سلوين لويد.. ازمة السويس وكتابة التاريخ علي الطريقة البريطانية:
فشـل وزير الخارجية البريطانية الأسبق في أن يكون محايداً وموضوعـيا عندما صرح بعدائه لعبد الناصرمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية فقدت بريطانيا القدرة علي التصرف بحرية ولم تعد تلك الامبراطورية المجيدة سلوين لويد.. ازمة السويس وكتابة التاريخ علي الطريقة البريطانية:عرض: د. عبدالقادرحسين ياسينہ في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفي الذكري الخـمسين لـ أزمة السـويس ، أصدرت دار Jonathan Cape (واحدة من أشـهر دور النشـر البريطانية) طبعة جـديدة من كتاب سـلوين لويد، وزير الخارجية البريطانية الأسـبق، Suez 1956. وقد أثار الكتاب عند صدوره ردود فعل متضاربة في الصحافة البريطانية، خصوصاً وأنه يتناول مسـألة كثرت حولها الآراء والتكهنات.يعرف القراء العرب سـلوين لويد وزيراً للخارجية البريطانية، أثناء العدوان الثلاثي علي مصر في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1956، ويجهل الكثيرون أن سـلوين لويد كان من السـاسـة البريطانيين الأوائل الذين التقوا وتفاوضوا مع الرئيس المصري الراحل، جمال عبدالناصر، في السنوات الأولي لثورة 23 تموز (يوليو) عام 1952. ولعب لويد دوراً بارزاً في المفاوضات التي جرت حول مسـتقبل السـودان، ودوراً أكثر أهمية في تأسـيس The Central Treaty Organization منظمة المعاهدة المركزية (حلف بغـداد)، بالإضافة الي دوره المميز أثناء أزمة السـويس، سـواء في الأمم المتحـدة، أو في بريطانيا، أو في المحادثات السِّـرية الي أجراها مع كل من فرنسـا واسـرائيل.وقد خيَّبَ الكاتب آمال الكثيرين من النقاد، لأنه ـ خلافاً لما ورد في مقدمة الطبعة الجديدة ـ لم يكشـف أسـراراً جديدة، كما كان متوقعاً. ويرجع السبب في ذلك، في اعتقادي، الي أنه علي الرغم من كونه وزيراً للخارجية والسـاعد الأيمن لأنطوني إيدن، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، الا أن لويد كان شـخصاً غير متميز في منصبه ويقول الـدكتور روبرت كوك، أسـتاذ التاريخ البريطاني بجامعة أكسـفورد، أن شـخصية إيدن طغت علي شخصية وزير الخارجية ، وأن الأول كان يحرص علي أن يُسَـيِّر الأمور الخاصة بالحكومة، والسـياسـة الخارجية بالتحديد، بنفسـه . ومن هنا جاء كتاب سـلوين لويد بمثابة تفسـير وتبرير لما فعله رئيسـه. أما الحقيقة الثانية فهي صدور كتابين مهمين سـبقا كتاب لويد في الصدور بعـدة سنوات، وكشـفا الكثير من الحقائق والأسـرار المتعلقة بأزمة السـويس، وخاصة فيما يتعلق بالتنسـيق البريطاني ـ الفرنسـي ـ الإسـرائيلي، الذي يحاول سـلوين لويد جاهدا إنكار وجوده. أما هـذان الكتابان فهـما The Story of My Life لموشـيه دايان، وزير الدفاع الإسـرائيلي الراحل، وSuez لشـارل بينو، وزير الخارجية الفرنسية آنذاك.ويتضح من الكتاب أن سـلوين لويد بذل قصاري جهده لمعارضة ما ورد في كتابي دايان وبينو، في بعض المسـائل الثانوية (مثل التضارب في مواعيد بعض الاجتماعات)، معتقداً أنه، بذلك، سـينفي عن نفسـه وعن حكومته صفة التواطؤ مع كل من فرنسـا واسـرائيل.