتبار لشعبهم، بل ربما لكل شعوب الأرض، بما فيه الشعب الأمريكي نفسه، من تلاعب أثريائه وجلادي أسواقه المالية والعقارية بقوت يومه وأفقاره. وعلى مرأى ومسمع من شاشات التلفزة، التي كسر الديكتاتور كاميراتها أكثر من مرة، تجولوا في ميدان التحرير مثل فرسان نبلاء من الزمن الغابر حين كان للفروسية قيمة أغلى من ذهب الأرض، يموت الفارس على صهوة فرسه ولا يركع. هذه هي مصر التي نعرفها.. هذه هي مصر التي يعرفها العالم بأسره كأعظم وأقدم حضارة في التاريخ. يقوم شبانها وفتياتها بابتكار الثورة بطريقة خلاقة، ويتحلون بأخلاق رفيعة المستوى وبخبرة الثورات الأخر، التي وقعت في مطبات الغوغائية، ويقدمون أداء ثوريا فاق بسلميته كل ما يمكن تخيله عن الثورات البيضاء. طلبوا بتواضع، استمعوا للكبار، وتحلوا برقي في سلوكياتهم شجع المزيد من الشباب على الانضمام إليهم، ثم ما لبثت الأحزاب، واتسعت الدائرة خلال أربعة عشر يوما لتشمل الشعب المصري كله. هي لحظة شعب شجاع قال كلمته للعالم، وأطلق أعلى صيحة حرية عرفها التاريخ. ومع أن الخوف يطرق قلوب البعض من أن يسرق أحد هذه الثورة، ولعب البعض من المتآمرين على ميدان التحرير على نغمة الإخوان المسلمين، وخاف البعض بصدق من قيام الإخوان فعلا بالاستئثار بالثورة، تمهيدا للاستيلاء على السلطة، لكن كان الوعي العالي لهذه الثورة، وطبيعة الصبغة السلمية والعلمانية والتعددية هي ما حماها وأعطاها كل هذا الوهج، ولأن شباب ميدان التحرير لم يسمحوا لأحد وحتى لأنفسهم، أن يدعوا أنها ملك لحزب أو جماعة، وكان هذا قمة الوعي. إن مصر اليوم عادت إلى التاريخ من بوابته العريضة، من بوابة الحرية. سبعة عشر يوما عاشها العالم كله وهو يتطلع بفرح إلى ميدان التحرير ويتمنى ويتعلم أو يصلي كي تنجح هذه الثورة الجميلة. تعاطفنا معهم وأيادينا على قلوبنا، لأنهم مثّلوا توقنا، ومثّلوا ما نحب أن نفعل من أشياء. كيف نحب أن نصنع الحرية من غير سفك للدماء. كيف نتجنب النزاعات التي لا لزوم لها، ونركز على مطلبنا البسيط: الحرية، ولكن الحرية لا تستقيم مع الديكتاتور، إذا فليسقط الديكتاتور. أعرف شعوبا كثيرة تتوق لأن تصنع لنفسها ميدان حرية، عربية وغربية، افريقية وآسيوية. وأعرف كثرا من العاطلين عن العمل، من الجائعين، من المرضى، من المعزولين عن الحياة لفقر أو جهل أو عنصرية أو حبس.. أو..أو.. صارت لديهم اليوم أمثولة. اليوم لديهم ثورة مصر الجميلة.. مصر العظيمة.. شباب مصر وفرسانها الملهمون.أنا هنا والآن.. في لحظة الحرية هذه ..أقف وأبارك لنفسي ولأبناء شعبي في فلسطين والشتات ولرفاقي الشهداء وزوجاتهم، ولكل رفيقة وأخت سقطت على درب النضال إلى فلسطين ولكل أم شهيد وشهيدة وأخت شهيد وشهيدة، ولكل أبناء الشهداء، لأن الشعلة التي أضيئت في سماء مصر سيضيء نورها سماء بلادنا ودرب عودتنا إليه، الذي تهنا عنه لزمن طويل. أنا هنا الآن، في هذه اللحظة المجيدة أقر بأنني كنت لا أعرف أنها، أي اللحظة، كانت لتكون بعد كل المياه التي عبرت تحت جسر العودة الذي لم أتمكن حتى الآن من عبوره. لكنني اليوم واثقة أن لحظة فلسطين آتية قريبا، لأن مصر عادت إلينا حين عادت إلى نفسها ونحن من بين كل شعوب الأرض من كنا أحوج إليها أن تعود، وتعوض علينا سنوات اليتم التي عشناها من دونها. أنا هنا والآن، أنحني لشباب مصر وشعبها العظيم.. أناديكم، وأشد على أياديكم.. أبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم.روائية فلسطينية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية