‘سوريين يا أخي .. سوريين’
بثلاثِ كِلمات
وامرأتيْن على رصيفِ الأطلسيّ
يذهبُ خمسونَ يوماً من الشمس
في دَرَج الريح
تنسحِبُ سَكينتُها
أبعدَ مما وصلت الجيادُ والقوافل
ولا يعودُ صوتها يُسمَعُ
إلا في رنينِ البرونزِ
على كُسْوَةِ عَصَبٍ مشدودٍ كالطبْل
هكذا يستعيدُ بحرٌ ظُلُماتِه
كأنما لم يُعَـبِّئ ماغِلاّنُ غُليونَه
ولم يُشعلْ كولومبس له الثقاب
يا لطيفَ اللطفِ يا رب
ولطيفٌ هو فعلاً
وظريفٌ أيضاً
ككل من يصنعُ أشياءَ
دونَ أن يعرفَ بالضبطِ
ما حاجتُه إليها
فقد تكّفّلَ بما يلزمُ من التنوير
وأطَلَّ من مصباحٍ بحجمِ جبل
محفوفاً بصاحبيْنِ
يُمكنُ أن يدعوهما قائلاً:
قِفَا نضحكْ.
الله.الوطن. الملك.
هكذا انتهى الترتيبُ
في موسمِ 2013/2014
لكنه يُمكنُ أن يتغيّر
كما كان يمكنُ لهذا الشلاّل
أن يُنيرَ قريةً لا يدخلها الملوك
لكن الله اكتفى برسم منظرٍ طبيعي
برغم احتجاجاتِ درويش
جربناكَ جربناكَ
فاظْهَرْ كعنقاء الرماد
وبرغم برقيّاتِ أُنْسِي للمسيح الربّ
أنِ احضرْ حالاً
الألفا سنةٍ فاصلٌ طويل.
معنا ضعفُ نظرٍ ولم نعدْ نراك.
‘سوريّين يا أخي’
أسمعُ
أسمعُ وأرى
السمَكَ أكثرَ من الجوْعَى
ومع ذلك لا يتناقصُ في المعادلة طرف
البطّةَ تتمايلُ في ارتجاجِ الديسكو
تدورُ بقبضتِها في الهواءِ
كَمَنْ يلوِّحُ بأنشوطةٍ
لا أرى الأنشوطةَ
ربما لأنها فوقَ رأسي تماماً
هكذا أضعُ القبضةَ، مؤقّتاً
في لَقْطَةٍ مُقرَّبَةٍ لمُظاهرة
كلُّ قنّينةٍ تحتفلُ قبل فضِّها
بوضعِ شمروخٍ ناريٍّ في عجيزتِها
وأنا أرى النارَ احتفالاً يناسبُ الحال
ستةُ شماريخَ تخترقُ المَجَرّةَ
في طريقِها إلى طاوِلةِ سمير الجديدة
فسمير يُبدّلُ طاولتَه كل ساعة
ويشتري نصفَ البار كل ليلة
وسمير
– تقولُ لي خديجة
يأتي وبَناتـُـ(ـه) معه
لأنّ سمير لن يقلّبَ مثلَنا في السوق
ويختبِرَ بيديْهِ بَطّاً نَما في الأَسْر
وهو أيضا لا يجلسُ أبداً
كأنه يقولُ أنا سمير أنا لا أجلس
لكنّ امرأتيْنِ في أسْوَدَيْنِ
كانتا تجلسانِ على رصيف أغادير
بكَفٍّ ممدودةٍ كأنما تتَشَكّكانِ في مَطَر
وفي الكفِّ الأخرى جوازاتُ سفر
لتأكيدِ صِحّةِ نَسَبٍ إلى البَلْوى
لا مطرَ
سوى ما يعرفُ العشبُ في الذاكرة
والشمسُ تعملُ ورديةً مضاعفة
لإصلاحِ أقدامٍ بيضاءَ
وَرَتْقِ أرواحٍ مفتوقةٍ في الكِتّـانِ
الفتاةُ المنقوعةُ في صَفارِ بيْضةٍ
تحمي ما تركَهُ الليلُ من نهديْها
بعبُوّات المناديل
وأحياناً تمسحُ بها الغبارَ
عن صورةٍ التَقَطَتْها في المستقبل
لدجاجتيْنِ في كوخٍ بأعالي الريف
آيةُ بسنواتها الثلاثِ
ووردةٍ وحيدةٍ
هي كل إسهامِها في السوقِ العالمي
تطلبُ رشفةً من قهوتي الإيرلندية
لكنني أقنعُها بأن تجلس أمامي
وتشاركَني العشاءَ
والسخريَةَ من قبّعاتِ مالكي اليخوت
العَسّاسُ يخرجُ من صلاتِه
ويسألني كلّ مرةٍ:
هل تسكنُ هنا؟
البارمان يتذكر جيدا نوعَ الويسكي
والكأسَ القصيرةَ
والثلجَ فقط
والورقةَ التي أطلبُها بعدَ كأسينِ
وأملؤها بكلامٍ غير مفهوم
ومع ذلك يُكرّر: إنتَ مِيـصْـري؟!
عَـمَّ يبحثُ السوريون
في أقصى ما تيَسَّرَ من البَـرِّ؟
هنا أيضا شيءٌ ضائعٌ من الجميع
ولذلك فهُم يقولونَ لكَ دائما:
دَوَّرْ مْعانا
وهي قد تعني: أعطِني درهماً
لكنّ الدرهمَ لا يوقفُ البحثَ
سمير نفسُه يبحث
وربما لهذا هو لا يجلسُ أبداً
والبطّةُ تبحثُ في سمير
وآيةُ في الوردةِ
وخديجةُ في كَتِفي
والعَسّاسُ في التشَهُّدِ
والبارمانُ في كتابِ الكوكتيل
والفتاةُ في عُشّ الدجاجِ
أعرفُ هذا
لأنّ في جيبي دراهم
وفي كتفي خديجة
وفي الورقةِ كلاماً غير مفهوم
وفي الكأسِ شمساً وثلجاً
وزلّاجاتٍ تجرُّها غِزْلان
ولكنّني أيضا
أبحث.
دَوَّرْ مْعايا.
‘وأنا..
.. أيضا’.
….
(2014)
‘ شاعر واعلامي مصري