وقد أكد كل من موشـيه دايان وشـارل بينو، بما لا يدع مجالاً للشـك، أن الدول الثلاث (بريطانيا وفرنسـا واسـرائيل) كانت عازمة علي وضع حد لحكم الرئيس جمال عبدالناصر، ولو إسـتلزم ذلك اسـتخدام القوة العسـكرية. فقد تركزت فكرة الإطاحة بعبدالناصر في أذهان زعماء الدول الثلاث حتي قبل أن يقوم الزعيم المصري بتأميم قناة السـويس. وهكذا جاءت حملة السـويس لا للرد علي قرار التأميم الذي اعتبره سـلوين لويد خرقاً فاضحاً للاتفاقية الدولية حول قناة السويس و سـببا كافياً لاسـتخدام القوة ضد دكتاتور حاقد ومصاب بجنون العظمة يريد أن يفرض سيطرته علي الممر المائي (كـذا!!)، وانما كانت محاولة قامت بها الدولتان الاستعماريتان واسرائيل للإطاحة بحكم وطني في العالم العربي.كانت بريطانيا أول من شـعر بهذا الخطر، لأنه كان قائما في منطقة نفوذ مباشـر لها، ولأنها فشـلت، غير مرة، في الإطاحة بهذا الحكم أو ثنيه عن عزمـه، وذلك من خلال وضع العراقيل أمامـه. وعملت فرنسـا (أثناء حكم مولييـه) علي تحقيق الهدف نفسـه، منذ أن وجدت في النظام الجديد في مصر العزم علي دعم الثورة الجزائرية بالمال والسـلاح، وتأمين التغطية الإعلامية الكافية لها. ويعترف وزير الدفاع الإسرائيلي الراحل، موشـيه دايان، في مذكراته الآنفة الذكر، بأن دعم الرئيس المصري جـمـال عبدالناصر للثورة الجزائريـة كان من أهم الأسباب التي دفعت فرنسـا الي تزويد اسـرائيل بكافة أنواع الأسـلحة .أما بالنسبة لإسرائيل، فإن وجود حكم عربي وطني متحرر من القيود التي يمكن أن تمنعه من مواجهة اسرائيل عسـكرياً كان أمراً لا يمكن التسـليم به. وقد عزَّزت هجمات الفدائيين الفلسـطينيين، المنـــطلقين مـــن قطاع غــــزة، قناعة دافيد بـــن غوريون، رئيــــس وزراء اسرائيل آنذاك، بضرورة الإطاحة بعـــبدالناصر، قـــــبل أن يؤمم قـــناة السويس ويمـــــنع السفن الإسرائيلية من اسـتخدام هــــذا الممــــر المائي. فقـــــد أشـار بن غوريون في مذكراته Israel : A Personal History الي إقالة موشـيه شـاريت، وزير الخارجية آنذاك (حزيران ـ يونيو 1956) لأنه كان العضوالوحيد في الحكومة الإسرائيلية الذي يعارض اسـتخدام القوة العسكرية ضد مصر . ورأي بن غوريون أن وجود موشـيه شـاريت في الحكومة يضر بمصلحة اسرائيل .لقد أغفل سـلوين لويد كل هـذه الحقائق، وضَمَّن كتابه الحجج الواهية نـفـسـها، التي لم تقنع أحـداً، حتي في عام 1956.منذ السـطور الأولي، فشـل وزير الخارجية البريطانية الأسبق في أن يكون محايداً وموضوعـياً. فقد صرَّح بعدائه الشـديد لعبدالناصر… ويزعم لويد أن كراهيته للزعيم المصري الراحل لم تؤثر علي موضوعيته. فقد دفعت الكراهية لويد الي الخوض في التفاصيل اعتقاداً منه بأنه يبرر بها مواقفه هذه. فقد كان دائماً يزعم بأن عبدالناصر لم يكن أهلاً للثقة، لأنه لم يحفظ عـهداً .ويقول لويد أن عبدالناصر نكث وعداً قطعـه اليه بأن تتوقف أجهزة الإعلام المصرية عن مهاجمة بريطانيا . اذا ما توقفت الأخيرة عن محاولاتها لاسـتدراج الأردن (أو أية دولة عربية أخري) الي حلف بغـداد غير العراق.ويُرجع لويد تصرفات الرئيس المصري هذه الي نزعة تآمرية متأصلة فيه (كذا!!). كيف توصل لويد الي هذا الاسـتنتاج؟ يسـتند وزير الخارجية البريطانية الأسـبق الي ما قاله عبدالناصر له بأنه منذ أن كان ضابطاً صغيراً ورأي التدخل المُهين لبريطانيا في الشـؤون الداخلية المصرية بدأ يتآمر للإطاحة بالنظام الملكي والنفوذ البريطاني .ولا يري لويد أن قيام عبدالناصربإخفاء خططـه حول مسـتقبل القناة جزء من سـيادة مصر، ودفاع عن مصالحها الوطنية، التي لا يحق لأية جهة أجنبية أن تتدخل بها، بل يُرجعه الي النزعة التآمرية في شخصية عبدالناصر. ولكن لويد لا يري أي نزعة تآمرية في الأسـاليب الي لجأت اليها كل من بريطانيا وفرنسـا واسرائيل في تخطيطها لضرب مصر. ويزعم لويد بأن سوء النية لم يكن متوفراً آنذاك، وانما الهدف كان وقف دكتاتور حاقـد عـند حـدِّه .هل كانت حملة السـويس خطأ؟هل كان هناك تواطؤ بريطاني ـ فرنسي ـ اسرائيلي؟هل نجحت الحملة في تحقيق أهدافها؟علي السؤالين الأولين يجيب لويد بـ لا . بينما يؤكد أن الحملة قد حققت أهدافها. هل ارتكبت بريطانيا خطأ في عدوانها علي مصر؟ في الواقع يشـكل هذا السؤال محور الكتاب، ويحاول لويد أن يثبت صحته في كل فصل من فصوله. وفي هذا المجال ينقل لويد فقرات من أحاديث وآراء لأكاديميين بريطانيين بارزين، تجادل بمشـروعـية اتخاذ بريطانيا اجراءات عسكرية ضد مصر، وبعدم مشروعية تأميم قناة السويس.إن مزاعم لويد بأن ما قامت به بريطانيا يسـتند الي القانون الدولي لا تغير من حقيقة العـدوان الذي قامت به الدول الثلاث ضد دولة مارست حقها الطبيعي (الذي يُقره القانون الدولي العام) بفرض سـيادتها علي مواردها الوطنية.وفي محاولة لتبرير ما قامت به الدولتان الاسـتعماريتان قام لويد بعقد مقارنة بين جمال عبدالناصر والزعيم النازي أدولف هتلر، وبين فلسـفة الثورة و Mein Kampf كفاحي . وفي كل فصل من فصول الكتاب يذكر المؤلف القارئ بما قام به الزعيم النازي من احتلال قسـم كبير من أراضي تشيكوسلوفاكيا، وكيف أن الفشل الأوروبي (وخاصة البريطاني) في الرد علي خطوة هتلر هذه كان السبب الرئيسي في إشعال الحرب العالمية الثانية، وما جرّته علي البشرية من ويلات، وكيف أن الرئيس المصري (وآراءه المدونة في كتابه فلسفة الثورة ) كان يشكل خطراً مماثلاً (كـذا!!).ويرفض سلوين لويد، بإصرار، وجود أي تواطؤ، وينكر أن يكون له (أو للحكومة البريطانية) أي علم بالتواطؤ الفرنسي ـ الإسرائيلي، ويؤكد أن حكومته علمت بالتنسيق العسكري الفرنسي ـ الإسرائيلي قبل أيام قليلة من وقوع الهجوم الإسرائيلي علي سيناء (في التاسع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1956) .وحتي لو أخذنا بصحة مزاعم لويد هـذه، فان الحقائق تؤكد أن الحكومة البريطانية أعدت خطة لحملة عسكرية أطلقت عليها اسـم Musketeer في شهر آب (أغسطس) عام 1956، لاحتلال منطقة قناة السويس. ويؤكد موشـيه دايان في كتابه The Story of My Life قصـة حياتي أن فرنسـا كانت متواطئة مع اسرائيل، وأن بريطانيا كانت علي علم بذلك، وكانت في الوقت نفسـه تنسـق خططها العسكرية والدبلوماسية مع فرنسـا . ويمر سـلوين لويد، مرور الكرام، علي حدث غاية في الأهمية، وهو موافقة الحكومة الفرنسية، في أيلول (سبتمبر) 1956، علي اعطاء أسلحة متطورة لإسرائيل، ومن بينها عدد كبير من طائرات مسـتير . ولا يشـير الي التقارير التي نشـرتها الصحف البريطانبة في حينه، والتي أكدت أن هذه الأسلحة والطائرات كانت تنقل عن طريق القواعد الجوية البريطانية في قبرص.هل نجحت حملة السويس في تحقيق أهدافها؟ علي الرغم من فشـل العدوان، وما نتج عنه من هبوط في سمعة بريطانيا وفرنسـا، فان سلوين لويد يصر علي التأكيد بأن العدوان نجح في مجالات مهمة:ہ تثبيت الحكومات الموالية للغرب التي كان عبدالناصر يشـكل تهديداً لها . وتقليص نفوذ عبدالناصر. ومن نافلة القول أن العدوان أدي الي تثبيت نظام عبدالناصر، وأن الحركات العسكرية في المنطقة العربية بدأت تعمل، منذ ذلك الحين، للإطاحة بالأنظمة الموالية للغرب.ہ يزعم لويد أن حملة السويس نجحت في تأخير أزمة النفط الي عام 1973 ؛ فهو يري أن عبدالناصر كان سـيملي شـروطه الخاصة لاستخدام قناة السويس . ونتيجة لذلك سـيتسني له الإمساك بشريان النفط الذي يمر عبر قناة السويس بيديه . وأن الحملة نجحت في منع الرئيس المصري من القيام بذلك.إن أي مراقب محايد لا يمكن أن يقتنع بهذه المزاعم لسبب بسيط، وهو أن بريطانيا، بصورة خاصة، (في العراق وايران) والدول الغربية، بصورة عامة، كانت مهيمنة علي الثروة النفطية في المنطقة، وأن أكثرية (إن لم تكن كافة) حكومات الدول المنتجة للنفط كانت مُسَـيَّرة من قبل بريطانيا (باسـتثناء تجربة الدكتور محمد مصدق في ايران). لقد استطاعت الدول الغربية، وطوال ما يزيد علي سبعة أعوام، الحصول علي نفط المنطقة، عن طريق البحر الأبيض المتوسط، أو عن طريق رأس الرجاء الصالح.وبـعــد؛إن كتاب سلوين لويد يبقي نموذجاً للمواقف البريطانية تجاه الأمة العربية ومشـاكلها، هذه المواقف غير الواقعية التي سببت للأمة العربية، بصورة عامة، وللشـعب الفلسطيني، بصورة خاصة، المآسي التي ما زلنا نعاني منها. والموقف البريطاني الأخير المؤيد للعدوان الأمريكي السـافر علي العراق والحرب الاسرائيلية علي لبنان في تموز (يوليو) الماضي خير دليل علي ذلك. وعلاوة علي ذلك فإنه يبقي تبريراً سطحياً وسـاذجاً لعدوان أجمعت الأسـرة الدولية علي ادانتـه، واعترفت الحكومات البريطانية المتعاقبة بخطئه وقصر نظر أولئك الذين خططوا لـه.وليس ثمة شـك في أن الكتاب كان سـيكتسـب أهمية أكبر لو كلف المؤلف نفسـه عناء البحث في أسباب فشـل أنطوني إيدن في إدارة الأزمات، أو في تفهم المتغيرات الدولية، وتحليل التغييرات التي طرأت علي السياسـة البريطانية بعد تأميم قناة السويس.إن النتيجة التي يمكن أن نسـتخلصها من كتابSuez 1956 هي حقيقة أنه، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فقدت بريطانيا القدرة علي التصرف بحرية (كما اعتادت في الأيام الخوالي، عندما كانت الإمبراطورية لا تغيب عنها الشـمس) دون اسـتشـارة الولايات المتحدة الأمريكية. إن معارضة الرئيس الأمريكي آيزنهاور، ووزير خارجيته جون فوسـتر دالاس، للعدوان الثلاثي، لا تعدو كونها محاولة لإفهام بريطانيا ذلك، و وضعها في حجمها الحقيقي . وقد أدركت الحكومات البريطانية (العُمَّـالية والمحافظـة، علي حـد سـواء) ذلك، وأخذت تؤقلم نفسـها للعيش في ظـــــل هذا الواقع الجديد. ولعل ما حدث في العراق يبين الحجم الحقيقي للدور الذي تقوم به كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانـيا، كل علي انفراد، وبالاشـتراك.ہ كـاتب وأكـاديمي فلسطيني مقيـم في السـويد7